أوروبا في مهبّ الرياح الأوكرانية وتململ فرنسي ألماني من التفرّد الأميركي

22

بعد مرور نحو عام على اندلاع الحرب الأطلسية على روسيا، يمكننا القول بأنّ أوروبا سقطت بمثابة أول ضحايا هذه الحرب. فأوروبا كما تظهر على المسرح الدولي اليوم لم تعُد أوروبا جاك شيراك (فضلاً عن غيرهارد شرودر) الذي ذهب يوماً الى روسيا واصطحبه بوتين آنذاك معه الى المركز الاستراتيجي للقيادة والسيطرة للرحلات الفضائية تيتوف، في رسالة يومها لواشنطن، بانّ روسيا يمكن أن تكون صديقة، بل وحتى مظلة نووية للدفاع عن القرار الأوروبي المستقلّ، وعضواً مستقبلياً في الاتحاد الأوروبي، كما صرّح بوتين نفسه يومها. فأوروبا، ما بعد أوكرانيا لم تعُد أوروبا شيراك، ولا حتى ميركل، بل هي مجموعة تتخبّط، وتفتقر لاستراتيجية واضحة ناهيك عن رؤية مستقلة ومتوازنة في كلّ الملفات الحيوية العالمية.
وهي تخسر مع كلّ يوم يمرّ في الساحة الدولية من وزنها المعنوي الكثير، إضافة الى خسائرها المادية التي لا تعدّ ولا تحصى، من بينها فقط وعلى سبيل المثال لا الحصر عشرات الآلاف من الشركات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة التي كانت تعمل في روسيا. وعلى وقع هذا السقوط أمام العاصفة الأوكرانية اجتمع كلٌّ من المستشار الألماني والرئيس الفرنسي في الأليزيه في باريس، بمناسبة مرور ستين عاماً على توقيع اتفاقية الصداقة بين ألمانيا وفرنسا لإظهار تماسك قوتهما الأوروبية… الاتفاق الذي نص يومها على إنهاء العداء المتوارث بين ألمانيا وفرنسا وبدء مرحلة بناء أوروبا الجديدة، وهو ما كان قد تعزز بالتجديد عليه بتاريخ ٢٢/١/٢٠١٩ بين الرئيس ماكرون والمستشارة ميركل، وصودق عليه من قبل برلماني البلدين آنذاك.

وقد علقت المستشارة ميركل يومها على ذلك التوقيع بالقول: «نريد إعطاء الوحده الأوروبية دفعاً جديداً .» وقد سُمّي يومها باتفاق آخن نسبة الى المدينة الألمانية الواقعة على الحدود الهولندية التي وُقّع فيها. بينما ركز الاجتماع الذي عقد يوم أول أمس، بين ماكرون وشولتس، على ضرورة تقوية أوروبا أيضاً: «إنّ أوروبا ذات السياده القوية تؤمّن السلام والازدهار والحرية لسكان أوروبا» (هذا ما قالوه) . ومن أجل أوروبا القوية غداً، يجب علينا اليوم أن نقوّي جيوشنا ونستثمر المزيد في صناعاتنا العسكرية. اذ انّ هذا (تقوية الصناعة العسكرية والجيوش) يجعل أوروبا شريكاً أكثر (أقوى) للولايات المتحدة .» لم يصدر هذا الكلام في بيان رسمي وإنما على شكل مقتطفات خصّ بها الرئيسان، صحيفة «فرانكفورتر الغماينه تسايتونغ» ونشرتها على موقعها الإلكتروني. أوروبا هذه، الحالمة بالقوة، فقدت قبل أيام، حتى موقفها الوسيط مع دول صاعدة يفترض أنها ليست عدوة لها، لا بل قد تكون وسيلة لها لتقوية استقلالها بوجه واشنطن، لكنها سقطت مرة أخرى في الامتحان من خلال اتخاذها لمواقف متطرفة لا لزوم لها تجاه طهران كرمى عيون واشنطن، وثكنتها العسكرية المقامة على اليابسة الفلسطينية المسمّاة «إسرائيل».

فكان السقوط المدوّي بقرار البرلمان الأوروبي بتصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة ارهابية! مصادر وثيقة الصلة بمطبخ صناعة القرار الأوروبي تؤكد، بأنّ القرار وانْ كان غير فعّال أصلاً ولن يلزم دول الاتحاد وهو لا يعدو عن كونه دعاية معادية لإيران، تماهياً مع سياسات واشنطن، المتعلقة بالحرب النفسية ضدّ طهران . إلا أنه يشكل في الواقع، سقوطاً مدوياً للهيبة الأوروبية، والقوامة على قرارها المستقلّ في المعادلة الدولية، وهو ما تسعى إليه واشنطن بشدة، في كلّ الملفات المشتركة بين الطرفين، لا سيما بعد قرارها الأحمق في إعلان الحرب ضدّ روسيا. بالفعل القرار البرلماني الأوروبي لا أفق له بالطبع على أرض الواقع… سوى كونه قرار ترضية للسيد الأميركي كما تؤكد المصادر المطلعة، مقابل امتناع الأوروبيين عن تزويد زيلينسكي بدبابات ليوبارد الألمانية ودبابات لوكلير الفرنسية … ومن المعلوم انّ البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ في الواقع ليس سوى واجهة فرنسية ألمانية، تعبّر عن رغبة مشتركة مكبوتة لدى باريس وبرلين، بأن تظهرا عالمياً بأنهما لاعبان مستقلان دولياً، وهي ما بدأت تترنح أمام الضربات الأميركية. الخارجية الإيرانية في هذه الأثناء هدّدت بالانسحاب من معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية إذا لم يصحّح الاتحاد الأوروبي موقفه. فيما هدّد مجلس الشورى الإسلامي باستصدار قرار يعتبر الجيوش الأوروبية «منظمات إرهابية» ـ كما جاء على لسان رئيس مجلس الشورى الإسلامي، محمد باقر قاليباف.

والتصريحات الإيرانية هذه، حسب المصادر المطلعة، تصريحات فعّالة وقوية وواضحة جداً. فيما المصالح الأوروبية في منطقة غرب آسيا كبيرة ومتشعّبة ومن الصعب التضحية بها.
المصالح الاقتصادية وقبل كلّ شيء تمركز قوات مسلحة / وأفراد عسكريين / لكلّ الدول الأوروبية في الكثير من دول الإقليم، هذه القوات ستكون هدفاً لجميع الجهات الحليفة لإيران في المنطقة.

وهذا أمر لا تستطيع الدول الأوروبية تحمّله ولا مواجهته عسكرياً. صحيح أنّ قرار ستراسبورغ، غير ملزم للدول الأعضاء البتة لكنه لو حصل فهو بمثابة إعلان حرب، سيطيح بما تبقى من مكانة وقوة أوروبا على يد الإيرانيين. تقدير الموقف لدى المصادر يقول بأنّ دول الاتحاد لن تذهب الى تفعيل قرار برلمان ستراسبورغ، وإنها ستحاول التملص مما صدر في مقر البرلمان. وهو البرلمان المعروف بأنه واقع تحت تأثير القوى الماسونيّة والصهيونية العالمية، لا سيما أنّ رئيسته المالطية متورّطة في فضائح قد تؤدّي الى محاكمتها وطردها من وظيفتها، ما قد يكون ساهم في اندفاعتها لصالح السيد الأميركي الصهيوني. ختاماً يمكن القول بانّ أوروبا سقطت عملياً وأصبحت هشة كثيراً وأنها ستظلّ أسيرة تململ غير مجدٍ ما دامت عاجزة عن اتخاذ موقف مستقّل عن واشنطن، كما أنها ستتراجع أيضاً عن عنترياتها، تجاه إيران، ما يجعلها أشبه ما تكون بأعجاز نخل خاوية.

محمد صادق الحسيني

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا