ما هو هدف الناتو من سورنة القوقاز؟

    30

    في اجتماع الدول الأعضاء في شنغهاي في سمرقند، استخدم الرئيس الإيراني عبارةً تتّسم بالغموض الدبلوماسي الخاص، وحذر الجهات الفاعلة في آسيا الوسطى طالباً منهم أخذ الدروس من تجارب مثل أفغانستان وسوريا وتجنب تكرارها.

    حيث قال رئيسي للمشارکين في الاجتماع إن اتباع سياسات الناتو بأي شكل من الأشكال يشكل تهديدًا لمناطق مختلفة، وإن جمهورية إيران الإسلامية تحمي مصالحها وأمنها القومي والاقليمي.

    يمكن تفسير هذه الجملة على أنها تنبؤ بالمستقبل من قبل الرئيس الإيراني، ولها معنى خاص، وكأن السيد إبراهيم رئيسي يعلن عن تطورات ستحول القوقاز إلى ميدان عمليات للتكفيريين والإرهابيين؛ وبالطبع، هذا الحدث ليس غير متوقع!

    قبل عامين تقريبًا، ومع بداية الجولة الجديدة من الحرب في كاراباخ، على الطريق السريع المؤدي إلى قرية “الشيخ علي آنالي”، كان رتل التركمان التكفيريين تتجه بسرعة كبيرة نحو منطقة النزاعات في كاراباخ.

    في ذلك الوقت، لوح السكان المحليون لهم، وهم يرون الجماعات المسلحة تركب سيارات تويوتا، واستقبلوهم بصرخة “الله أكبر”. وشاء القدر أن يتحد الإرهابيون التكفيريون الأكثر تطرفاً مع حكومة أذربيجان لطرد الأرمن من الأراضي المحتلة.

    والأكثر إثارةً للاهتمام هو أن الحكومة الأرمينية قد افتتحت طرق العبور السريعة في كاراباخ قبل عام من هذه الأحداث، وفي ذلك الوقت أصبحت ميزةً استراتيجيةً لباكو، ومن خلالها انتقلت مجموعة الإرهابيين العاملين في سوريا إلى مكان النزاعات من خلال عدة رحلات طيران مستأجرة على حساب دولة مجاورة. وفي ذلك الوقت، كتبت صحيفة “آرم تايمز” الصادرة في يريفان أن كاراباخ ستصبح سوريا جديدة قريباً!

    ولكن ما مدى جدية تحويل منطقة القوقاز إلى مركز عمليات للإرهابيين؟

    كان الارتباط بين مجموعات شمال القوقاز وداعش والإرهابيين التكفيريين، محل اهتمام العديد من الخبراء والمحللين في المنطقة لفترة طويلة.

    عندما نشر داعش خريطته السوداء باسم دول ما تسمى “الخلافة الإسلامية”، في هذه الخريطة، أطلق على مناطق من الاتحاد الروسي المسماة شمال القوقاز، بـ “إمارة القوقاز”.

    شمال القوقاز منطقة شاسعة تقع بين بحر قزوين والبحر الأسود، وتضم جمهوريات داغستان والشيشان وإنغوشيا، وکاباردینو-بالکاریا وقراتشاي – تشركيسيا وأوسيتيا الشمالية، وأجزاء من ستافروبول في الاتحاد الروسي.

    في تلك الخريطة، إضافة إلى مناطق شمال القوقاز، راهن داعش على مناطق المسلمين في جنوب القوقاز أيضًا. يقع جنوب القوقاز شمال جمهورية أذربيجان وأرمينيا وجورجيا.

    منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، كانت منطقة القوقاز، بما في ذلك شمال وجنوب القوقاز، أحد الأهداف المهمة للجماعات الوهابية والسلفية، المتمثلة في نظام آل سعود في السعودية، والقاعدة في العراق، وداعش في سوريا.

    إن مشروع جعل القوقاز وهابيةً ذا أهمية كبيرة لمصمميه، لأن شمال القوقاز جزء من التكوين البيروقراطي للاتحاد الروسي، الذي يعتبر المنافس الرئيسي للولايات المتحدة ومجموعة الدول الخاضعة لقيادة الناتو في الاعتبارات الجيوسياسية، وتعتبر منطقة جنوب القوقاز من مناطق الصراع المهمة مع روسيا، بسبب جوارها مع روسيا.

    والعامل الآخر لأهمية القوقاز لمصممي مشروع نشر الوهابية فيها، هو القرب الجغرافي والتشابه الثقافي لهذه المنطقة مع إيران. فعلى الرغم من مرور أكثر من مئتي عام على انفصال هذه المنطقة عن التكوين والإطار السياسي لإيران، إلا أن القوقاز لا تزال جزءًا من المجال الحضاري لإيران، وهي واحدة من المراكز المهمة والاستراتيجية لتعزيز قوة جمهورية إيران الإسلامية.

    بالطبع، من نافلة القول إن مشروع تعزيز الوهابية وتطوير التنظيمات السرية والإرهابية مثل القاعدة وداعش، لم يكن مصممًا فقط لمواجهة روسيا في شمال القوقاز، وهذا المشروع يسعى إلى تحقيق أهداف أوسع. حيث کانت سوريا من أهم أجزاء مشروع نشر الوهابية، لکن محور المقاومة والدماء الزکية لمقاتليه أفشلوا هذا المشروع.

    بعد هزيمة الإرهابيين في سوريا والعراق، غيّر الخط التكفيري اتجاهه وأعيد إنتاجه في اتجاه ضرب روسيا، فضلاً عن الضغط على إيران وخلق مشاكل أمنية لدول المنطقة في القوقاز ومناطق أخرى.

    واللافت أن مصممي مشروع سورنة القوقاز، يحاولون تحديد قاعدة اجتماعية للإرهابيين في هذه المنطقة، واعتبار القوقاز مهد السلفية، لكن الحقيقة أن التجنيد للجماعات الإرهابية لا يتم في المراکز السرية في القوقاز فقط.

    جاء في تقرير نشره المعهد الروسي للدراسات الأمنية العام الماضي، بأن المشروع الوهابي- الداعشي، إضافة إلى الطبقات الدنيا في المجتمع، يستقطب أيضًا قوى لداعش من الطبقات والفئات الثرية، وحتى أصحاب المناصب الحكومية في مناطق القوقاز وآسيا الوسطى.

    مصممو ومؤيدو المشروع الوهابي في شمال القوقاز، رغم أنهم غالبًا ما يجندون أعضاءهم من السنة والسلفيين، لكنهم تمكنوا أيضًا من تجنيد أعضاء حتى من غيرهم من الناس وأتباع الديانات الأخرى، باستخدام الفراغ العقائدي في هذه المنطقة.

    ويضيف التقرير بأن ما تسمى المؤسسات الخيرية في السعودية والإمارات والكويت، قد لعبت دوراً مهماً علی هذا الصعيد. حيث توجهت هذه المؤسسات العربية الخيرية في الظاهر إلى جميع جمهوريات الاتحاد السوفياتي المتبقية منذ بداية التسعينيات، وتغلغلت أيضًا إلى الاتحاد الروسي وجمهوريات داغستان والشيشان، مستغلةً الفرصة التي أحدثها انهيار الاتحاد السوفيتي.

    كيف يتم انتشار أصحاب اللحى الحمراء في الشرق الأوسط؟

    بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، تم القضاء على الجماعات الإسلامية تدريجياً، وظلت الجماعات الوهابية والسلفية مختبئةً في هذه المنطقة بدعم مالي من السعودية وتوجيه استخباراتي وتنظيمي من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، باعتبارها القوة النشطة الوحيدة التي تتمتع بالقدرة علی التحرك والنشاط، وحافظت على شبكاتها السرية في القوقاز. وخلال الفترة الأولى من حكم طالبان في أفغانستان، زاد هذا التيار من استعداده للحرب بإرسال قوات إلى أفغانستان.

    منذ عام 2011، ومع توسع الشبكات الاجتماعية، نمت شبكة العضوية بشكل كبير وتواصل قادة هذه المجموعات الصغيرة مع بعضهم البعض. وكان أبو محمد الداغستاني وأبو سليمان، من أوائل القادة الذين بايعوا داعش على حدود العراق وسوريا. وفي هذه الفترة، ارتكب أشخاص مثل طرخان باتيرشفيلي الملقب أبو عمر الشيشاني أو عمر الشيشاني، أكبر الجرائم في سوريا بقسوة بالغة.

    تعدّ الجماعة القوقازية والجماعة الآذرية من بين الجماعات المتبقية من الحقبة السوداء للإرهاب في سوريا والعراق، والتي تنتشر حاليًا في منطقة كاراباخ بتوجيه من العديد من أجهزة المخابرات الإقليمية. بما في ذلك تركيا، التي كانت مشهورةً كوجهة سياحية، ولکن في السنوات الأخيرة يعود الفضل في شهرتها في الغالب إلى وجود الوهابيين وداعش في هذا البلد.

    لقد استُخدمت تركيا كجسر بين داعش والجماعات الوهابية والداعشية في شمال القوقاز. وأثار تفعيل هذا الممر حساسيةً شديدةً لدی العديد من الفاعلين الإقليميين والدوليين المهمين، بما في ذلك إيران وروسيا. وتصريحات الرئيس الإيراني الموجهة إلى صاحبي هذا المشروع (تركيا وجمهورية أذربيجان)، تدل على النظرة الجيواستراتيجية لهذين العنصرين النشطين إلى هذه التطورات.

    من وجهة نظر طهران وموسكو، أصحاب نشر مشروع الوهابية في المنطقة هم فاعلون صغيرون في هذه العملية، والتحذير لهم إشارة للفاعلين الرئيسيين والعقل المدبر الذي يقف في الظل، أي الناتو!

    من يقود مشروع سورنة القوقاز؟

    نظرًا لأهميتها الجيوستراتيجية والجيواقتصادية، بعد عام 1991 حظيت منطقة القوقاز باهتمام كبير من قبل الغرب، وخاصةً الولايات المتحدة. من أجل التأثير بشكل مباشر على منطقة القوقاز، قام الأمريكيون بإبعاد الأوروبيين وتهميش السياسات الأمنية لأوروبا في إطار اتفاقيات مينسك 1 و 2.

    ومن أجل الوصول إلى مصالحها طويلة المدى، بما في ذلك الحصول على موارد النفط والغاز والسيطرة على نموذج الاستخراج والتصدير، وكذلك الوصول إلى الأسواق الإقليمية وكبح نفوذ طهران وموسكو، لجأت واشنطن إلى دعم تركيا في مشروع “طوران العظيم”.

    لقد حدد الأمريكيون عدة استراتيجيات للوصول إلى الأهداف المحددة، وهي زعزعة الاستقرار، واحتواء المنافسين، وتحقيق التوازن في المنطقة من خلال تعزيز الحلفاء ودخول جهات فاعلة من خارج المنطقة كممثلين للولايات المتحدة. وجاءت زيادة العلاقات بين جمهورية أذربيجان والکيان الصهيوني في العقد الماضي، في هذا الإطار أيضًا.

    وفي هذه الحالة، تعتبر إجراءات جمهورية أذربيجان مهمةً أيضًا؛ حيث أظهرت باكو أنها تميل لأن تكون أقرب إلى الغرب. کما تحاول هذه الدولة تقليص تعاونها العسكري والأمني ​​مع مجتمع دول الكومنولث والدول الإقليمية، ومن ناحية أخرى، توسيع تعاونها مع المؤسسات العسكرية والسياسية (الناتو) والاقتصادية للغرب.

    تعتقد جمهورية أذربيجان أن أمن بلادها سيتم ضمانه عندما يتم دمجها مع أمن أوروبا والغرب، ولذلك تعاونت بشكل وثيق مع تركيا في مشروع ممر توراني(مشروع الناتو)، وراهنت بشکل خاص علی القوة التدميرية للوهابية في الصراعات التقليدية مع أرمينيا.

    تصريحات رئيس جمهورية إيران موجهة لمن؟

    في استراتيجياتهم تجاه روسيا بعد بدء الحرب في أوكرانيا، دعم الأمريكيون استراتيجية جعل القوقاز عبريةً-وهابيةً من أجل منع روسيا من الهيمنة على البلدان المجاورة لها، بما في ذلك جمهورية أذربيجان.

    لذلك، فإن الخطط التي قدمتها الولايات المتحدة هي في الغالب على شكل تعاون أمني مع حلفائها لاستبعاد موسكو وطهران في هذه المنطقة؛ ودخول الكيان الصهيوني إلى المنطقة يتم تحليله أيضًا في نفس الإطار.

    إن الوجود المتزامن للکيان الصهيوني والشبكة الوهابية في كاراباخ، يتجاوز الاعتبارات الأمنية الإقليمية بالنسبة لروسيا وإيران. وهذه النقطة هي نفس التحذير الذي وجهه إبراهيم رئيسي لجميع الحاضرين في اجتماع سمرقند.

    الحقيقة هي أنه إذا أرادت روسيا الحد من تدخل القوة الثانوية في حرب أوكرانيا، فعليها زيادة مستوى تعاونها الأمني ​​مع طهران في القوقاز وسوريا. فکلما زاد نفوذ إيران في الشق الغربي للمنطقة، يزداد مستوى الاستقرار الأمني، وتقل أطماع الجيران في خلق مكونات التدخل النشط لمصلحة الناتو في الحرب.

    وهذه هي النقطة المضيئة التي يجب أن تفكر فيها موسكو هذه الأيام. فالخطاب الذي ألقاه رئيسي في سمرقند موجه لبوتين وليس أردوغان، ولا ذلك الجار الناكر للجميل، وبالطبع فإن طهران ترد على أي إجراءات معادية للأمن بالقوة، وليس بالمجاملات الدبلوماسية.

    المصدر : الوقت

    اترك تعليق

    قم باضافة تعليق
    الرجاء ادخال اسمك هنا