“بيغاسوس” ورحلة التجسس على صحفيين عرب.. ماذا عن القانون الدوليّ؟

209

لا يخفى على أحد أنّ برنامج “بيغاسوس” التجسسيّ أداة بيد الاستخبارات الصهيونيّة باعتباره أحد أقوى الأسلحة السيبرانية في العالم، وعقب مرور أكثر من عام على اكتشافات هذا المشروع المتخصص بالتجسس السيبرانيّ، حذرت منظمة العفو الدوليّة، من أنّ غياب حظرٍ عالميٍّ على بيع برامج التجسس يسمح لقطاع صناعة برامج الرقابة بالاستمرار في نشاطه من دون رادع، حيث إنّ الهواتف المحمولة للشخصيات البارزة والمهمة على المستوى الدوليّ، تتعرض للتجسس بشكل غير قانونيّ، وقد أثار هذا البرنامج الخبيث ضجة عالمية، بعدما تم الكشف عن تحقيقات موثقة أثبتت أنّه استخدم في التجسس على الهواتف الشخصية للآلاف بينهم قادة دول، كما اخترق عشرات الآلاف من الهواتف لصحفيين وسياسيين ومعارضين ورؤساء وملوك حول العالم.

دوامة تجسس

في الوقت الذي لا يزال فيه برنامج “بيغاسوس” الإسرائيليّ ضمن دوامة التجسّس العالمية التي أحدثها، باعتبار أن مبيعاته باعتراف الصحافة الأمريكيّة، لعبت دوراً سريّاً في الحصول على مواقف سياسية داعمة لكيان الاحتلال الاسرائيليّ، و لا سيما في التصويت داخل أروقة الأمم المتحدة، فيما يساعد البرنامج الذي طوّرته شركة تنسق مباشَرة مع الحكومة التابعة للاحتلال بالتجسس على الهواتف الذكية، من خلال اختراقها بفيروس يسمح بالحصول على الصور والمحادثات والوثائق الموجودة داخل الأجهزة الإلكترونيّة، كما أنّ الشركة التي يُزعم أنّها “خاصة” أُسست من قبل أشخاص عملوا سابقاً في الوحدة “8200”، والتي تعتبر إحدى أقوى أذرع الاستخبارات الصهيونيّة، التي يتركز عملها على التجسس على المؤسسات والأفراد في كل الدول.

وعلى الرغم من أنّ جريمة قرصنة هواتف الأشخاص البارزين والمهمين على مستوى العالم تُعد انتهاكاً صارخاً وغير أخلاقي للقوانين والتشريعات الدوليّة ومبادئ حقوق الإنسان، تؤكّد المعلومات أنّ الحكومات في جميع أنحاء العالم تستخدم برنامج التجسس (بيغاسوس) التابع لمجموعة “NSO” الإسرائيليّة لوضع نشطاء حقوق الإنسان والقادة السياسيين والصحفيين والمحامين في جميع أنحاء العالم تحت المراقبة غير القانونيّة، وقد أشار مختصون في الأمن السيبراني إلى أنّ الثغرة الأمنية التي اكتشفت وتعمل بصورة نشطة في “غوغل كروم” ترتبط بمنتج برامج تجسس إسرائيليّ معروف باستهداف الصحفيين في الشرق الأوس، كما أوضح موقع (Middle East Eye) أنّ شركة “أفاست” العالميّة للأمن السيبراني نسبت الشبكات لمنتج برامج تجسس مقره تل أبيب ويعرف باسم (كانديرو).

 إضافة إلى ذلك، كشفت شركة “إيسيت” للأمن عبر الإنترنت في العام الماضي أنّ موقع (Middle East Eye) كان مستهدفًا من قبل مجموعة قرصنة في نيسان (أبريل) من العام 2020. وتمّ فرض عقوبات على (كانديرو) في تشرين الثاني (نوفمبر) 2021 من قبل وزارة التجارة الأمريكية لمشاركته في أنشطة تتعارض مع الأمن القومي للولايات المتحدة، واكتشفت “أفاست” هجمات كانديرو الأخيرة في آذار (مارس) باستخدام مجموعة أدوات محدثة، تهدف إلى استهداف أفراد في تركيا واليمن وفلسطين إضافة إلى صحفيين في لبنان، حيث اخترقت موقعًا إلكترونيًا يستخدمه موظفون في وكالة أنباء لم تذكر اسمها، موضحة أنّه غالبًا ما يكون السبب وراء ملاحقة المهاجمين للصحفيين هو التجسس عليهم وعلى القصص التي يعملون عليها مباشرة، أو للوصول إلى مصادرهم وجمع معلومات مخادعة.

 ومن الجدير بالذكر أنّه تمّ الكشف عن (كانديرو) لأوّل مرة بواسطة (مايكروسوفت) و(سيتيزن لاب) في تموز/يوليو 2021، حيثُ أظهرت النتائج أن شركة القرصنة استهدفت ما لا يقل عن 100 ناشط وصحفي ومعارض في 10 دول،  ووفقًا لأفاست، فإنّه من المحتمل أنْ تكون (كانديرو) قد قلصت أنشطتها بعد إصدار تقرير “سيتيزن لاب” العام الماضي من أجل تحديث البرامج الضارة وتجنب جهود الكشف، وسجلت الشركة التي تقف وراء الاختراق حاليًا في تل أبيب باسم “سايتو تيك”، وتبيع الشركة منتجاتها للجهات الحكومية فقط، بعد حصولها على جميع التراخيص اللازمة من وزارة الحرب الإسرائيلي،  وذكرت شركة “سيتيزن لاب”، في وقت سابق أنّ السعودية والإمارات “عميلتا كانديرو على الأرجح”، كما أنّ الشركة “أصبحت أقرب إلى قطر” مؤخرًا، وفقًا لتقرير آب (أغسطس) 2020 من موقع (إنتليجنس أونلاين)، ولفتت إلى أن البرامج استخدمت من قبل الحكومات، بما في ذلك المغرب والسعودية والإمارات، للوصول بشكل غير قانوني إلى بيانات هواتف الناشطين والصحفيين في جميع أنحاء العالم.

جريمة كبيرة

باعتبار أنّ ما تقوم به “إسرائيل” يُعد “جريمة كبيرة وتجب المحاسبة عليها” بنظر حقوقيين، يؤكّد من اخترقت هواتفهم من قبل الاستخبارات الإسرائيليّة أن هناك تنصتاً ومراقبة كاملة على كل ما يقولونه ويرسلونه، مع وجود إثباتات ووثائق تثبت وجود الاختراق الإسرائيليّ، بات من الضروري أن تُحاسب تل أبيب على جرائمها الإلكترونيّة ومعاقبتها على ممارساتها وانتهاكها السافر لكل الأنظمة والقوانين وحقوق الناس والمسؤولين وخصوصيتهم، حيث قالت دانا إنغلتون، نائبة مدير برنامج التكنولوجيا في منظمة العفو الدولية: “بعد مضي عام واحد على صدور الاكتشافات المتعلقة ببرنامج التجسس بيغاسوس التي صدمت العالم، من المثير للقلق أنّ شركات برامج الرقابة لا تزال تنتفع من انتهاكات حقوق الإنسان على نطاقٍ عالميٍّ”.

وإنّ البرنامج المذكور قادر على اختراق الكاميرا و الميكروفون في الهاتف المحمول ويحصل على بياناته بشكل كامل، وقد بيّنت إنغلتون أنّ “مشروع (بيغاسوس) أطلق صرخة تحذير مفادها بأنّ هناك حاجة ماسة لاتخاذ إجراءات عاجلة لتنظيم صناعة خارجة عن نطاق السيطرة، مؤكِّدةً في الوقت نفسه أنّه “من المشين أنّ الحكومات في جميع أنحاء العالم لم تسارع وتتعامل بشكل كامل مع أزمة برامج الرقابة الرقمية هذه”، وخاصة أنّ “الرقابة غير القانونية المستهدفة للمدافعين عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني هي أداة للقمع، لقد حان الوقت لاتخاذ إجراءات صارمة ضد هذا القطاع الذي يواصل نشاطه في الخفاء”، وفقًا لمنظمة العفو الدولية.

ويشير مختبر الأمن التابع للعفو الدوليّة إلى أنّه “بشكل مستقل العديد من الحالات الإضافية التي لا يزال يُستخدم فيها برنامج (بيغاسوس) لاستهداف الأشخاص بشكل غير قانوني، بما في ذلك حالات في السلفادور، وإسرائيل-الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبولندا، وإسبانيا”، “مع وجود حالات جديدة مؤكدة كل شهر لأشخاص مستهدفين ببرنامج (بيغاسوس)”، ونوّهت المنظمة الدوليّة أنّها “أجرت مقابلات مع العديد من الأشخاص الذين استُهدفوا به، والذين تحدثوا عما عانوه من جراء استهدافهم”.

ومن المستغرب بشكل كبير غض نظر مؤسسات العدالة الجنائية الدولية عن جرائم “إسرائيل” الإلكترونيّة، حيث إنّ المجتمع الدولي ومؤسساته وكل المنظمات والشركات يجب أن تتجه نحو مقاطعة تل أبيب المتورطة في فضائح التجسس، والعمل بشكل جماعيّ ومؤثر لمساءلتها ومحاسبتها وتقديمها للعدالة الدولية، وخاصة أنّ الكيان الصهيونيّ يعتبر نفسه لاعباً قويّاً في مجال الحرب الإلكترونيّة التي تشكل جزءاً أساسياً من “قوته الناعمة” ضد الدول الرافضة لاحتلاله أو التطبيع معه أو تنفيذ أوامر الحلفاء مقابل طلبات إسرائيليّة حول عدة ملفات حساسة، وقد شاهدنا هذا الموضوع في أكثر من دولة.

وما ينبغي ذكره، أنّ العسكريين والأمنيين الصهاينة يفتخرون بامتلاكهم الوحدة رقم 8200 والتي تعد من أخطر الوحدات لدى قواتهم المعتدية، وتعمل تحت مظلة جهاز المخابرات الداخليّة أو ما يطلق عليه ”الشاباك”، وهي المسؤولة عن قيادة الحرب الإلكترونيّة وجمع المعلومات الاستخباريّة، كما تقوم بشكل مستمر في تجنيد عدد كبير من الشباب ليشكلوا أكبر جيش الكترونيّ لنشر الفكر الصهيونيّ والتوغل في أعماق العالم الإسلاميّ وتسميم ثقافة وفكر المسلمين وضرب قيمهم الأخلاقية والإنسانية والعقائدية، وهم يعملون بهدوء على بث الفتن وترويج الإشاعات واستهداف الناشطين والمثقفين وتأجيج الفتن.

نتيجة لكل ذلك، إنّ سلطات العدو استخدمت برنامجها للتجسس على الدول والأفراد البارزين ووافقت على بيع ذلك البرنامج إلى دول عدة تملك سجلاً فاضحاً في حقوق الإنسان لأهداف سياسية، وبالاستناد إلى حقيقة أنّ الحرب الناعمة أو الإلكترونيّة باتت توازي إن لم نقل تنافس الحرب العسكريّة التقليدية، ظهرت أنواع كثيرة من تلك الأسلحة في السوق الصهيونيّة، ما جعل تل أبيب تؤثر بشكل مباشر على صانعي تلك الأسلحةـ واشتراط حصولهم على تراخيص تصدير من وزارة الحرب الصهيونيّة لبيع أدواتهم خارج الأراضي الفلسطينيّة المحتلة، ما يوفر لحكومة العدو فرض تأثيرها الخبيث على البلدان التي تشتري منتجات الشركات الصهيونية.

المصدر : الوقت

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا