تداعيات قرار الرئيس بوتين إعلان التعبئة الجزئية

78

لم يكن مفاجئاً للمتابعين إقدام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على إصدار مرسوم إعلان التعبئة الجزئية لقوات الاحتياط، حيث كنّا على مدار الشهر الفائت أمام نشاطات استثنائية للاتحاد الروسي على المستويين الداخلي والخارجي في إطار عملية تحضير وتحصين العديد من القرارات والإجراءات التي أُعلِن عنها اليوم على لسان الرئيس بوتين، وأحد أهم المراسيم، من بينها المرسوم القاضي بإعلان التعبئة الجزئية بهدف دعم العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا وتسريع تحقيق أهدافها المُعلنة.
على المستوى الداخلي

لا بدّ من الإشارة الى أهمية توقيت إعلان مرسوم التعبئة قبل يومين من بدء عملية الاستفتاء في جمهوريتَي الدونباس لوغانسك ودونيتسك ومقاطعتَي زاباروجيا وخيرسون بالانضمام الى الاتحاد الروسي.

ولا بد من الإشارة أيضاً إلى أن مرسوم إعلان التعبئة الجزئية هو بمثابة مقدمة لتحولات عميقة في النظامين السياسي والاجتماعي للاتحاد الروسي، سيترتب عليها العديد من الإجراءات في مواجهة تموضع الليبراليين الروس والنفوذ اليهودي في الاقتصاد بشكل أساسي، وهو ما يعني بدء تبلور بُعد أيديولوجي أكثر تجذراً، في الوعي الروحي للمجتمع الروسي، يمكن الاستفادة منه في إعادة تشكيل سلوكيات مجتمعية معيَّنة، وتسخيرها في مواجهة توحش أفكار النيوليبرالية الغربية، ومنعها من التأثير على حركة الشباب الروسي عبر مقاومة ممنهجة ومدروسة، وذلك لمنع تسلل الأفكار السائدة في الغرب إلى عقول الأجيال الروسية، وهو ما يعني أننا سنكون أمام معركة ثقافية إلى جانب المعركتين العسكرية والاقتصادية، حيث سيبقى الاقتصاد هو المجال الأكثر حضوراً في المواجهة، خصوصاً وأن الغرب مستعد لأن يسخر كل إمكانياته في سبيل إخضاع روسيا، وذلك عبر تسديد ضربات موجعة لاقتصادها.

على المستوى الخارجي

منذ بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا كنّا ولا نزال أمام حركة مكّوكية للرئيس بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف، تهدف لإحداث تحوُّل ما في اصطفافات الدول، وتموضعها، خصوصاً بعد التبدُّل المفاجئ الذي طرأ على الخطاب الروسي الرسمي، والذي خرج إلى حد ما عن أطُره المعتادة، حيث لم نعد نسمع الرئيس بوتين أو وزير خارجيته يستخدمان مصطلحاتهما الدبلوماسية المعهودة، والتي كانت تصنّف الأوروبيين والأميركيين ضمن خانة الشركاء، ليحلَّ محلَّها حقل معجمي مختلف تماماً، يرى في العملية العسكرية الدائرة في أوكرانيا حاليّاً معركةً، الغرض منها وقف تمدُّد نفوذ أميركا، والحد من هيمنتها.

في السياق نفسه، جاء الاستفزاز الأميركي للصين في ما يتعلق بدعم تايوان وتشجيع انفصالها عن بكين، ليسرّع من وتيرة خروج الأخيرة عن صمتها، وإعلان تخلِّيها عن المنحى الناعم في آلية تعاطيها مع سياسات البيت الأبيض، والدخول في مرحلة الإجراءات التحضيرية للمواجهة، وهو ما سرَّع بدوره من وتيرة إبرام الاتفاقيات الثنائية بين الصين وروسيا، على أكثر من صعيد، كان آخرها منذ أيام، حيث اتفقت الدولتان العُظميان على زيادة التعاون بين وزارتي دفاع البلدين، مع التركيز على إجراء التدريبات والدوريات المشتركة، إضافة إلى تعزيز الاتصالات بين هيأتَي الأركان العامة في البلدين، والوصول إلى مستوى عالٍ من التعاون العسكري التقني.

وبموازاة ذلك، لا بدّ من التذكير أيضاً بالاتفاقيات الروسية ـ الإيرانية، وإعادة تفعيل العلاقة مع تركيا، ما سيسهل الوصول إلى مجال حيوي أوراسي، يُتَوقَّع أن يشتدَّ عوده أكثر، بعد القرارات المهمة التي صدرت عن قمة منظمة شانغهاي، والتي عُقدت قبل أيام في سمرقند، وأعربت خلالها دول المنظمة عن “عزمها زيادة التعاون في مجالَي الدفاع والأمن”، وهو ما يُعدُّ تطوراً مفصليّاً وهامّاً، سيكون له تداعيات كبيرة على نفوذ أميركا والغرب مستقبلاً.

الجانب الإيجابي

سيكون لدخول 300 ألف عسكري روسي على خط المعركة في الدونباس ومقاطعتي خيرسون وزاباروجيا تداعيات هامّة على حركة العمليات العسكرية، لأن ذلك يعني، بكل بساطة، أن عدد القوات الروسية التي ستشارك في العملية العسكرية الروسية سيرتفع ليصل إلى 430 ألف ضابط وجندي، وهو ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى إحداث تفوق روسي في العديد البشري والوسائط القتالية التي سيتم رفدها هي الأخرى بما يقارب الـ 400 طائرة حربية، 200 منها ستكون من طائرات الدعم القريب (سوخوي 24 و25)، و 300 إلى 350 مروحية عسكرية (قتال ونقل)، ومئات الدبابات الحديثة من طراز T-90، ومئات العربات القتالية، ومثلها من الراجمات وقطع المدفعية الحديثة ذاتية الحركة، إضافة إلى مئات المسيّرات الاستطلاعية والقتالية، وكذلك المزيد من بطاريات منظومات الدفاع الجوي، وهو ما يعني في المحصلة تسريع وتيرة العمليات الهجومية.

وإلى حين جهوزية قوات الاحتياط، والتي قد يستغرق شروعها في الخدمة الفعلية من شهر إلى شهرين، ستبقى وتيرة العمليات الروسية على ما هي عليه في الوقت الراهن. مع توجُّه واضح للإبقاء على الوضعية القتالية الحالية، عبر تحصين خطوط الدفاع، وتنفيذ عمليات تقدم محدودة، ورفع وتيرة الاستخدام المكثّف للوسائط النارية على أمل تحطيم خطوط الدفاع الأوكرانية، وإلحاق المزيد من الخسائر في العديد البشري والوسائط القتالية، وهو ما ينحو بنا إلى اعتبار مرحلة ما قبل انضمام قوات الاحتياط بمثابة عملية تمهيد ناري.

ومن الجوانب الإيجابية الأخرى التي يمكن أن تترتَّب على قرار الرئيس بوتين، إعلان التعبئة الجزئية، أننا قد نشهد تسارعاً في انضمام قوات الاحتياط للمعركة، لا سيما إذا كانت التحضيرات الإدارية معدّة قبل الإعلان عن مرسوم التعبئة الجزئية.

الجانب السلبي

بطبيعة الحال، فإن الانتقال إلى مستوى أعلى من الصراع مع أميركا والغرب سيكون له تداعيات سلبية، وتحديداً على الصعيد الاقتصادي، حيث سنكون أمام مخاطر اقتصادية محتملة، واعتقادي في هذا الإطار، أن روسيا ستتجاوز هذه المخاطر، بحيث ستنجح في الحد من الآثار السلبية، بما في ذلك احتواء مستويات التضخم مقارنة بالناتج المحلي.

وعلى أي حال، فإن التدابير الاحترازية التي ستتخذها الإدارة الروسية، ستكون أقل بكثير من مثيلاتها على المقلب الأوروبي.

إلى ذلك، فإن من بين الارتدادات السلبية المتوقَّعة على إعلان الرئيس بوتين التعبئة الجزئية، اندلاع مواجهات احتجاجية داخلية في روسيا، يحركها بعض الليبراليين واليهود، بغرض خلق مناخات سياسية معقدة، وبلبلة أمنية.

أخيراً وليس آخراً، من المؤكد أننا سنكون أمام تحولات جيوسياسية عالمية كبيرة، بعد إتمام عمليات الاستفتاء حول الانضمام إلى الإتحاد الروسي.

المصدر : الشرق الأوسط

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا