حرب متعددة الجبهات.. كابوس يؤرق “الكيان المؤقت”؟!

85

الكيان الصهيوني يدرك أكثر من غيره أن محور المقاومة أصبح يحاصره كالطوق على العنق من كل الجبهات، وأن الإخفاقات والاهتزازات التي ضربت البنية العسكرية فيها مع حالة اللااستقرار السياسي والأزمات السياسية المتتالية ستؤثر وتنعكس سلباً على منظومة الجيش الصهيوني
تتكشف يوماً بعد آخر إخفاقات جديدة في جيش الاحتلال الصهيوني عبر تقارير تصدر من مسؤولين عسكريين صهاينة، تعكس حال الترهل في المؤسسة العسكرية الصهيونية من الداخل، وإصابتها بخلل بنيوي يفوق قدرتها على احتمال أي حرب متعدّدة الساحات مع جبهات محور المقاومة في حال اندلعت مستقبلاً.

ليست المرة الأولى التي يكشف فيه مفوض شكاوى جنود الاحتلال الصهيوني السابق اللواء يتسحاق بريك عن إخفاقات في الجيش الصهيوني، إذ سبق أن كشف عن عدم جاهزية وحدات سلاح البرية وقوات الاحتياط لخوض أي حرب برية مع المقاومة الفلسطينية والاعتراف بسقوط استراتيجية الحرب البرية الصهيونية عند الوقوف على أهم استخلاصات نتائج الحرب على قطاع غزة عام 2014.

يكشف ايتسحاق بريك مجدداً في تقرير نشر في صحيفة “هآرتس” الصهيونية قبل أيام عن معضلة جديدة تعانيها قواعد سلاح الجو الصهيونية، التي أصبحت غير مهيأة لتصعيد عسكري واسع متعدد الجبهات، بل وتشكل نقطة ضعف وخاصرة رخوة لدى الكيان الموقت، وهدفاً استراتيجياً لأي جهة قد تهاجم “تل أبيب” برؤوس حربية ثقيلة أو طائرات مسيّرة من دون طيار، والاعتراف بحالة غياب العمل اللوجستي المنظم في سلاح الجو الصهيوني خلال سنين مضت، وما ترتّب عليها من إعاقة فعالية مثل هذه القواعد.

يعلّل ايتسحاق بريك عجز الجيش الصهيوني وعدم قدرته على الدفاع عن قواعده الجوية العسكرية، إلى نقص القوى البشرية وتفتت معظم الكتائب المخصصة لضمان ديمومة العمل فيها، وغياب العقيدة الموحّدة والتدريبات المنتظمة وعمليات التجنيد والتأهيل لدى الجنود، والفجوة الآخذة في الاتساع بين القيادتين العليا والميدانية لجيش الاحتلال، التي تعوّق ردم قوة الثغرات التي سترتد سلباً على سلاح الجو الصهيوني في أي مواجهة مقبلة.

ما كشفه بريك عن إصابة قواعد سلاح الجو الصهيوني بحالة الشلل الكامل في أي حرب مقبلة، نابع من اطّلاع كافٍ على حقائق ما يدور في الكيان الموقت بعد الحروب التي خاضها في المنطقة، وقواعد الاشتباك والردع القائمة على جبهتي لبنان وقطاع غزة، وما يعدّه الكيان الصهيوني تهديداً إيرانياً له، ويمكن قراءته في ثلاثة سياقات رئيسة:

السياق الأول: الإخفاقات الكبيرة التي كشفت فشل الجيش الصهيوني وتقديراته العسكرية خلال جولات المواجهة مع المقاومة الفلسطينية خلال معركتي العصف المأكول عام 2014، وسيف القدس أيار/مايو 2021، وصواريخ المقاومة المتطورة التي استخدمت أول مرة في الــ11 يوماً، التي أثبتت فشل منظومة القبة الحديدة فشلاً ذريعاً، وأكّدت عجز كيان الإحتلال وعدم قدرته على المواجهة على جبهة واحدة، فضلاً عن نجاح المقاومة الفلسطينية وقدرتها على توجيه صواريخها بدقة بالغة، كانت قواعد سلاح الجوي الصهيوني المحاذية لقطاع غزة أهدافاً رئيسة لها.

السياق الثاني: إدراك الكيان الكبير لجهة ينامي قدرات المقاومتين اللبنانية والفلسطينية معاً من حيث القوة والقدرة الصاروخية، واستخدام سلاح الطائرات المسيّرة، سواء على جبهة قطاع غزة، أو القدرات التي يمتلكها حزب الله، وخصوصاً ما يتعلّق منها بالصواريخ الدقيقة وسلاح الطائرات المسيّرة التي تحدّث عنها الكيان الموقت مراراً، أن المقاومة اللبنانية تمتلك أسطولاً من الطائرات المسيّرة، وأصبحت تشكل مصدر تهديد وقلق كبيرين لـلكيان أكثر منه في أي وقت مضى.

السياق الثالث: خشية الصهاينة من حيازة إيران القنبلة النووية، وما يزيد من حالة الخوف والقلق من استهدافها مباشرةً في أي حرب شاملة، خصوصاً أن الكيان الصهيوني يصنّف التهديد الإيراني بالتهديد النووي القادر على القضاء عليه وإنهاء وجوده كدولة وليس ضرب قواعد سلاح الجو فيه.

اللواء بريك ليس شخصية عادية في الكيان الموقت، واعترافاته وتحذيراته تنطلق من كونه شغل منصب مفوض تلقّي الشكاوى في الجيش مدة 10 سنين، ويندرج تحت مهامه إجراء لقاءات مع أفراد من جميع مستويات الجيش الإسرائيلي وقطاعاته، والاستماع إلى شكواهم وملاحظاتهم، ويرى نفسه الأكثر اطلاعاً على تفاصيل وحقائق الوضع الداخلي في الجيش الصهيوني.

يقر ايتسحاق بريك في اعترافاته السابقة بأن صواريخ المقاومة الفلسطينية التي استخدمت في المواجهة العسكرية في شهر أيار/مايو 2021، استطاعت شل نصف “إسرائيل” وحيّدت القبة الحديدية، وأن استخدام صواريخ ثقيلة بهذا القدر الهائل كاد يهيّئ المشهد لحرب شاملة، وأن نتائج هذه المواجهة ليست إلا فشلاً عسكرياً خطراً كشف عن الإخفاقات العسكرية الكبيرة في استعداد الجيش الصهيوني.

التحذير الأخطر الذي يسجّله اللواء بريك، ويحذّر منه، هو أن ما جرى في المواجهة العسكرية بين “الكيان المؤقت” والمقاومة الفلسطينية قبل عام، ما هو إلا “نزهة قياساً على حرب متعدّدة الجبهات يشارك فيها حزب الله وسوريا وأذرع إيران في المنطقة، وستكون نهايتها مأساوية على نحو لا يمكن تخيله على الكيان المؤقت، أمام قبة حديدية تشكل ذراً للرماد في العيون، لن تكون ذات جدوى أمام 250 ألف صاروخ قد توجه إلى إسرائيل من جبهات عدة”.

واقع “الكيان المؤقت” في السنوات الأخيرة يؤسّس لمفاهيم جديدة، أبرزها أن الصورة التي يقدّمها إلى العالم أنه “الدولة القوية” لم تعد تنطلي على أحد، أمام قوة إيران ومحورها كعامل خارجي مهم، والعوامل الداخلية كحالة الصراعات غير المسبوقة وتصاعد وتيرة التطرّف والتفكك والأزمات المتعددة على المستويات كافة يجعله يتهيّأ لمرحلة التحطّم من الداخل على الرغم من قوته.

الكيان الصهيوني يدرك أكثر من غيره أن محور المقاومة أصبح يحاصره كالطوق على العنق من كل الجبهات، وأن الإخفاقات والاهتزازات التي ضربت البنية العسكرية فيه مع حالة اللااستقرار السياسي والأزمات السياسية المتتالية ستؤثر وتنعكس سلباً على منظومة “الجيش” الصهيوني، الذي سيعاني جراء التهديدات الخارجية وحالة الانهيار التدريجي الداخلي بسبب أزمة مرتقبة تتمثّل في عدم إقرار ميزانية الجيش الجديدة وحالة التفكّك والترهل، التي يقر بها ألوية عسكرية صهيونية أمثال ايتسحاق بريك، في وقت أصبح يحلم فيه الكيان المؤقت بمنظومة ليزر تحيط به من كل اتجاه، وهو يستشعر خطراً داهماً عليه، وهذا يفسر أنه يعيش فعلياً هواجس الحرب متعددة الجبهات.

المصدر : شرحبيل الغريب

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا