أميركا: تصاعد معارضة الجمهوريين للمساعدات لأوكرانيا.. “اقتصادنا سُيدمر”

119

مع اندلاع العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا في شباط/ فبراير الماضي، توحد غالبية الجمهوريين والديمقراطيين في الكونغرس الأمريكي، وسمحوا بتمرير مشاريع قوانين بمليارات الدولارات (من جيوب دافعي الضرائب الأمريكيين) لتقديم مساعدات عسكرية ومالية إلى كييف، كموقف جيوــ سياسي لإسقاط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وهزيمته.

لكن في الآونة الأخيرة، يبدو أن جبهة الدعم الأمريكي لأوكرانيا من الحزبين، بدأت بالتصدع والتفكك والتلاشي، مع تصاعد أصوات بعض المشرعين والمرشحين الجمهوريين، الذين أعربوا عن استيائهم من مبالغ المساعدات الضخمة، وحذروا من أن الاستمرار في هذا المسار سينعكس برأيهم سلبًا على الاقتصاد الأمريكي ويلحق به أضرارًا بالغة.

الاشارة الأخطر بالنسبة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وحكومته، جاءتهم من زعيم الأقلية في مجلس النواب كيفن مكارثي (جمهوري من كاليفورنيا)، الذي أعلن أنه إذا فاز الجمهوريون بأغلبية مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي الشهر المقبل، فمن المرجح أن يعارض الحزب الجمهوري المزيد من المساعدات لأوكرانيا في معركتها مع روسيا.

وأوضح مكارثي، الذي قد يكون رئيس مجلس النواب إذا انتصر الجمهوريون، أن المساعدات والتقديمات لأوكرانيا قد تنتهي مع تشكّل مجلس النواب بقيادة الحزب الجمهوري.

كم بلغت قيمة المساعدات التي قدمتها واشنطن لأوكرانيا حتى الآن؟

منذ كانون الثاني/ يناير 2021، قدمت الولايات المتحدة ما يزيد عن 60 مليار دولار من المساعدات لأوكرانيا، يضاف إليها أكثر من 18.2 مليار دولار، من المساعدات الأمنية والعسكرية.

الحزمة الأبرز، كانت في أيار/ مايو الماضي ــ ووصفت حينها بأنها أكبر استثمار في أوكرانيا حتى الآن ــ بعدما صوّت عليها مجلس الشيوخ، وبلغت قيمتها أكثر من 40 مليار دولار من المساعدات العسكرية والمالية الجديدة. حينها كان الجمهوريون هم المشرعين الوحيدين الذين صوتوا ضد تلك الرزمة.

آنذاك، عارض أحد عشر عضوًا جمهوريًا في مجلس الشيوخ و57 من أعضاء المجلس الجمهوري التشريع، معتبرين أنه يجب بذل المزيد من الجهد لحساب كيفية إنفاق الأموال، وتعقب الأسلحة والمعدات التي يتم إرسالها إلى ساحة المعركة.

ومع ذلك، ولغاية الآن، لم تأخذ ادارة الرئيس جو بايدن بعين الاعتبار هذه المعارضة المتصاعدة للمنح والسخاء غير المحدود لاوكرانيا، بل تجاهلتها، ومضت في سياستها، حيث كشفت الولايات المتحدة منتصف الشهر الجاري عن تقديم ما مقداره 725 مليون دولار إضافية كمساعدة أمنية لنظام كييف، بما في ذلك المزيد من الذخيرة لأنظمة الصواريخ عالية الحركة من طراز “HIMARS” بالإضافة إلى قذائف مدفعية دقيقة التوجيه، وأسلحة مضادة للدبابات، وعربات همفي، وفقًا لبيان البنتاغون.

لماذا يعارض الجمهوريون الدعم الأمريكي لأوكرانيا؟

على الرغم من أن معظم قيادات الكونغرس وأبرزها زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل (جمهوري من ولاية كنتاكي)، كانت ثابتة في دعم أوكرانيا، إلا أن الناخبين في العديد من الولايات، من المرجح أن يُوصلوا في الانتخابات النصفية جمهوريين يتوقون إلى معارضة المساعدات.

ينطلق الجمهوريون في رؤيتهم تلك من نظرية “امريكا أولًا”، ويعتبرون أن الناس في أمريكا سيواجهون ركودًا، ولن يكتبوا شيكًا على بياض لأوكرانيا، ويرون أن الأمريكيين يريدون من الكونغرس التركيز على قضايا أقرب إلى الوطن.

أكثر من ذلك، يأخذ الجمهوريون على ادارة بايدن، أن هناك أشياء لا تقوم بها محليًا، مثل ضبط الحدود. ومع تأكيدهم على أن أوكرانيا مهمة، لكن في الوقت نفسه، يقولون إن القضية الاوكرانية لا يمكن أن تكون الشيء الوحيد الذي توليه ادارة بايدن أهمية كبرى، ولا يمكن أن يكون شيكًا على بياض.

من هم أبرز المعارضين للمساعدات الأمريكية لأوكرانيا؟

بحسب استطلاعات الرأي، من المتوقع أن يزداد عدد الذين يتخوفون من المساعدات الخارجية وأنصار أجندة الرئيس السابق دونالد ترامب “أمريكا أولاً” في الكونغرس المقبل.

وجد استطلاع أجرته مؤسسة Pew Research في ايلول/ سبتمبر الماضي، أن 32 بالمائة من الجمهوريين، قالوا إن الولايات المتحدة تقدم “أكثر من اللازم”، وهو رقم ازداد بثلاثة أضعاف عن آذار الفائت، حين كان 9 بالمائة فقط، كذلك قال “جي دي فانس” صاحب رأس المال الاستثماري، والمؤلف الذي يخوض سباقًا متقاربًا للحصول على مقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية أوهايو، إنه يريد “أن ينجح الأوكرانيون” ولكن ليس بسبب استمرار التمويل الأمريكي. وشدد على أنه “يجب علينا إيقاف حنفية الأموال إلى أوكرانيا في نهاية المطاف”، وأكد لشبكة ABC “أننا لا يمكننا تمويل صراع عسكري طويل الأمد. أعتقد أنه سيؤدي في النهاية إلى تناقص عائدات بلادنا”.

المضحك أن فانس رمى الكرة في ملعب الأوروبيين مؤكدًا “أننا وصلنا إلى المرحلة التي قدمنا فيها ما يكفي من المال في أوكرانيا، وبصراحة، إذا كان الأوكرانيون والأوروبيون، والأهم من ذلك، يعرفون أن أمريكا لن تدفع الفاتورة، فقد يتقدمون في الواقع”.

وعلى المنوال ذاته في ولاية أريزونا، انتقد المرشح الجمهوري في مجلس الشيوخ بليك ماسترز التمويل الإضافي لأوكرانيا، مشيرًا الى أنه يجب استخدام الأموال بدلًا من ذلك، لبناء جدار على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك.

وبالمثل، فعل المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ دون بولدوك الأسبوع الماضي في نيو هامبشاير، حيث اعتبر أن “زيادة الإنفاق ليس الحل لتحسين الأوضاع في أوكرانيا”. الأكثر أهمية هو تعليق السناتور راند بول (جمهوري من كنتاكي كان نجح مؤقتًا بتعليق الـ 40 مليار دولار من المساعدات لأوكرانيا في ايار الماضي) الذي شدد على انه “لا يمكنك إنقاذ أوكرانيا من خلال تدمير الاقتصاد الأمريكي”.

كما انضم الى قائمة هؤلاء المعارضين، “آدم لاكسالت”، المرشح الجمهوري عن مجلس الشيوخ عن ولاية نيفادا الذي أوضح أن المساعدة الأمريكية البالغة 40 مليار دولار لأوكرانيا كانت “اقتراحًا مقيتًا بشكل صادم”.

أما أعلى الأصوات في اليمين بشأن هذه القضية، فقد أتت من مراسل قناة “فوكس نيوز” تاكر كارلسون، الذي شكك “بشكل صريح بالمساعدات لأوكرانيا”.

ماذا عن الديمقراطيين؟

مقابل هذه المعارضة الجمهورية، يصر الديمقراطيون على السير بسياسة مساعدة أوكرانيا، وفي هذا الاطار حذر السيناتور كريس مورفي (ديمقراطي من كونيتيكت)، عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، من أنه إذا فاز الحزب الجمهوري بمجلس النواب، فإن مساعدة أوكرانيا ستكون في خطر.

بدورها، أكدت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض “كارين جان بيير” أن “الرئيس سيواصل دعم جهود الشعب الأوكراني للدفاع عن نفسه”.

في المحصلة، مع تزايد حالة القلق وعدم اليقين في أوكرانيا بشأن الدعم الأمريكي في المستقبل والذي يعد بمثابة شريان الحياة الرئيسي لكييف، وبدون هذه السخاء الاتي من واشنطن، والموجه ضد موسكو أولًا وأخيرًا، سينهار النظام الأوكراني حتمًا في اليوم التالي، أي في اللحظة التي ستقفل فيها أمريكا صنابير المساعدات.

الكاتب : د. علي دربج

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا