مسيرات طهران في سماوات أوروبا.. لماذا اقتنت روسيا طائرات بدون طيار من إيران؟

135

تسلَّمت روسيا طائرات إيران المُسيَّرة من طراز “مهاجر 6″ و”شاهد 129″ و”شاهد 191” في شهر أغسطس/آب المنقضي، بحسب ما كشف مسؤولون أميركيون، حيث تُشير التقديرات الاستخبارية الأميركية إلى أن روسيا تعتزم استخدام طائرات إيران المُسيَّرة، التي يمكنها شن هجمات جو-سطح وحروب إلكترونية واستهداف في ساحة المعركة المُحتدمة في أوكرانيا.

جاء هذا بعد أن كشف نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، “فيدانت باتيل”، عن أن مسؤولين من روسيا تدرَّبوا في إيران خلال الأسابيع القليلة الماضية في إطار اتفاق بين طهران وموسكو يتعلق بنقل طائرات إيران المُسيَّرة إلى روسيا، وسبق أن كشف البيت الأبيض منتصف شهر يوليو/تموز عن معلومات استخبارية أميركية تُشير إلى سعي روسيا للحصول على مئات الطائرات بدون طيار -المسلحة وغير المسلحة- من إيران لاستخدامها في الحرب ضد أوكرانيا، على الجانب الآخر، نفت طهران رسميا أن يكون لديها نية لبيع طائرات مُسيَّرة لروسيا. في حين تجاهلت موسكو التعليق، واكتفت بالنفي عبر وسائل إعلامها التي أشارت إلى افتقار واشنطن للأدلة الداعمة.

الرهان الروسي

تُعَدُّ روسيا متأخرة نسبيا على صعيد امتلاك تقنيات المُسيَّرات القتالية. فرغم أن موسكو تمتلك ما بين 1500-2000 طائرة بدون طيار للمراقبة العسكرية، فإنها تحوز عددا قليلا نسبيا من الطائرات بدون طيار الهجومية من النوع الذي يمكنه ضرب أهداف بدقة في عمق أراضي العدو. في المقابل، استخدمت أوكرانيا الطائرات بدون طيار المقاتلة التركية الصنع لإحداث دمار في الدروع والشاحنات والمدفعية الروسية منذ الأسابيع الأولى من الصراع، وتُشير المعلومات الاستخبارية الأميركية إلى حاجة روسيا إلى الطائرات بدون طيار، لا سيما أن الطائرات المُسيَّرة القادرة على الطيران لمسافات طويلة تسمح لموسكو بتحديد الأهداف وتصحيح نيران المدفعية بعيدة المدى، التي تُعَدُّ أحد المفاتيح الرئيسية لتقدُّم روسيا في حربها ضد أوكرانيا.

في الوقت نفسه، تكافح روسيا لمواجهة أنظمة المدفعية الدقيقة بعيدة المدى التي تلقَّتها أوكرانيا من شركائها الغربيين منذ بداية الحرب، خاصة أنظمة “HIMARS” التي يبلغ مداها 49 ميلا، واستخدمتها كييف لتدمير العشرات من مستودعات الذخيرة ومواقع الدفاع الجوي ومراكز القيادة الروسية، بالإضافة إلى مدافع الهاوتزر (M777) القادرة على إطلاق رشقات دقيقة التوجيه، الأمر الذي يجعل روسيا في حاجة ماسة إلى الطائرات المُسيَّرة المقاتلة والقابلة لإعادة الاستخدام، التي يمكنها السفر بعمق كافٍ لتعطيل أنظمة المدفعية الأوكرانية.

ونتيجة لذلك، تُراهن موسكو على أن إدخال طائرات إيران المُسيَّرة يمكن أن يُغيِّر جذريا من مسار المعارك على الساحة الأوكرانية، لكن من المبكر الجزم بدقة هذا الرهان بعد أن كشف مسؤولو الاستخبارات الأميركية أن العديد من طائرات إيران المُسيَّرة التي اشترتها روسيا واجهت العديد من الإخفاقات في الاختبارات الأولية التي أجراها الروس، ولا يبدو هذا مفاجئا؛ فطائرات إيران المُسيَّرة لم تعمل في بيئة دفاع جوي متطورة من قبل، ولم تُختبر بصورة كافية، فبينما زوَّدت إيران وكلاءها مثل الحوثيين في اليمن وميليشيات عراقية أخرى بهذا النوع من الأسلحة، فإنها نادرا ما اختبرتها ضد أنواع التشويش الإلكتروني، والأنظمة المضادة للطائرات المستخدمة في أوكرانيا.

بيد أن روسيا تمتلك قدرة كبيرة على تطوير التكنولوجيا العسكرية غير الروسية لتتوافق مع منظومتها العسكرية، حيث طوَّرت روسيا منذ عام 2011 الطائرات بدون طيار الإسرائيلية بما يسمح لدمجها في منظومتها العسكرية، لكنَّ الإنتاج المحلي حاليا تعوقه العقوبات الغربية الحادة، التي أوقفت تدفُّق رقائق أشباه الموصلات الضرورية لإنتاج مثل هذه الأسلحة، وغيرها من الصواريخ الموجَّهة بدقة إلى الطائرات والدبابات، لذلك في ظل الطلب الكبير داخل روسيا على رقائق أشباه الموصلات، فإن الأولوية ستكون لشراء طائرات بدون طيار كاملة الصنع، وتوفير إمداداتها الثمينة، والمحدودة، من رقائق السوق السوداء لصناعات أخرى.

هذا ويُعَدُّ حصول موسكو على طائرات مُسيَّرة من إسرائيل أمرا مستبعدا في ظل السياسة الإسرائيلية التي تنأى بنفسها عن التورُّط مباشرة في الصراع (والأكثر ميلا ناحية أوكرانيا بطبيعة الحال بحكم اصطفاف دولة الاحتلال مع أميركا وأوروبا)، ومن المستبعد كذلك أن تمد تركيا روسيا بطائرات مُسيَّرة في الوقت الذي تمد فيه أوكرانيا بالنوع نفسه من السلاح، ومن ثم سيكون لدى روسيا دولتان فقط يمكن أن تلجأ إليهما لسد فجوة القدرات في الطائرات القتالية بدون طيار: الصين وإيران، وبينما تتصرَّف الصين بحذر حتى الآن لتجنُّب التعرُّض لعقوبات أميركية، فإن إيران تبدو هي الخيار الحقيقي المتبقي، في ظل امتلاكها صناعة محلية قوية إلى حدٍّ ما نشأت بالفعل وسط العقوبات

مُسيَّرات طهران في سماوات أوروبا

تُعَدُّ طائرات إيران المُسيَّرة حاليا ضمن القدرات الجوية الإيرانية الأسرع تقدُّما، حيث طوَّرت طهران صناعتها المحلية للطائرات بدون طيار، لتُعوِّضها عن قوتها الجوية التي ضَعُفت بسبب سنوات من العقوبات الدولية، وتمتلك إيران العديد من المُسيَّرات، بعضها استحدثته عبر الهندسة العكسية للطائرات الأميركية والإسرائيلية المُسيَّرة التي استولت عليها، كما تتنوَّع أغراض المُسيَّرات الإيرانية لتشمل عمليات المراقبة والاستطلاع العسكري والهجوم؛ سواء بالذخائر النارية أو بالاصطدام بالهدف والانفجار (الطائرات الانتحارية).

خلال السنوات الأخيرة، بدأت طهران تنظر إلى الاستثمار في صناعة طائرات المُسيَّرات باعتباره أداة لتعزيز النفوذ الخارجي، فضلا عن توفير بعض الموارد الاقتصادية؛ حيث صدَّرت إيران طائرات بدون طيار إلى إثيوبيا، وقدَّمت أعدادا كبيرة من المُسيَّرات لوكلائها في المنطقة، خاصة “حزب الله” اللبناني، والميليشيات العراقية، والحوثيين في اليمن، حيث استُخدمت في ضرب منشآت حيوية في السعودية والإمارات، وفي مايو/أيار الماضي افتتح رئيس أركان الجيش الإيراني، محمد باقري، مصنعا لإنتاج طائرات استطلاع مُسيَّرة من طراز “أبابيل-2” في العاصمة الطاجيكية دوشنبه، وفي يونيو/حزيران ظهرت مُسيَّرة إيرانية من طراز “مهاجر-2” في استعراض للجيش الفنزويلي بعد تجميعها محليا بدعم إيراني.

وفي مقابل توريد مُسيَّراتها إلى موسكو، من المُنتظر أن تجني طهران بعض الفوائد. في مطلع شهر أغسطس/آب الجاري، أطلقت موسكو القمر الصناعي الإيراني “خيام”، وقالت طهران إنه سيقوم بمراقبة الحدود وخدمة الأغراض المدنية فقط، لكن المتوقَّع أن يسهم القمر في توسيع قدرات المراقبة الشاملة لطهران في الشرق الأوسط، وليس مستبعدا أن يكون الإطلاق الروسي للقمر الصناعي الإيراني قد جاء ضمن الجهود الروسية للحصول على المُسيَّرات الإيرانية.

بالإضافة إلى التعاون العسكري، أعلنت روسيا وإيران عن العديد من الصفقات التجارية والاستثمارية بين الجانبين منذ بداية الحرب في فبراير/شباط الماضي، التي كان من ضمنها مذكرة تفاهم في يوليو/تموز الماضي، وصلت قيمتها إلى 40 مليار دولار، لتطوير حقول ومشاريع النفط والغاز الإيرانية، ومع ذلك لا تُعبِّر الصفقات المعلنة عن شراكة عميقة بين الجانبين بقدر ما تُشير إلى رغبة كلٍّ منهما في تحدي العقوبات الغربية، حيث لم تتطور الكثير من المشاريع المعلنة خلال العقد الماضي إلى واقع عملي ملموسعلاوة على ذلك، فإن الصورة البارزة للعلاقات المزدهرة بين روسيا وإيران، تختلف إلى حدٍّ ما عندما يتعلق الأمر بالتنافس على بيع النفط في الأسواق العالمية، حيث أسهم تحويل روسيا لنفطها إلى الأسواق الآسيوية، خاصة الصين والهند، ليحل محل الخام الإيراني المخفض، في زيادة التنافس وخلق نقطة خلاف متبادلة بين الجانبين

المصدر:الجزيرة

 

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا