مشروع التجسّس الأمريكي وصراع خفي في المنطقة

56

يبدو أن البحر الأحمر الذي اتّسم بحالةٍ نسبيّةٍ من الهُدوء طِوال الأعوام القليلة الماضية، بات الآن مِحور صِراع خفيّ بين الدول الإقليميّة في المِنطقة والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهةٍ وإيران من الجهة الأُخرى، ولعلّ المُناورات العسكريّة البحريّة التي جرت في شهر شباط (فبراير) الماضي وشاركت فيها 10 دول من بينها الكيان الصهيوني إلى جانب دول عربيّة أُخرى بقيادةٍ أمريكيّة تُسَلِّط الأضواء على هذا التحوّل الاستراتيجي الجديد المُتصاعِد.
كشفت وكالة الصّحافة الفرنسيّة الدوليّة عن برنامجٍ أمريكيّ للتجسّس في المِنطقة بدأ قبل عام باستخدام مُسيّرات حديثة من Saildone Oxporer وأحدث تقنيات الذّكاء الإصطناعي لرصد، وتصوير جميع التحرّكات الإيرانيّة في البحر الأحمر ومِنطقة الخليج الفارسي، وإرسال هذه الصّور إلى مراكزِ مُراقبة سريّة في الجزيرة العربيّة لتحليلها.

اكتشاف هذا البرنامج تمّ بالصُّدفة من قِبَل سُفنٍ حربيّة إيرانيّة نجحت في السّيطرة على ثلاث مُسيّرات من النّوع المذكور آنفاً، يَبْلُغ طُولها 7 أمتار، وأعادتها بعد ضُغوطٍ أمريكيّة وبعد نزْع جميع كاميرات التّصوير منها لفكّ أسرارها، والمعلومات، والصّور الموجودة في ذاكرتها الإلكترونيّة.

تكثيف الولايات المتحدة لأنشطتها التجسّسيّة في البحر الأحمر هذه الأيام يعود إلى عدّة أسبابٍ في نظرنا:

الأوّل: رصد أيّ صفقات أسلحة مُتطوّرة يُمكن أن تُرسلها إيران إلى حركة “أنصار الله” في صنعاء يتم تهريبها على ظهر سُفُنٍ مجهولة تُفرّغ حُمولتها في الموانئ اليمنيّة الشماليّة السريّة أو حتّى عبر ميناء الحديدة.

الثاني: حماية المِلاحة التجاريّة في البحر الأحمر وخاصَّةً الإسرائيليّة منها حيث تمر أكثر من 12 بالمِئة من الصّادرات الإسرائيليّة عبر مضيق باب المندب إلى آسيا.

الثالث: مُحاولة منع أيّ وجود عسكري روسي صيني في البحر الأحمر عبر البوّابة الإيرانيّة وحُكومة صنعاء.

الرّابع: الحيلولة دون حُدوث أيّ تهديد عسكري لصواريخ ومُسيّرات حركة “أنصار الله” لخليج العقبة، وميناء إيلات الحيويً لدولة الاحتِلال في فَمِ البحر الأحمر الشّمالي.

العرض العسكري الضّخم، وغير المسبوق، التي نظّمته حُكومة صنعاء في مدينة الحديدة قبل عشرة أيّام، وشارك فيه أكثر من 25 ألف جندي، وصواريخ باليستيّة جديدة تُعرض لأوّل مرّة من طِراز (مندب 1) و(مندب 2) البحريّة بعيدة المدى إلى جانب صواريخ روسيّة، يأتي رسالة تحذير قويّة من محور المُقاومة، والجيش الوطني اليمني تحديداً، للولايات المتحدة.

نجاح إيران في إسقاط هذه الطّائرات، ومن ثمّ احتجازها على ظهر بوارجها في البحر الأحمر، ثمّ إعادتها بعد مُفاوضات شاقّة مع الجانب الأمريكي بعد نزع كاميراتها، وأجهزة الكومبيوتر فيها حسب ما جاء في تقرير وكالة الصّحافة الفرنسيّة الدوليّة المذكورة في بداية هذه المقالة، يُؤكّد أن مشروع التجسّس الأمريكي، والسّيطرة من خِلاله على البحر الأحمر ومِنطقة الخليج الفارسي بات يُواجه تهديدات خطيرة، مثلما يُواجه احتمالات المُواجهة المُتزايدة مع الخصم الإيراني الذي يُؤكّد قُدراته العسكريّة المُتقدّمة يوماً بعد آخر.

بقلم: عبدالباري عطوان

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا