هل يكرر ريشي سوناك تجربة باراك أوباما؟

94

في سابقة هي الأولى من نوعها، اختار حزب المحافظين في بريطانيا، البريطاني–الهندي الأصل ريشي سوناك ليكون رئيساً للحزب، وبالتالي رئيساً لمجلس وزراء بريطانيا، ما عده كثيرون “لحظة تقدمية” في السياسة البريطانية التقليدية التي عُرفت رئاسة الوزراء فيها بأنها للبريطانيين البيض حصراً.
لا شك في أن المهمة الملقاة على عاتق سوناك ليست سهلة بعد سلسلة من الإخفاقات الاقتصادية والسياسية التي امتدت منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مروراً بفترة حكم تيريزا ماي، فبوريس جونسون، وصولاً إلى ليز تراس التي انهار معها الجنيه الإسترليني وانهارت معها الأسواق المالية، ما دفعها إلى الاستقالة على الرغم من أيامها المعدودة في الحكم.

وإذا كان سوناك قد وصل على خلفية المأزق القيادي الذي وصل إليه حزب المحافظين البريطاني، فإن اللحظة التاريخية البريطانية تشبه إلى حدٍ بعيد اللحظة الأميركية التي أوصلت باراك أوباما إلى البيت الأبيض، وذلك على النحو التالي:

المأزق السياسي الحزبي:

تعاني الأحزاب الغربية عموماً أزمة قيادية، تتراوح بين طبقة تقليدية “هرمة” تسيطر على مقدرات الحزب وتمنع تداول السلطة مع قيادات شابة، وقيادات شعبوية تحاول اختصار الأحزاب بشخصها وتحويلها من مؤسسات حزبية إلى أحزاب-الشخص القائد الملهم.

بينما سيطر فيه دونالد ترامب على الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأميركية واختصره بشخصه وأقصى معارضيه، فإن الحزب الديمقراطي ينقسم إلى تيارات ثلاثة متصارعة: التيار التقليدي الأول بزعامة الرئيس الأسبق باراك أوباما وامتداداً إلى الرئيس جو بايدن، والتيار التقليدي الثاني بزعامة هيلاري وبيل كلينتون، في مقابل تيار ليبرالي تقدّمي بزعامة بيرني ساندرز.

في المقابل، وصل سوناك إلى رئاسة حزب المحافظين، وورث حزباً منقسماً على خطوط عدة، تتراوح بين اليسار واليمين. الصعوبة الكبرى التي سيواجهها سوناك، مصدرها الجناح الشعبوي المؤيّد لجونسون، وهو أكثرها تطرّفاً في موضوع الخروج من الاتحاد الأوروبي، والذي يمكنه -إذا أراد جونسون- أن يُغرق سوناك ويطيحه بالتزامن مع الإضرابات العمالية المتوقعة هذا الشتاء.

أزمة اقتصادية عالمية:

وصل أوباما إلى البيت الأبيض في ظل أزمة اقتصادية عالمية، بدأت في الولايات المتحدة وامتدت إلى أنحاء العالم، وعُدّت الأسوأ على الإطلاق منذ زمن الكساد الكبير عام 1929. بدأت الأزمة بما سمّي أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة وامتدت إلى المصارف الأميركية، التي انهار منها 19 مصرفاً عام 2008.

وبالمشهد نفسه تقريباً، يصل سوناك إلى رئاسة مجلس الوزراء في المملكة المتحدة، في ظل تنبّؤات بركود اقتصادي عميق وارتفاع في أسعار الكهرباء والطاقة والتضخم، وأزمات اقتصادية متوقعة ترتبط بأزمة جائحة كورونا والحرب الدائرة في أوكرانيا والعقوبات التي فرضها الغرب على روسيا.

تعثّر الإمبراطورية:

ورث أوباما عن سلفه جورج بوش الابن، دولة منخرطة في حربين مكلفتين في الشرق الأوسط، وأصواتاً شعبية في الداخل تطالب بعودة الجنود الأميركيين إلى منازلهم، وكثيراً من الانتقادات الداخلية والخارجية لسياسة القوة الصلبة التي أضرّت بصورة الولايات المتحدة في الخارج.

كما جورج بوش والمحافظين الجدد الذين انخرطوا في حروب خارجية في الشرق الأوسط من دون رؤية واضحة للمستقبل، لم يكن هناك رؤية واضحة لدى حزب المحافظين تجاه ما يعنيه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فغرقت تيريزا ماي وبوريس جونسون في المشكلات والتحديات، وكانت رئاسة ليز تراس لمجلس الوزراء الأقصر على الإطلاق بعد سلسلة من المشكلات التي تسبّبت بها بنفسها ولقلة خبرتها.

وفي النتيجة، ومع أن الظروف الموضوعية والحزبية الداخلية هي التي أملت هذه “الثورة” التغييرية داخل الولايات المتحدة وبريطانيا، لكن تجربة باراك أوباما على الصعيد الاجتماعي–السياسي الداخلي لم تكن مشجعة فقد ساهمت في تعميق الانقسامات وزادت القلق على الهوية الحضارية لدى الطبقات البيضاء، بالتزامن مع مشكلات اقتصادية أضرّت بالطبقات المتوسطة.

لقد أدّت الأزمة الاقتصادية العالمية، وتراجع مستوى معيشة الطبقات المتوسطة البيضاء، ووصول شخص من ذوي البشرة السوداء، أي باراك أوباما إلى البيت الأبيض للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، إلى زيادة حدّة الانقسامات وارتفاع نسبة التأييد لأشخاص أمثال دونالد ترامب ومارغوري غرين المتطرفة وغيرهم، لذا يحتاج ريشي سوناك في المملكة المتحدة إلى المزايدة في التطرف ليوازي الشعبوية التي يتمتع بها بوريس جونسون، وهذا سيجعل المشكلات البريطانية تتفاقم ربطاً بالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية المرتقبة وصعوبة الملفات الشائكة كملف إيرلندا الشمالية والاتفاق على آليات الخروج من الاتحاد الأوروبي.

بقلم: ليلى نقولا

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا