ديون امريكا 31.4 تريليون دولار.. والمعركة حولها تهدد بكارثة اقتصادية

47

زادت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة الأمريكية، من حدة التأزّم السياسي القائم بالأصل بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي اللذين يخوضان هذه الأيام منازلة كبرى في الكونغرس عنوانها “ديون البلاد”.

وبناء على ذلك، تتجه الأنظار إلى الجمهوريين المحاصرين بين نار مهادنة الديمقراطيين والموافقة على رفع سقف الديون، أو المخاطرة بوقوع كارثة مالية خطيرة، كانت مؤشراتها بدأت بالظهور، مع خفض وكالة الائتمان ستاندرد آند بورز تصنيفها في آب الفائت لديون الولايات المتحدة للمرة الأولى على الإطلاق.

وفي ظل التعنت الجمهوري هذا قرعت وزارة الخزانة الأمريكية جرس الانذار الأخير، وحذّرت من أنها ستحتاج إلى اتخاذ “إجراءات استثنائية” (شرعت بها اعتبارًا من أمس الخميس) لتأجيل كارثة اقتصادية لبضعة أشهر، بعد أن بلغ مقدار الديون الحالية التي اقترضتها الحكومة الأمريكية إلى ما يصل إلى 31.4 تريليون دولار.

اللافت، أنه بالرغم من هذه المخاطر التي تلوح في الأفق، بقيت مواقف كِلا الطرفين على حالها. فإدارة الرئيس جو بايدن، تحثّ المشرّعين على تمرير قانون يسمح بمزيد من الاقتراض، بالمقابل أكد العديد من أعضاء مجلس النواب الجمهوريين أنهم سيصوّتون لصالح هذا القانون فقط، إذا وافقت الإدارة على تخفيضات كبيرة في الإنفاق، وهو ما يعتبره البيت الأبيض والأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ بمثابة بداية غير موفقة.

ما هي الديون الأمريكية؟

الديون الأمريكية هي قيد قانوني على مقدار الأموال التي يمكن للحكومة الفيدرالية اقتراضها لدفع فواتيرها. وبهدف ضبط الأمور، وضع الكونغرس سقفًا للديون في العام 1917، كطريقة لكبح جماح الوكالات الفيدرالية التي كانت تتجاهل بشكل أساسي سلطة المشرعين الدستورية لتحديد مقدار الأموال التي يمكن للحكومة إنفاقها.

ما يجدر معرفته أن رفع حد الدين مسألة سياسية بطبيعتها، وعادة ما تستحوذ على أكبر قدر من الاهتمام غداة انقسام الحكومة في واشنطن، لأنه عندما يسيطر حزب واحد على الكونغرس والبيت الأبيض، فإنه عادة ما يختار رفع الحدّ دون جدل.

من هنا، تجادل الأغلبية الجمهورية الجديدة في مجلس النواب بأنه يجب أن تُفرض قيود مالية على الميزانية الفيدرالية لكبح جماح الإنفاق، لأن معركة الديون تعطيهم فرصة لإظهار هذا التصميم. بالمقابل، يُصرّ الديموقراطيون على أن هذا الجهد هو مبالغة في المخاطرة بتخلف الولايات المتحدة عن سداد ديونها، وهو أمر لم يحدث من قبل، ومن المحتمل أن يكون ضارًا بالاقتصاد المحلي.

ما هي تداعيات رفع الكونغرس لسقف الديون؟

خلال معظم السنوات، كانت الحكومة الفيدرالية تنفق أكثر مما تأخذ، الأمر الذي دفعها لاقتراض الأموال لتغطية النقص، وبالتالي هذا يعني أن الاقتراض يصل إلى الحد الأقصى في كثير من الأحيان.

علاوة على ذلك يمكن للمشرعين إما رفع سقف الدين بمقدار محدد، أو التصويت على تعليق سقف الدين لفترة من الوقت، للسماح لوزارة الخزانة باقتراض ما تحتاجه. فحتى وقت قريب، كان رفع سقف الديون عملاً روتينيًا في الكونغرس. إذ انه منذ عام 1960 تدخل الكونغرس 78 مرة لتغيير حد الدين بطريقة ما، وفقًا لوزارة الخزانة الامريكية.

ماذا يحدث في حال تخلفت الحكومة عن سداد ديونها؟

يبدو المشهد قاتمًا وسوداويًا (بالنسبة لادارة الرئيس جو بايدن)، إذا حصل وتخلفت الحكومة الامريكية عن دفع ديونها. ومن الأمثلة على ذلك أنه عندما كانت الولايات المتحدة على وشك اختراق سقف الديون في تشرين الأول/ اوكتوبر 2021، حذّرت آنذاك صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية من أن حكومة الولايات المتحدة، لن تكون قادرة على دفع أكثر من 60 بالمائة، من فواتيرها في الأسبوع الأول من التخلف عن السداد، وبالتالي ستضطر إلى تحديد الأولويات من بين النفقات المختلفة التي تلتزم بها قانونًا بالفعل – ولكنها لن تكون قادرة على اقتراض الأموال – مثل دفع الضمان الاجتماعي ، وإصدار استرداد الضرائب، ودفع رواتب العمال الفيدراليين وأعضاء الجيش.

من هنا، فإن مثل هذا السيناريو ان تكرر هذا العام يمكن أن يغرق الولايات المتحدة على الفور في الركود. وفي هذا السياق وجد مارك زاندي كبير الاقتصاديين في وكالة Moody’s Analytics أن المأزق المطوّل بشأن سقف الديون سيكلف الاقتصاد الأمريكي ما يصل إلى 6 ملايين وظيفة، والقضاء على ما يصل إلى 15 تريليون دولار من ثروة الأسرة، ورفع معدل البطالة من حوالي 5 الى 9 بالمائة.

هل حصل سابقا مثل هذا الجدل حول التخلف عن دفع الديون؟

في الماضي القريب، اقتربت الولايات المتحدة من التخلف عن السداد، لدرجة أن تصنيفها الائتماني انخفض. ففي عام 2011 على سبيل المثال صوت الجمهوريون في مجلس النواب ضد مشروع قانون لرفع حد الدين ما لم تخفض الحكومة إنفاقها السنوي. حينها، وافق الرئيس الأسبق باراك أوباما على قيود الإنفاق الصارمة التي انتهت صلاحيتها مؤخرًا.

وفي أعقاب ذلك التاريخ كانت هناك معارك منتظمة إلى حد ما، حول حدّ الديون والتي غالبًا ما تجبر وزارة الخزانة على اتخاذ ما تسميه “إجراءات استثنائية” لتجنب الاقتراض أكثر. ولهذا يحذر الخبراء الماليون غير الحزبيين في “خدمة أبحاث الكونغرس” من أن التهديد بالتخلف عن السداد، سيؤدي إلى نتائج عكسية على الصحة المالية للدولة، مما يقلل من الوضع المالي للدولة ويرفع أسعار الفائدة، وبالتالي يجعل الاقتراض أكثر تكلفة بمجرد الوصول إلى صفقة بشأن سقف الدين.

ما هي الحلول التي يتوقع أن تتخذها الحكومة في ظل المواجهة الجمهورية الديمقراطية؟

يمكن القول إن الحكومة ليست مطلقة اليدين لحل اشكالية الديون، بل إنها محكومة بتوافق الجمهوريين والديمقراطيين. وتبعًا لذلك أكدت وزيرة الخزانة “جانيت يلين” أنها ستقوم باتخاذ عدد من التدابير الاستثنائية، من ضمنها تعليق استثمارات العديد من الصناديق الحكومية، واستهداف أسهل الديون التي يمكن للحكومة سدادها مع الاقتراض بأقل قدر ممكن.

ونبهت “يلين” أيضًا في رسالة إلى رئيس مجلس النواب كيفين مكارثي (جمهوري من كاليفورنيا) أن وزارة الخزانة لا يمكنها التنبؤ بالوقت الذي قد تشتريه هذه السياسات الصارمة للحكومة الفيدرالية. لذلك يتطلب تجنب السيناريو الأسوأ، أن تتوصل إدارة بايدن ومجلس الشيوخ الديمقراطي والمجلس الجمهوري، إلى اتفاق بشأن رفع الحد الأقصى للديون.

المفارقة أن مناشدات “يلين”، لم تلق اذانًا صاغية لدى الحزب الجمهوري في مجلس النواب، والذي ما زال منقسمًا بين الفصائل المحافظة والمعتدلة بشأن كيفية التعامل مع المحادثات التي يقول المشرعون إنها بدأت بالكاد.

في الختام، يسعى البيت الأبيض والديمقراطيون في الكونغرس إلى لجم الخلاف القائم مع الجهوريين، لذا يقولون إنهم لا يفكرون في رفع الحد الأقصى لقضية يمكن التفاوض بشأنها، بل يأملون في تسوية ما، تقرّب بين وجهات النظر المتباعدة جدًا بشأن هذه المسألة تجنبًا لحدوث أزمات مالية خطيرة في المستقبل، قد تؤثر بالدرجة الأولى على إنفاق امريكا العسكري المتضخم أصلًا.

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا