“دوائر الجن” السريالية في ناميبيا تبدد الغموض حول أصولها

107

حيّر أصل “دوائر الجن” في ناميبيا العلماء لما يقارب نصف قرن. وهي دوائر غريبة من الرمال عارية من العشب في أماكن يكثر العشب فيها، تتشكل وتختفي بعد سنوات دون سبب معروف.

وعزا العلماء منذ فترة طويلة هذه الدوائر ذات الألوان الحمراء، المتواجدة بشكل ملحوظ في الأراضي العشبية في ناميبيا وشمال غرب أستراليا، إما إلى النمل الأبيض أو أن النباتات كانت منظمة ذاتيا بطريقة ما.

والآن، توصلت مجموعة من العلماء من جامعة غوتنغن في ألمانيا، إلى أدلة جديدة تدعم نظرية التنظيم الذاتي التي حاولت الدراسات السابقة من خلالها شرح طبيعة “دوائر الجن” الغامضة الموجودة في صحراء ناميب، أقدم صحاري العالم على طول ساحل ناميبيا وجنوب غرب إفريقيا وغرب أستراليا.

واستنادا موسمين من هطول الأمطار “جيدان بشكل استثنائي” في صحراء ناميب، أظهر العلماء أن الأعشاب داخل “دوائر الجن” ماتت فور هطول الأمطار، لكن نشاط النمل الأبيض لم يتسبب في ظهور البقع العارية.

وتُظهر قياسات رطوبة التربة المستمرة أن الأعشاب حول الدوائر استنفدت المياه داخل الدوائر بقوة، وبالتالي، من المحتمل أن تسبب موت الأعشاب داخل الدوائر.

وبحسب النتائج التي نُشرت في مجلة Perspectives in Plant Ecology، Evolution and Systematics، فإن الأعشاب تشكل هذه الدوائر، التي يتراوح عرضها بين 2 و10 أمتار، لتحقيق أقصى استفادة من الأمطار النادرة.

وعلى بعد نحو 80-140 كيلومترا من الساحل في ناميب، هناك الملايين من “دوائر الجن”، يبلغ عرض كل منها بضعة أمتار، وتشكل معا نمطا مميزا مرئيا لأميال حولها.

وتابع العلماء أحداث الأمطار المتفرقة في عدة مناطق في هذه الصحراء، وفحصوا الحشائش وجذورها وبراعمها وأضرار الجذور المحتملة التي يسببها النمل الأبيض.

وغالبا ما يُلقى باللوم على النمل الأبيض، وهو حشرات صغيرة تعيش في مستعمرات كبيرة حول العالم، في موت الأعشاب.

واهتم العلماء كثيرا بالتحقيق في ظروف احتضار الحشائش داخل “دوائر الجن” مباشرة بعد هطول الأمطار، ما أدى إلى نمو جديد للأعشاب.

وبالإضافة إلى ذلك، قاموا بتركيب مستشعرات رطوبة التربة في الدوائر وحولها لتسجيل محتوى التربة والمياه على فترات مدتها 30 دقيقة بدءا من موسم الجفاف 2020 حتى نهاية موسم الأمطار 2022.

ومكّن ذلك العلماء من تسجيل كيفية تأثير نمو الأعشاب الناشئة الجديدة حول الدوائر بدقة على مياه التربة داخل الدوائر وحولها. وبحثوا في الاختلافات في تسرب المياه بين داخل وخارج الدوائر في عشر مناطق عبر صحراء ناميب.

وتظهر البيانات أنه بعد نحو عشرة أيام من هطول الأمطار، بدأت الأعشاب تموت بالفعل داخل الدوائر، في حين أن معظم المناطق الداخلية للدوائر لم يكن لديها إنبات العشب على الإطلاق. وبعد عشرين يوما من هطول الأمطار، كانت الأعشاب داخل الدوائر ميتة تماما ولونها أصفر بينما كانت الأعشاب المحيطة حيوية وخضراء.

وعندما فحص الفريق جذور الأعشاب من داخل الدوائر وقارنوها بالأعشاب الخضراء من الخارج، وجدوا أن الجذور داخل الدوائر كانت طويلة أو أطول من تلك الموجودة بالخارج. ويشير هذا إلى أن الأعشاب كانت تبذل جهدا في نمو الجذور بحثا عن الماء. ومع ذلك، لم يجد العلماء أي دليل على أن النمل الأبيض يتغذى على الجذور.

ولم يكن الأمر كذلك إلا بعد خمسين إلى ستين يوما من هطول الأمطار، حيث أصبح تلف الجذور أكثر وضوحا في الأعشاب الميتة.

ويوضح الدكتور ستيفان غيتزين، من قسم نمذجة النظم البيئية بجامعة غوتنغن ، أن “الغياب المفاجئ للعشب في معظم المناطق داخل الدوائر لا يمكن تفسيره بنشاط النمل الأبيض لأنه لا توجد كتلة حيوية لهذه الحشرات لتتغذى عليها. ولكن والأهم من ذلك، يمكننا أن نظهر أن النمل الأبيض ليس مسؤولا، لأن الحشائش تموت مباشرة بعد هطول الأمطار دون أي علامة على أن المخلوقات تتغذى على الجذور”.

وعندما حلل الفريق البيانات الخاصة بتقلبات رطوبة التربة، وجدوا أن الانخفاض في مياه التربة داخل وخارج الدوائر كان بطيئا للغاية بعد هطول الأمطار الأولي، عندما لم تكن الأعشاب استقرت بعد. ومع ذلك، عندما تم ترسيخ الأعشاب المحيطة، كان الانخفاض في مياه التربة بعد هطول الأمطار سريعا جدا في جميع المناطق، على الرغم من عدم وجود أعشاب تقريبا داخل الدوائر لأخذ المياه.

ويشرح غيتزين: “في ظل الحرارة الشديدة في ناميب، تتسرب الأعشاب بشكل دائم وتفقد المياه. ومن ثم، فإنها تخلق فراغات رطوبة في التربة حول جذورها ويتم سحب المياه نحوها. وتتفق نتائجنا بشدة مع نتائج الباحثين الذين أظهروا أن الماء في التربة ينتشر بسرعة وبشكل أفقي في هذه الرمال حتى على مسافات تزيد عن سبعة أمتار”.

ويضيف غيتزين أنه “من خلال تشكيل مناظر طبيعية مزخرفة بقوة لدوائر الجن متباعدة بشكل متساو، تعمل الأعشاب كمهندسي نظام بيئي وتستفيد مباشرة من الموارد المائية التي توفرها فجوات الغطاء النباتي. وفي الواقع، نحن نعرف هياكل نباتية ذاتية التنظيم ذات صلة من مختلف الأراضي الجافة القاسية الأخرى في العالم، وفي جميع هذه الحالات، ليس للنباتات فرصة أخرى للبقاء على قيد الحياة إلا من خلال النمو بالضبط في مثل هذه التكوينات الهندسية”.

ويمكن لهذه الدراسة أن تساعد في فهم النظم البيئية المماثلة، لا سيما فيما يتعلق بتغير المناخ، لأن التنظيم الذاتي للنباتات يحمي من الآثار السلبية الناجمة عن زيادة الجفاف.

المصدر: phys.org

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا