أزمة التجنيد: 71% من الأميركيين غير مؤهلين للانضمام إلى الجيش!

189

عام 1969، كان تعهد ريتشارد نيكسون، -المرشح لرئاسة الولايات المتحدة- بـ “إلغاء التجنيد الإجباري واعتماد الجيش على قوة المتطوعين”، أحد أهم الأسباب التي ساهمت بفوزه برئاسة الولايات المتحدة. اليوم، وبعد مرور 52 عاماً على إقرار هذا التعديل، يجد الرئيس الأميركي جو بايدن، نفسه أمام تحدٍ آخر. إذ ان “الحل السحري” الذي قدّمه مستشار نيكسون، مارتن أندرسون، آنذاك، قد أخذ يفقد بريقه، ويثبت عدم جدواه. ليمثل تحديّاً جدياً أمام مرشحي الرئاسة في السنوات القادمة. بعدما بات من الواضح ان هذا الملف من شأنه ان يؤثّر بشكل مباشر على “أسهم” أي مرشح خلال حملته الانتخابية. خاصة بعد ان أكد مسؤولون عسكريون، خلال جلسة مجلس الشيوخ الأميركي في أيار/ مايو الماضي، ان عام 2022، سيكون “العام الأكثر تحدياً للتجنيد منذ عام 1973”.

خلال ستينيات القرن الماضي، انتقد معارضو الخدمة الانتقائية التجنيد الإجباري. خاصة بعد ان أصبح “التهرّب” من الخدمة أمراً سهلاً باستغلال “الإعفاءات والتأجيلات”. وهو الأمر الذي رأى فيه الشعب الأميركي تمييزاً فاقم عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية. حيث بات يرى هؤلاء ان “الطبقة العليا انتسبت إلى الكلية، بينما أُجبرت الطبقة العاملة على خوض الحروب”. وما أعطى هذه المشاعر دافعاً أقوى، نشوب حرب فيتنام ومقتل حوالي 37.000 جندي أميركي. وبحسب صحيفة نيويورك تايمز، فقد قدّرت وزارة الدفاع الأميركية حينها ان “33% من الأميركيين الذين قتلوا كانوا من المجندين”.

كان ملف “التجنيد الاجباري” أولى التحديات التي واجهت الرئيس الأميركي آنذاك، ليندون جونسون، والتي حالت فعلياً دون إعادة انتخابه لولاية ثانية. نتيجة المعارضة الداخلية التي وصلت إلى ذروتها، حيث بقيت الاحتجاجات لمدة 3 أشهر أمام مبنى وزارة الدفاع في تشرين الأول/ أكتوبر. في حين، كانت بالمقابل ورقة رابحة استثمرها ريتشارد نيكسون، المرشح للرئاسة في ذلك الوقت.

في أواخر عام 1966، كان نيكسون في المراحل الأولى من حملته الانتخابية الخاصة. وقد كلّف نائبه بتشكيل دائرة داخلية من المستشارين المتشابهين في التفكير بشأن جميع مسائل السياسة العامة وكان من بينهم الأستاذ في جامعة كولومبيا مارتن أندرسون.

عرض أندرسون خلال اجتماع عقد في آذار/ مارس في مانهاتن، ان على “مرشح الرئاسة” إعلان معارضته للتجنيد. وقدّم حلاً لهذه المعضلة، حين توجه لنيكسون بالقول “ماذا لو كان بإمكاني أن أوضح لك كيف يمكننا إنهاء التجنيد الاجباري وزيادة قوتنا العسكرية في نفس الوقت؟”. وكان يرمي أندرسون إلى اعتماد التطوع.

في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967، سأل مراسل شاب من نيويورك تايمز نيكسون عن رأيه حيال هذا الملف، فأجاب مبتسماً: “أعتقد أنه يجب علينا إلغاء التجنيد والانتقال إلى قوة من المتطوعين”. في اليوم التالي، نشرت الصحيفة مقالًا بعنوان: “نيكسون يدعم نهاية المسودة -التي تتعلق بالتجنيد-“. وبذلك، أصبح نيكسون أبرز المدافعين عن إنشاء قوة من المتطوعين بالكامل. وبعد عام واحد، انتخبه الشعب الأمريكي الرئيس الـ 37 للولايات المتحدة.

الجيش الأميركي أمام أزمة تجنيد

وأرجع المسؤولون العسكريون السبب في ذلك لعدة تحديات يأتي على رأسها “الفشل الذريع في الانسحاب من أفغانستان الذي هزَّ ثقة الأمريكيين في الجيش”. فيما رأى آخرون ان “الخدمة العسكرية منذ أن تحوَّلت من التجنيد الإجباري إلى تجنيد جيش كامل من المتطوعين في عام 1973، لم تحقق أهدافها من التجنيد، خاصة في السنوات التي كان ارتفاع الخسائر في الحروب محل اهتمام”.

“مؤسسة هيريتيج” البحثية الأمريكية أشارت في تقرير إلى ان “الجيش الأميركي أعلن مؤخرًا أنه اضطر إلى خفض عديده بمقدار 12 ألف جندي، لأنه لم يتمكن من العثور على ما يكفي من المتطوعين لملء صفوفه”. وتابعت “ليس الجيش وحده هو الذي يعاني، فقد حذَّر مسؤول التجنيد في سلاح الجو من أن “أجراس الخطر” تدق مشيرةً إلى إمكانية عدم تحقيق أهداف التجنيد لعام 2022″.

ويشير توماس سبوير، كاتب التقرير إلى ان “سلاح مشاة البحرية، الخدمة التي لا تواجه عادةً مشكلةً في تحقيق أهدافها، تعاني في عام 2022… الخبر المهم هو أن عدد الأمريكيين المؤهلين للانضمام إلى الجيش دون منحهم أي استثناء من الشروط يستمر في الانخفاض، لافتًا إلى أن الجيش أبلغ أنه منذ عام 2014، وبسبب السمنة أو التاريخ الإجرامي السلبي أو المشكلات الجسدية أو تعاطي المخدرات أو عدم الحصول على شهادة الثانوية العامة، هناك 29% فقط من الأمريكيين مؤهلون للانضمام إلى الجيش دون منحهم استثناء”.

أزمة تمس بالأمن القومي الأميركي

لا يمكن اعتبار هذا الأمر مجرد مشكلة عابرة. ففي السنوات الأخيرة، قد أجبرت الدولة الأميركية- بعد بروز معارضة شعبية أميركية لفكرة انتقال أحد أفراد العائلة بغية القتال في إحدى الدول، -غالباً ما تكون في الشرق الأوسط- إلى توثيق لحظات عودة جنودها إلى عائلاتهم وتقديمهم للرأي العام، على أنهم “أبطالاً” في لحظات مؤثرة. في خطوة وضعت ضمن إطار التخفيف من وطأة المعارضة. ويرى توماس سبوير، ان “أمريكا تحتاج إلى معالجة هذه المشكلة المتمثلة في انخفاض نسبة الأمريكيين الذين لا يستطيعون التأهل للخدمة العسكرية، وتؤدي وسائل التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو والاتجاه العام نحو أنماط حياة تتسم بقلة الحركة إلى ظهور أجيال مستقبلية من الشباب الأميركي غير اللائق والمُجهد بدنيًّا، ولا يوجد حلٌّ سحريٌّ لهذه المشكلة… تجاهل هذا الوضع لن يصلحه، وتكمن أهمية إصلاحه في أن الأمن القومي الأمريكي يعتمد على تصحيح هذا الأمر”.

المصدر : الخنادق

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا