بعد تصاعد عمليات «عرين الأسود»: ابتداع مقاومة اقتصادية لتعزيز المقاومة الميدانية

96

ظاهرةٌ جديدة لافتة بزغت أخيراً في الضفة الغربية: عشرات من الشبان الفلسطينيين المقاومين لا ينتمون الى “حماس” او “الجهاد الإسلامي” او “فتح ــ كتائب شهداء الأقصى” بل ينبثقون من عامة الشعب الفلسطيني اندفعوا ذاتياً الى مقاومة الاحتلال الصهيوني بعمليات قتالية شتى: إطلاق قذائف على المستوطنات. وإطلاق نار على قواعد ونقاط ارتكاز الجيش “الإسرائيلي”. والاشتباك المسلح مع قواته الناشطة داخل البلدات الفلسطينية. ففي شهر أيلول/ سبتمبر وحده “تمّ تسجيل رقم قياسي بأكثر من 34 عملية اشتباك وإطلاق نار في الضفة الغربية وهو الأعلى منذ 10 سنوات” (“مباط عال”، العدد 1651، 2022/10/18).
هؤلاء المقاومون المندفعون ذاتياً تنطق باسمهم جماعةُ “عرين الأسود” التي ينتمي بعضهم إليها فيما ينشط بعضهم الآخر باستقلال عنها كما عن سائر تنظيمات المقاومة المعروفة. سلطاتُ الكيان الصهيوني كانت تُطلق على المقاومين المندفعين ذاتياً تسمية “الذئاب المنفردة”. أرى أنّ التسمية الأصحّ والأدقّ عربياً وجهادياً يجب أن تكون “الأسود المنفردة” سواء انتموا الى “عرين الأسود” أو كانوا يقاتلون باستقلالٍ تنظيمي عنها.
ما تهدف اليه “الأسود المنفردة” هو استنهاض الشعب الفلسطيني لإطلاق انتفاضة جديدة ضدّ الاحتلال الصهيوني بغية حماية المسجد الأقصى، وتنظيم الإضرابات والتظاهرات ضد سياسة القمع والاضطهاد. والتصدي للمستوطنين كما لمواجهة قوات الجيش “الإسرائيلي”.
لا تحصر “الأسود المنفردة” مقاومتها لـِ “اسرائيل” بمؤسساتها الأمنية والعسكرية ومستوطناتها وعنصرييها الشرسين المنتشرين في شوارع القدس الشرقية وحتى داخل الحرم القدسي فحسب، بل تواجه فوق ذلك أجهزة السلطة الفلسطينية التي ما زالت “تنسّق أمنياً” مع سلطات الاحتلال وتلاحق الشابات والشبان الفلسطينيين المتعاطفين مع منظمات المقاومة المعارضة لسياسة السلطة المعروفة بثالوث: “سلطة واحدة. سلاح واحد. قانون واحد”.
يبدو أنّ “الأسود المنفردة” زوّدوا أنفسهم بأسلحة مصنّعة محلياً وأخرى مهرّبة من قطاع غزة والدول العربية المجاورة. غير انّ البيئة الفلسطينية المؤيدة لهم تشكو من ضائقة اقتصادية تنعكس سلباً عليهم. فسلطات الاحتلال لا تكتفي بقمع المتعاطفين معهم ومع سائر المؤيدين لتنظيمات المقاومة بل تلجأ الى منع تزويد أفراد عائلاتهم المضطرين الى العمل في الأراضي المحتلة العام 1948 بالتصاريح الرسمية المطلوبة لهذه الغاية.
للخروج من هذه الضائقة الاقتصادية والاجتماعية طُرحت عدّة أفكار لعلّ أهمّها العمل على إحياء مشروع التنقيب عن النفط والغاز من مكامنه في المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة لقطاع غزة. هذه الفكرة كانت طُرحت بعد إقرار “اتفاق أوسلو” للعام 1993. وجرى تكليف شركة بريطانية القيام باختبارات استكشافية في بحر غزة. الشركة قامت بمهمتها وأفادت بوجود كميات وافرة من النفط والغاز في المياه الإقليمية للقطاع. لكن حكومة “إسرائيل” منعت السلطة الفلسطينية من متابعة عمليات الحفر والتنقيب. لا سيما بعدما سيطرت “حماس” على قطاع غزة. وذلك بقصد الحؤول دون حصول الفلسطينيين على عائدات وفيرة تساعدهم على توسيع البنى التحتية وترفيع أدائها في القطاع وبناء معامل لتصنيع السلاح.
يبدو انّ أسلوب التهديد باستخدام العنف الذي اعتمده حزب الله في لبنان للضغط على “إسرائيل” بغية حملها على التخلي عن تعنّتها والتراجع عن أطماعها في مناطق زاخرة بمكامن النفط والغاز في المياه الإقليمية اللبنانية المحاذية للحدود مع فلسطين المحتلة قد استهوى بعض القادة الفلسطينيين وأغراهم باعتماده ضدّ “إسرائيل” في حال تمسّكها بمنع السلطات في قطاع غزة من مباشرة أعمال الحفر والتنقيب. ذلك أن حزب الله كان هدّد الكيان الصهيوني بتدمير منصاته النفطية والغازيّة الكائنة قبالة ساحل فلسطين إذا أقدم على استخراج الغاز قبل التوصل مع حكومة لبنان عبر الأمم المتحدة على تسوية بشأن المناطق المتنازع عليها. “إسرائيل” أدركت جدّية حزب الله وقدرته على تدمير منصاتها البحرية. فكان أن رضخت للتهديد وطلبت تالياً الى الوسيط الأميركي عاموس هوكشتاين بأن يصوغ تسويةً للنزاع مقبولة من الطرفين.
بإمكان القادة الفلسطينيين اعتماد أسلوب حزب الله لحمل “إسرائيل” على التسليم بحقهم في التنقيب عن النفط والغاز في بحر غزة. لكن هل لديهم. شأنَ حزب الله. صواريخ دقيقة تمكّنهم من تنفيذ تهديدهم؟
إذا كان لديهم صواريخ دقيقة، فالأرجح أنهم سيقومون بفعلٍ يحاكي ما فعله حزب الله. غير أنّ ثمة طريقة أخرى أكثر واقعية وأقلّ تكلفة للوصول الى مبتغاهم هي توسيط مصر وقطر للضغط على “إسرائيل” لاستجابة طلبهم. ذلك انّ كِلتا الدولتين متفاهمة مع الولايات المتحدة على توسيع عمليات استخراج الغاز من الحقول الكائنة في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط بقصد تصديره الى دول غرب أوروبا لسدّ حاجتها الماسّة الى كميات كبيرة منه بعد قيام روسيا بقطع غازها عن تلك الدول بسبب دعمها أوكرانيا في الحرب المحتدمة بينهما. هذا مع العلم أنّ كِلتا الدولتين راغبتان في المشاركة بعمليات استخراج النفط في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط بدليل أنّ قطر حلّت بالفعل محلّ شركة “نوفاتك” الروسية التي انسحبت من اتفاقها مع شركة “توتال” الفرنسية وشركة “إيني” الإيطالية للتنقيب عن الغاز واستخراجه من البلوك Block رقم 9 في بحر لبنان الجنوبي.
إذ ينهمك قادة المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة كما في الضفة الغربية في ابتداع طرائق ووسائل لتنظيم مقاومة اقتصادية من شأنها توفير الأموال والقدرات للخروج من الضائقة الاقتصادية من جهة وتأمين التمويل اللازم لتعزيز المقاومة الميدانية من جهة أخرى، تقف “إسرائيل” عشيةَ انتخاباتها العامة في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل على حافةِ ما وصفته صحيفة “معاريف” (2022/10/19) “حرب استقلال فلسطينية في مواجهة حرب استقلال المستوطنين” ما قد يؤدّي الى تعميق الانقسام الداخلي المرير بين معسكر قوى اليمين العنصري المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو ومعسكر قوى الوسط البراغماتي الأقلّ تهوّراً بقيادة رئيس الحكومة يائير لابيد.
أيّاً مَن سيكون الرابح أو الخاسر. فإنّ “الأسود المنفردة” ماضية، بكلّ تأكيد، في مقاومتها المتصاعدة للكيان الصهيوني واحتلاله الفاجر للقدس الشريف والضفة الغربية.

المصدر : الشرق الأوسط

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا