ظاهرة الهروب من الخدمة العسكرية تتنامى بين الجنود الصهاينة.. الاسباب والدوافع

165

صدرت مؤخرا في دولة الاحتلال تحذيرات من تراجع معدلات التجنيد في الخدمة العسكرية في صفوف الجيش، ما يضع علامات استفهام حول تأثير هذه الظاهرة على مدى جاهزية الجيش في التصدي للتهديدات القادمة، وخاصة مع تنامي المخاطر الأمنية والعسكرية. مع العلم أن تراجع معدلات تسجيل الشبان الإسرائيليين في سجلات الجيش، يتجاوز الفئات السكانية التي لا تلتزم بالعادة في الخدمة العسكرية، مثل فلسطينيي48، واليهود المتدينين، وذوي الاحتياجات الخاصة، بل إنه بات يصل إلى اليهود الأصحاء، الذين لا يمنعهم من الانخراط في صفوف الجيش سوى عدم قناعتهم بالحروب التي يخوضها من جانب، ورغبته في الاستمرار في الحياة دون إصابة أو إعاقة، وربما بسبب شعوره بأن العائد المادي لم يعد مجزياً، ويوازي الجهد المبذول في العمليات العسكرية.

وزير المخابرات السابق الجنرال إليعازر شتيرن، أكد في مقال بصحيفة “إسرائيل اليوم، أن “تراجع معدلات التجنيد في صفوف الجيش من شأنه أن يساهم بصورة سلبية في تآكل “الصمود الوطني” لدى الإسرائيليين، لأن الشبان الذين يفترض أن يكونوا في وحداتهم العسكرية من الواضح أنهم نسوا واجبهم، لأنهم يبذلون جهودا حثيثة للحصول على إعفاء من الخدمة العسكرية، ولعل النظر إلى البيانات “المتواضعة” يكشف أننا أمام مشكلة حقيقية للجيش، ولا بد من إيجاد الحلول لها“. ولا تعتبر ظاهرة رفض الخدمة العسكرية في جيش الاحتلال حديثة من نوعها، بل إنها قديمة، لكنها تتجدد عند خوض الاحتلال حروبا عسكرية، أو عندما يتجهز للانخراط في مواجهات أخرى جديدة، وقد شهدت العقود السبعة الماضية بروزا ملموسا لظاهرة الرافضين للخدمة العسكرية، ممن أبدى قسم كبير منهم عدم استعدادهم للخدمة العسكرية في الأراضي المحتلة أو لبنان، وكان مصيرهم السجن لفترات مختلفة.

وتنشر بعض التقارير الاخبارية معطيات للسنوات الأخيرة أن الشباب اليهود غدوا أقل حماسة للتجند، وأقل رغبة للانخراط ضمن وحداته القتالية، وذلك لهذه الأسباب:

انخفاض مكانة الخدمة العسكرية بوصفها تعبيرا عن الانتماء للدولة. وعدم تحقق الوعود بحسم الحروب التقليدية دون دماء وعرق ودموع، وعدم بناء روح قتالية. وتصاعد معدلات “العلمنة والأمركة والتوجه نحو اللذة في إسرائيل”، وتحوُّلها إلى “مجتمع الثلاثة” “الفيديو والفولفو والفيلا”، وظهور الإسرائيلي الذي ينصرف عن الخدمة العسكرية ويفر منها. كما تسببت الانتفاضتان الفلسطينيتان 1987 و2000 وصولا للعدوان الإسرائيلي المتكرر على غزة في 2008 و2012 و2014، باهتزاز قدرات جيش الاحتلال، حيث لا تزال تجارب المقاومة الفلسطينية عالقة بأذهان جنوده، فحينما تصاعدت المقاومة تزايد عدد رافضي الاشتراك في عمليات الجيش، لأنها أسهمت بزيادة الخوف والرعب لديهم، وفي أحيان أخرى باتت نسبة لا بأس بها من الجيل الإسرائيلي الجديد ترى الخدمة العسكرية في صفوف الجيش مصدرا للخجل أكثر من التفاخر.

وشكل الخوف من الموت دافعا أساسيا أمام الإسرائيليين، للتهرب من الانخراط في صفوف الجيش، وقد تنامى هذا الخوف مع تصاعد خسائر الجيش البشرية بفعل المقاومة. وعلى إثر الحروب الأخيرة التي خاضها جيش الاحتلال في لبنان والأراضي الفلسطينية تزايدت المطالبات الرسمية والشعبية بتشكيل لجان للتحقيق في “الهزائم” التي مني بها، ومحاسبة الجنرالات المسؤولين عن “العار” الذي لحق بالدولة، التي باتت مقتنعة بأن مؤسستها العسكرية فقدت مصداقيتها، وتراجعت قدرتها على إدارة الدولة وقيادة الجيش، ولم يعد يمتلك رئيس الأركان تلك الصلاحية والمرجعية الأخلاقية لإرسال الجنود للحرب القادمة.

بجانب العوامل الواردة أعلاه، تكمن جملة دوافع داخلية تخص الجيش ذاته، وهي دوافع بَددت صورته أمام الإسرائيليين المقبلين على الخدمة العسكرية، لكنهم يتراجعون في اللحظات الأخيرة، ومن هذه الدوافع: انتحار الجنود وهو السبب الأساسي بوفاتهم داخل الجيش، لأن متوسط عدد من يموتون في الجيش سنويا من غير العمليات القتالية يبلغ 30 جنديا، ثلثهم ينتحرون. وتقادم الجيش،حيث بات واهن العضلات، ويتستر بـ”ورقة توت”، وانهارت إرادة القتال فيه، وتراكم المفعول الانهزامي لانسحاباته المتوالية، وهو يترنح بين ضمور الروح العسكرية واللوذ بالفرار. وفقدان الثقة التي باتت مهزوزة بعد الحروب الإسرائيلية في لبنان وغزة، وتجلت بحملة الانتقادات المتلاحقة، ليست تلك القادمة من الخارج فقط، بل من الأصوات داخله، داخل البيت، حتى إن قائد شعبة العمليات في الجيش أهارون حليوة أشار في أواسط فبراير/شباط الماضي إلى أنه “قلق للغاية بشأن تراجع ثقة الجمهور بالجيش، لأنه يتعرض لانتقادات علنية، وعندما نرى التراجع الحاد في مؤشر ثقة الجمهور به، فهذا مقلق لنا“.

وحول هذا السياق، قال الخبير في الشأن الإسرائيلي الدكتور عدنان أبو عامر، إن فرار الجنود الإسرائيليين من الخدمة العسكرية “ظاهرة يعاني منها جيش الاحتلال منذ سنوات طويلة“. وأضاف أبو عامر، أن شراسة المقاومة الفلسطينية التي واجهها جنود الاحتلال، دفعتهم إلى الهروب من الجيش، مشيرا إلى أنهم باتوا يخشون الأسر أو القتل أو الإعاقة، أكثر من أي وقت سابق. وتابع: “لم تعد الخدمة العسكرية أن يقضي العسكري ثلاث سنوات في المعسكرات ليعود بعدها إلى منزله، وإنما أصبحت مهمة صعبة تحفها كثير من المخاطر، ما تسبب بتهرب الإسرائيليين منها“. وأكد أبو عامر أن هذا “الهروب المتزايد” يؤدي إلى “ضعف الانتماء للدولة اليهودية”، لافتا إلى قيام الحاخامات اليهود بـ”عملية توعية وتثقيف وتعبئة للشبان اليهود، لحثهم على الالتحاق بالخدمة العسكرية، وتحمل الخسائر“.

من جانبه؛ قال المختص في الشأن الإسرائيلي ناجي البطة، إن غالبية الجيل الإسرائيلي الحالي “لا تنتمي للمشروع اليهودي، وبالتالي هي غير مستعدة للتضحية بوقتها وجهدها ورفاهيتها من خلال الخدمة العسكرية“. وأضاف، إن “الشبان الإسرائيليين يلتحقون بالجيش بعد الثانوية العامة، الذكور لمدة سنتين، والفتيات لسنة ونصف، ويتم استدعاؤهم للاحتياط 40 يوما في كل عام، الأمر الذي يدخلهم في حالة من الضجر”، حيث إنهم “يبحثون في هذه السن عن صداقات مع الجنس الآخر، وهذا يتنافى مع الخشونة التي يمارسونها في الجيش”. وتوقع البطة “مزيدا من التهرب بأعذار متعددة، كالظروف الصحية أو الانتماء لفئة الحريديم التي لا تخدم في جيش الاحتلال”، وقال: “إنهم مستعدون لفعل أي شيء حتى يتخلصوا من الخدمة العسكرية“.

وأشار إلى أن قاضيا لمحكمة عسكرية إسرائيلية، سأل اثنين من قادة لواء جولاني الذي يوصف بأنه اللواء الأقوى في الجيش الإسرائيلي: “لماذا هربتم من الخدمة؟”، فقالا: “نحن لا نريد أن نموت“. وحول تأثيرات حالات التهرب من الخدمة العسكرية على الجيش الإسرائيلي، قال البطة إن هذا “سيضعف من الروح القتالية بشكل كبير جدا، الأمر الذي سيؤدي إلى تفكك وانهيار المنظومة العسكرية للاحتلال“. وأكد أن الروح القتالية “تتآكل” لدى الجيش الإسرائيلي، مدللاً على ذلك بما وصفه بأنه “أخطر القرارات الصهيونية” وهو ما يعرف بقانون “هانيبعل” الذي يقضي بوجوب قصف الطائرات الإسرائيلية للجندي الإسرائيلي حال أسره.
ووصف جنود الاحتلال بأنهم “لا يصلحون للقتال، ويعتمدون في المواجهات على قوة نارية هائلة من سلاح الجو”، مستشهدا بمقابلة نشرتها صحيفة “هآرتس” العبرية مع الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط بعد إطلاق سراحه في صفقة “وفاء الأحرار”، حيث قال له الصحفي: “لو رفعت يدك 5 سم، إلى الرشاش الذي أمامك لما كانت كل هذه القصة”، فرد عليه شاليط: “لم أجرؤ على التفكير برفع يدي 1 ملم في أي اتجاه“.

إن الجيش الإسرائيلي ورغم التفوق التسليحي والتكنولوجي، إلا أنه يفتقر للدافعية القتالية التي تعد أحد أبرز الثغرات في الجيش، وهذا ما أكده ألون بن دافيد، الخبير العسكري في القناة العاشرة، حين قال إن “المشكلة التي يواجهها الجيش تكمن في عدم جاهزيته للمعركة القادمة، وليس مردها إلى نقص في المعدات أو شح في الإمكانيات، وإنما في عدم وجود الحافزية عند الجنود والضباط لخوض القتال“. ويمكننا أن نضيف هنا نقطة أخرى، ألا وهي مسألة الإيمان لدى الجندي المقاتل، لكونها الشحنة الذاتية التي تقوي إرادته وتزيد من عزيمته وهو يجابه الموت دفاعاً عن وطنه وأرضه وعرضه.

لكن الجندي الصهيوني يفتقر لهذه المسألة الإيمانية لأنه يقاتل من أجل أهداف وغايات سياسية وشخصية تتعلق بمصالح، فهو جندي يقبض أتعابه مزوداً بأحدث الأسلحة الإسرائيلية الفتاكة، لكن تنقصه روحانية النفس الإنسانية؛ لذلك عندما يجد نفسه متورطاً بحرب صنعها قادته من ناحية، ويكتشف الزيف والتضليل في أسباب اندلاعها من ناحية أخرى، فإن الإحباط يتنامى بداخله ليتحول إلى يأس وقنوط. وبما أنه يخشى من هكذا قتال ولا يرى فيه جدوى، وأنه مجبر على مواصلة القتال والخدمة لذا يتجه صوب الهروب الأبدي عبر الانتحار أو الهروب والتملص من أداء الخدمة على خطوط المواجهة، ولا حل لهذه الظواهر المتنامية في صفوف الجيش الإسرائيلي إلا بإنهاء الاحتلال وإرجاع الحق لأهله.

المصدر : الوقت

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا