العقلانيون ..

163

المصدر : ا.د. جهاد كاظم العكيلي

الجدل القائم حول نهضة الشعوب وتطورها، يعزوه أغلب المفكرين إلى العقل البشري الذي هو المنبع الصحيح في جانب الخير في التفكير والتطور، وكذلك في حال إسخدامه لتلبية حاجة المجتمع في المجالات المختلفة التي توفر له مستلزمات حياة البشر الكريمة واسعادهم، رغم أن الحقائق تشير إلى أن كل البشر في الأمم المختلفة يمتلكون العقول وينعمون بها في البقاء ولإستمرار حياتهم، لكن على صعيد الواقع هناك إشارات تبين لنا وجود فوارق بإستخدام العقل البشري بين الأقوام والشعوب ..
فقد نجد أمة ترفع قيم الحياة عند أبناءها من دون أمة أخرى إذ تجد أبناؤها يعدون مجرد أرقام لا قيمة لهم، في الجانب الآخر تجد أمة توفر سبل المساواة والعدالة من دون أمة اخرى يسود فيها الظلم وبخس حقوق الناس، في حين تجد أمة فيها الخدمات عامة للإنسان وبالتساوي وينعمون بنعم الله من ماء وكهرباء بينما أمة أخرى يبحث أبناءها أقل ما يمكن عن راحة البال بتوفير تلك الخدمات، وفي هذا الخصوص، الجدل واسع من باب المقارنة دون أن نجد نقظه تلاقي بين أمة وأخرى، طالما أن العقل هو المقياس والفيصل الحاسم في أن يعيش الفرد او الشعوب بخير، وبأمن وسلام او فوضي وفقر وبؤس مدقعين، ومجتمع فيه حدود للإنسانية والمساواة ومجتمع آخر يباح فيه كل شيء حنى الأرض والشجر ..
ومن هنا يمكن القول أن العقل هو المقياس في التحضر والتمدن، مثلما نهضت شعوب بعد القرون الوسطى وتربعت على كرسي النهضة بفضل العقلانيون من مفكريها وعلى سبيل المثال توماس هوبس وجون لوك وجان جاك رسو الذي أسقط حكم اللويسات في فرنسا بسب فكرة العقلانية للتعايش السلمي وجعل الإرادة العامة السبيل لحرية الإنسان والنهوض بالمجتمع، أما نحن نعيش اليوم في ترديد وتدوين ما وضوعوا أصحاب الفكر والعقل من أسس الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة والعدالة والتي كانت من بذورنا الأولى وأتلفتها عقولنا، ولا زلنا نعيش في صياغة أعذب الألفاظ لها من دون أن نجعل منها كسلوك في عقولنا وحواسنا ..
وعند وضع الحساب الزمني لتقدم الأمم نشير إلى وجود بون شاسع، ونحن بحاجة ربما إلى خمسة قرون قادمة كي نلحق بهم لإنهاء حكم اللويسات التي تشهده بلداننا اليوم من تمخضات في التراجع القيمي والسلوكي والحكم المطلق، وذلك بإهمال العقل وإستخداماته السليمة لخدمة مصالح البشر ومنافعه في الحياة كي يسود التعايش السلمي وتزدهر أمة العرب التي نهضت قبل القرون الوسطى ثم نامت إلى يومنا هذا!..

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا