المعادلات الزمنية للسيد حسن نصرالله… “إسرائيل” أمام الاختيار بين السيء والأسوأ

53

بعد المعادلات التي رسمها السيد حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، في ملف ترسيم الحدود البحرية للبنان وفلسطين المحتلة، تثار تساؤلات حول هذا الموضوع منها هل ستؤدي هذه القضية إلى حرب جديدة بين حزب الله والجيش الصهيوني في النهاية، أم سيتمكن اللبنانيون من استعادة حقوقهم بطريقة سلمية؟

القراءة المفصلة لجميع تهديدات الأمين العام لحزب الله خلال الفترة الأخيرة، تظهر أنه قد حدد معادلةً زمنيةً دقيقةً للرد على اعتداءات الکيان الصهيوني على الحدود البحرية للبنان، ترتبط بشهر سبتمبر؛ أي الفترة التي أعلن الکيان الإسرائيلي عزمه استغلال حقل “كاريش” الغازي في المنطقة المتنازع عليها مع لبنان، وفي الوقت نفسه تنتهي ولاية الرئيس اللبناني ميشال عون الحليف لحزب الله، والذي يصر على حقوق لبنان الكاملة في ملف الخلاف الحدودي مع الکيان الصهيوني.

وبعد ذلك، إذا لم يتم انتخاب الرئيس الجديد، ستُعطى صلاحية إجراء المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل إلى “نجيب ميقاتي”، رئيس وزراء الحكومة اللبنانية المؤقتة، الذي أظهر أن مواقفه في ملف ترسيم الحدود تخضع للسياسات الأمريكية.

المعادلة الزمنية للسيد حسن نصر الله لاستعادة الحقوق اللبنانية

وعليه، فإن المعادلة التي رسمها السيد حسن نصر الله تأتي في إطار استعادة الحقوق اللبنانية، وإنهاء الحصار الذي فرضته أمريكا على اللبنانيين قبل التاريخ المذكور.

من الواضح أن كل شيء في العالم يحكمه الزمن، ومعادلات القوة والدمار ليست استثناءً. في الوقت الحاضر، يمكن القول إن هناك 4 مصطلحات في المعادلات الجديدة للأمين العام لحزب الله، يمكن أن تحدد المرحلة المستقبلية لقضية الخلاف الحدودي مع الکيان الصهيوني، وهي: المكان والزمان ومقدار الردع والطاقة.

وفي هذا السياق، المكان في معادلة السيد حسن نصر الله واضح تمامًا، ويتعلق بمناطق خارج حقل “كاريش” وفي عموم فلسطين المحتلة، ويرتبط مقدار الردع أيضًا بمئات الآلاف من الصواريخ التي يمكنها استهداف عمق الجبهة الإسرائيلية.

کما ترتبط الطاقة في هذه المعادلة بالقوة والروح القتالية لمقاتلي المقاومة، أما الزمن فيعتبر عنصرًا رئيسيًا أكثر أهميةً من جميع العناصر السابقة.

يعرف الأمين العام لحزب الله جيداً أن المقاومة تمتلك الآن العديد من أوراق القوة في يدها، ولكن إذا لم يتم استخدام هذه الأوراق في الوقت المناسب، فإنها ستحترق وتختفي، وإذا تم استخدامها في الوقت المناسب، فيمكنها قلب المعادلة تمامًا لمصلحة المقاومة والشعب اللبناني.

ومن الممكن أيضًا أن تكون فرصة استخدام هذه الأوراق مرةً واحدةً فقط، ويکون هناك وقت طويل حتى تحين الفرصة التالية؛ لذلك فإن أهمية الفرصة الذهبية التي ذكرها السيد حسن نصر الله مفهومة جيداً.

تحركات الصهاينة الإقليمية قبل وبعد تهديدات السيد نصر الله

لفهم هذا الموضوع بشكل أفضل، يجب أولاً مقارنة سلوك الكيان الصهيوني في المنطقة خلال الأشهر القليلة الماضية، بسلوك هذا الكيان بعد تهديدات السيد حسن نصر الله.

في غضون ذلك، يجب أن نتذكر السلوك الفظ للصهاينة في القدس والمسجد الأقصى، ومسيرة أعلام هذا الکيان وانتهاك حرمة المقدسات الفلسطينية في أيار، أو الاعتداءات الوقحة التي شنتها المقاتلات الإسرائيلية على مناطق مختلفة من سوريا.

لكننا نرى الآن أنه بعد أن قال السيد نصر الله “لقد وصلنا إلى نهاية الخط”، وهدد المحتلين علنًا بالحرب، حاولت إسرائيل التراجع ولم تستطع حتى القيام برد ضئيل على عملية حزب الله بطائرات دون طيار في حقل کاريش.

إضافة إلى ذلك، من المفيد العودة إلى السنتين الماضيتين ودراسة معادلات الصراع بين المقاومة والکيان الإسرائيلي.

نشر الإعلام الحربي التابع للمقاومة في لبنان، في حزيران/يونيو 2020، فيديو بعنوان “المهمة أنجزت”. وتضمن هذا الفيديو مشاهد لإحداثيات مواقع إسرائيلية مهمة في عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة.

رسالة اختراق المقاومة لمواقع إسرائيل وصلت إلى كل الصهاينة، وترجمتها وسائل الإعلام العبرية وخلصت إلى أن مشروع حزب الله في مجال الصواريخ الدقيقة قد اكتمل.

وما زاد من أهمية هذا الفيديو، الخطاب الناري الذي ألقاه السيد حسن نصر الله قبل أيام قليلة من إطلاق الفيديو المذكور. حيث أعلن: إذا واصل الأمريكيون جهودهم لتجويع اللبنانيين، فإن المقاومة لها “معادلة مهمة وخطيرة”. نقول لمن يضعنا بين خيار الاستسلام والموت جوعاً إن بنادقنا باقية بين أيدينا، ولن نموت من الجوع ونقتلكم.

والآن، بعد عامين من ذلك الخطاب، تحدث الأمين العام لحزب الله عن بلوغ نهاية الخط، وطلب من اللبنانيين عدم اليأس ومعرفة أن لدى المقاومة خيارات كثيرة لإخراجهم من الأزمة الاقتصادية.

إضافة إلى ذلك، نرى أنه لم يتم تنفيذ أي من خطط الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد حزب الله في العامين الماضيين، ومرة أخرى خلال الانتخابات النيابية، استطاعت المقاومة وحلفاؤها كسب ثقة قسم كبير من المجتمع اللبناني والحصول علی دعم أغلبية الشعب.

علاوةً على ذلك، فشلت أيضًا مؤامرة نزع سلاح المقاومة، ويؤكد السيد حسن نصر الله في معادلته أن سلاح حزب الله ليس فقط ضمانة لأمن لبنان، بل هو الضامن لحماية الحقوق البحرية للبلاد وبوابة الخروج من الأزمة الاقتصادية.

معادلات الأمين العام لحزب الله مليئة بعلامات تدل على أن آثارها تتزايد يوماً بعد يوم، وتتجلى بوضوح في حياة اللبنانيين ومعادلات الصراع مع الکيان الإسرائيلي. في غضون ذلك، فإن معادلة “ما بعد کاريش” تعني أن السيد نصرالله قد حسب كل خطواته وتحركاته واستعدّ لها.

وتكمن أهمية معادلة نصرالله في أنه أكد أن إسرائيل ستستسلم إما في بداية الحرب الجديدة مع حزب الله أو في منتصفها أو في نهايتها، وتراجع وهزيمة هذا الکيان أمر مؤكد.

كما طمأن السيد نصرالله كل اللبنانيين في حواره الجديد مع قناة الميادين، أن المقاومة لديها قدرات بشرية وعسكرية ومادية كافية لإخضاع إسرائيل لإرادة لبنان.

بالنسبة إلی ظاهر المؤشرات، لعل البعض يقول إن الحرب الثالثة بين المقاومة اللبنانية والجيش الصهيوني باتت مؤكدةً في هذه المرحلة، ولكن بالنظر إلى الظروف الإقليمية والدولية، وکذلك بالنظر إلى ميزان القوى، يبدو هذا الاحتمال بعيد الاحتمال.

ويمكن فهم ذلك في جزء من الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله، والذي أشار فيه إلی أهداف زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن الإقليمية وفشله في هذه الزيارة، قائلاً: بايدن لا يريد الحرب، والإدارة الأمريكية لا تريد تفجير الأوضاع في المنطقة في الوقت الراهن.

إضافة إلى ذلك، تواجه أوروبا أزمة طاقة وتحاول الحصول على الغاز من دول المنطقة، وتتطلع أيضًا إلى ثروات الغاز المدفونة في البحر الأبيض المتوسط.

كذلك، بينما أخذت الدوائر السياسية والأمنية الصهيونية على محمل الجد تهديدات السيد حسن نصر الله بدخول الخيار العسكري وبدء حرب تنتهي بتدمير إسرائيل، فإن “يائير لبيد”، رئيس الوزراء الحالي في الحكومة الانتقالية للکيان الصهيوني، الذي يرغب في البقاء في نفس المنصب بعد انتخابات الكنيست، يشعر بقلق بالغ من أنه في حال اندلاع الحرب مع حزب الله، فإنه سيواجه مصير بنيامين نتنياهو نفسه، رئيس الوزراء السابق للکيان الصهيوني، خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا مع غزة في مايو من العام الماضي.

ولهذا، تحاول أمريكا وإسرائيل المناورة علی الخلاف الحدودي مع لبنان وبذل كل جهد لحل هذه القضية من خلال المفاوضات، لكن نقطة التحول في كل التطورات الأخيرة هي الإعلان عن استعداد المقاومة التام لدخول الحرب.

بعد عام 2006، أدت قوة المقاومة في لبنان والتقدم في مشروعها المتعلق بالصواريخ الدقيقة، إلى استمرار جهود الجانبين الإسرائيلي والأمريكي لإيجاد حل للتعامل مع تهديدات المقاومة. وخلق الأزمة المدمرة في سوريا والحرب الاقتصادية ضد دول محور المقاومة والتآمر لانهيار التركيبة السياسية للبنان وغيرها، كانت في إطار جهود المحور الأمريكي هذه والتي لم تؤت ثمارها.

والآن أيضًا، فإن المعادلة الزمنية للأمين العام لحزب الله تضع الأميركيين وحلفائهم أمام سيناريوهات مجهولة، حيث إنه إما أن تبدأ إسرائيل الانسحاب من المنطقة المتنازع عليها وتعيد حقوق لبنان البحرية بحلول الموعد المحدد في سبتمبر، أو سيواجه الصهاينة خيارًا عسكريًا، والذي من المرجح أن يكون إيذاناً بنهاية وجودهم.

 

المصدر : الوقت

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا