وريثة الفاشل جونسون.. كيف يمكن لتراس إنقاذ بريطانيا من الألغام الداخلية والخارجية غير المسبوقة؟

132

كلفت الملكة إليزابيث الثانية، يوم الثلاثاء 6/9/2022 ليز تراس رسميا بتشكيل الحكومة البريطانية الجديدة.

وفازت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تراس، الاثنين، بمنصب زعيمة حزب المحافظين لتتولى رئاسة الحكومة الجديدة للمملكة المتحدة، خلفا لبوريس جونسون.

ومن المنتظر أن تتولى تراس، بصفتها زعيمة أكبر حزب في مجلس العموم، رئاسة الوزراء حتى الانتخابات العامة التالية، والتي يجب إجراؤها بحلول ديسمبر 2024.

وخلافا للتقاليد، هذه المرة الأولى في عهد إليزابيث الثانية، الممتد 70 عاما، التي يتم فيها تسليم السلطة في مقر إقامة الملكة في بالمورال، بدلا من قصر باكنغهام في لندن. وأثار التغيير في مكان الحفل شائعات حول صحة الملكة البالغة من العمر 96 عاما.

ونشر مسؤولون ملكيون صورا تظهر الملكة مع تراس وهما تتصافحان خلال جلسة تضفي الطابع الرسمي على تعيين تراس، بعدما قدم جونسون في وقت سابق من يوم الثلاثاء استقالته.

وفي أول خطاب لها بعد تسلمها رسميا رئاسة وزراء بريطانيا، أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية ليز تراس 3 أولويات ستعكف عليها خلال الفترة القادمة.

وقالت تراس (47 عاما) إن هذه الأولويات هي دفع عجلة الاقتصاد، والتعامل مع أزمة الطاقة التي تسببت بها حرب أوكرانيا، وتعزيز الخدمات الصحية في البلاد.

وأضافت أننا نواجه تحديات عالمية تسببت فيها حرب روسيا على أوكرانيا، و”سنقف متحدين مع حلفائنا للدفاع عن الديمقراطية في العالم”. وتابعت “أثق في قدرتنا على مواجهة العواصف وإعادة بناء اقتصادنا”.

وتسلمت ليز تراس زمام قيادة بلد يغوص في اضطرابات وأزمات اقتصادية قاسية. حيث يعتبر المحللون كالسياسيين مهمة رئيسة الوزراء الجديدة ثاني أصعب مهمة لموقع رئاسة الحكومة بعد الحرب العالمية الثانية.

وتواجه تراس تحدياً ثلاثي الرأس يطاول كل محركات النمو في المملكة المتحدة، أولها الضغوط الهائلة على الأسر بسبب التضخم التاريخي، والصعود الكبير في فواتير الطاقة، وتصاعد الضرائب وهبوط القدرة الشرائية مع تزايد معدلات الفقر، إضافة إلى تحديات البريكست.

و تشكو الشركات هي الأخرى من أزمة العمالة، وارتفاع حاد في تكاليف الإنتاج يضاف إلى أزمة الإمدادات الممتدة من صدمة فيروس كورونا، وصولاً إلى الحرب الروسية في أوكرانيا.

أما هيكل الاقتصاد الكلي، فمهتز إلى حد الدخول في ركود يقلق الأسواق، وسط مخاوف واسعة النطاق على الجنيه الإسترليني، مصحوبة بأزمة ميزان المدفوعات التي يمكن أن تمتد إلى إحجام المستثمرين عن شراء السندات البريطانية.

وتعهدت تراس بالفعل بمساعدة العائلات التي تستعد لقفزة في متوسط فواتير الخدمات المنزلية السنوية 80 بالمائة في أكتوبر/ تشرين الأول إلى 3549 جنيها إسترلينيا، قبل زيادة متوقعة إلى 6000 جنيه في عام 2023، مما يؤدي إلى استنفاد الموارد المالية للأفراد. وتُظهر التوقعات من “كورنوال إنسيايت” أن سقف فاتورة الطاقة قد يقترب من 7 آلاف جنيه إسترليني سنوياً للفاتورة النموذجية بحلول خريف العام المقبل، أي أكثر من ستة أضعاف المستوى قبل عام.

وقالت كارولين باين، كبيرة خبراء السلع الأساسية في كابيتال إيكونوميكس لـ “إندبندنت” البريطانية، إن المملكة المتحدة “تسير على حبل مشدود تماماً هذا الشتاء”، حيث يجبر المستهلكون على الاختيار ما بين طهي الطعام أو التدفئة، ما يعرض حياة الملايين للمخاطر.

ووصل التضخم بالفعل إلى 10.1 في المائة وهو أعلى مستوى منذ 40 عاماً، ويقول بنك الاستثمار الأميركي غولدمان ساكس إنه قد يصل إلى 22.4 في المائة العام المقبل إذا استمر ارتفاع أسعار النفط والغاز.

يأتي ذلك بعدما قال الاقتصاديون من “سيتي بانك” الأسبوع الماضي، إن تضخم أسعار المستهلكين من المقرر أن يبلغ ذروته عند 18.6 في المائة في كانون الثاني/ يناير. خلال حملتها، وعدت تراس بعكس الزيادة الأخيرة في التأمين الوطني وإلغاء الزيادة في ضريبة الشركات. اقترح فريقها أيضاً أنه يمكن خفض ضريبة القيمة المضافة بمقدار خمس نقاط مئوية لمساعدة الأسر، مما يمكن أن يندرج ضمن “الخطة الجريئة لخفض الضرائب وتنمية اقتصادنا”، بحسب تعبير تراس.

إلا أن الأمور ليست سهلة بالمرة على رئيسة الوزراء الجديدة، خاصة في ظل تحذيرات أطلقتها مؤسسة “ريزوليوشنز” بأن العائلات ستفقد من قوتها الشرائية 3 آلاف جنيه إسترليني في المتوسط بحلول نهاية العام المقبل، حيث إن الدخل الحقيقي المتاح للأسر المعيشية في طريقه للانخفاض بنسبة 10 في المائة خلال هذا العام والعام المقبل، وهي أعمق ضغوط في مستويات المعيشة منذ قرن، بينما من المقرر أن يرتفع عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع بمقدار ثلاثة ملايين إلى 14 مليوناً في العام 2023.

وتقود تراس اقتصاداً على شفا الركود، حيث تكافح الشركات مع ارتفاع التكاليف. وأفادت “بلومبيرغ” نقلاً عن مصادر بأن تراس تخطط لحزمة مساعدات طاقة بقيمة 40 مليار جنيه إسترليني للشركات، من خلال تحديد سعر الجملة للغاز والكهرباء. في المقابل، كشف تقرير لـ”ستاندرد أند بورز” عن انخفاض “حاد ومتسارع” في إنتاج التصنيع في أغسطس/ آب، إلى جانب ضعف النشاط في قطاع الخدمات المهيمن في المملكة المتحدة.

وقد أظهر المسح الشهري للأعمال، الذي تراقبه الحكومة وبنك إنكلترا عن كثب بحثاً عن إشارات الإنذار المبكر في وضعية الاقتصاد، مخاوف متزايدة بشأن ارتفاع التضخم وانخفاض ملحوظ في الثقة بين الشركات.

وقال كريس ويليامسون، كبير الاقتصاديين التجاريين في “ستاندرد أند بورز” لـ “الغارديان” البريطانية: “سيتعامل رئيس الوزراء القادم مع اقتصاد يواجه خطراً متزايداً من الركود”، حيث يواجه الاقتصاد البريطاني “سوق عمل متدهوراً وضغوط أسعار مرتفعة ومستمرة، المرتبطة بالتكلفة الباهظة للطاقة”.

وفي سياق الفزع ذاته، سحب المستثمرون البريطانيون 1.9 مليار جنيه إسترليني من صناديق أسواق الأسهم الشهر الماضي مع تصاعد القلق بين المدخرين على الرغم من صعود الأسواق. وتجاوز المبلغ الذي تم سحبه بكثير ما تم الاستغناء عنه في يوليو 2016، بعد أيام من استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفقاً لـ”تيليغراف” البريطانية. كذا، قال اتحاد التجزئة البريطاني إن إجمالي المبيعات نما بمعدل سنوي قدره 1 في المائة في أغسطس، بانخفاض من 2.3 في المائة في يوليو/ تموز.

واعتبر الاقتصاديون أن سحب العاصفة تلوح في الأفق بالنسبة لتجار التجزئة، الذين يستعدون لانخفاض الطلب من الأسر التي تعاني من ضغوط شديدة. ويواجه أصحاب الأعمال جملة من التحديات، بما في ذلك التضخم المرتفع للغاية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنقص الحاد في الموظفين، ما يؤثر على النمو.

و يحذر بعض المحللين من أن الاقتصاد قد دخل بالفعل في حالة ركود هذا الصيف، في حين يتوقع بنك إنكلترا أن يبدأ هذا الشتاء في فترة ركود طويلة ناجمة عن أزمة تكلفة المعيشة، ومن المتوقع أن يؤدي الركود إلى زيادة البطالة حيث تتعرض الشركات للضغط. ستكون إعادة تشغيل محرك النمو المتعثر في البلاد أولوية لرئيسة مجلس الوزراء الجديدة، على الرغم من أن الخبراء يحذرون من أن قول ذلك أسهل من فعله.

ووفقاً للمحللين في شركة “كابيتال إيكونوميكس”، فإن خطط تراس لتخفيض الضرائب والدعم الفوري للأسر التي تكافح مع فواتير الطاقة يمكن أن تضيف حوالي 1.3 في المائة إلى الناتج المحلي الإجمالي، وإن لم يكن ذلك كله في عام واحد، لكن في المقابل فإن تحقيق ذلك سيكلف حوالي 50 مليار جنيه إسترليني.

كما هو واضح يتعين على “تراس” سد ثغرات كبيرة في اقتصاد البلاد، فضلًا عن تنفيذ الوعد بعدم فرض ضرائب جديدة، ومعالجة النزاعات الصناعية، وارتفاع التضخم، وغيرها من التحديات، التي منها: الحرب الأوكرانية وتداعياتها وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي اذ سيتعين على تراس التعامل مع الجوانب العملية لمغادرة الاتحاد الأوروبي مع الوفاء بوعدها بإعادة صياغة الصفقة التي وافق عليها سلفها، بوريس جونسون. وأزمة اللاجئين حيث تكافح الحكومة البريطانية منذ سنوات لتقليل عدد المهاجرين الذين يعبرون إلى بريطانيا على متن القوارب الصغيرة. والإضرابات الممتدة حيث اندلعت إضرابات عديدة هذا العام لعمال النقل والصحفيون والمحامون وعمال القمامة وعمال البريد، في كثير من الحالات، وألقى رؤساء النقابات باللوم على الحكومة لفشلها في تلبية مطالبهم وكسر الجمود. وسيكون لهذه الإضرابات تأثير واضح على الإنتاجية والنمو الاقتصادي، وبالتالي كيف يمكن لتراس إنقاذ بريطانيا من هذه الألغام الداخلية والخارجية غير المسبوقة؟

المصدر : IUVM PRESS

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا