هل تعود حماس إلى أحضان دمشق؟ المكونات الاستراتيجية لإحياء علاقات حماس مع سوريا في تعزيز أسس المقاومة الإقليمية

161

من عوامل النجاح الرئيسية لمحور المقاومة في العقود القليلة الماضية، کان النظام التنظيمي والوحدة الداخلية بين عناصره.

وفي هذا السياق، وفي الوضع الراهن حيث نشهد اعتماد استراتيجية الضغط الأقصى في الأبعاد السياسية والأمنية والهويائية والاقتصادية، وعلى ثلاثة مستويات محلية وإقليمية ودولية، من قبل المحور الأمريكي الصهيوني ضد المقاومة، فإن حل الخلافات الداخلية، مثل الخلاف بين سوريا وحركة حماس، يوفر الأرضية اللازمة للتعامل مع هذا المستوى من التهديدات، وأيضًا تشكيل جبهة سياسية أكثر تماسكًا.

قطع العلاقات بين حماس ودمشق بالتزامن مع بدء الأزمة في سورية

لطالما لعبت سوريا دورًا مهمًا في القضية الفلسطينية، لقربها الجغرافي والمواجهة المباشرة مع الکيان الصهيوني. لكن العلاقات بين دمشق والقوى السياسية الفلسطينية، كانت دائمًا مصحوبةً بتقلبات.

تمتعت الفصائل السياسية الفلسطينية بدعم سوريا دوماً خلال الصراع ضد الکيان الصهيوني، كما أنشأت مقاراً لها في هذا البلد.

في الماضي، كانت الحركات اليسارية والقومية والبعثية الفلسطينية هي التي اقتربت من دمشق، لكن مع ظهور حركتي حماس والجهاد الإسلامي في التسعينيات وإقامة علاقات وثيقة مع إيران، حظيت الحرکتان بدعم سوريا أيضًا.

إضافة إلى ذلك، كانت المساعدات السورية للفصائل الفلسطينية في مستوى لم تقدم لها أي دولة عربية أخرى مثل هذا الدعم. لكن التطورات المعروفة بالربيع العربي وبدء الأزمة في سورية عام 2011، كان لها تأثير كبير على العلاقات بين الفصائل الفلسطينية وهذا البلد.

التيارات اليسارية والقومية من النخبة السياسية الفلسطينية، مثل الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حافظت على دعمها لدمشق وأعلنت أن الثورة السورية مؤامرة صهيونية.

تغيير الهيكل السياسي لحماس ومحاولة إعادة العلاقات مع سوريا

في غضون ذلك، ظلت حركة فتح صامتةً بشكل ملحوظ، وسافر مسؤولوها إلى سوريا عدة مرات. لكن حماس تبنت موقفًا مختلفًا تمامًا، وقطعت علاقاتها مع دمشق.

لكن في عام 2017، وبعد إجراء انتخابات حماس وانتخاب إسماعيل هنية رئيسًا للمكتب السياسي لهذه الحركة، قررت حماس مراجعة علاقاتها السياسية بشكل جذري، وخاصةً مع أعضاء محور المقاومة في المنطقة. ومنذ ذلك الحين، كانت هناك همسات لإعادة العلاقات بين حماس وسوريا.

طوال هذه السنوات، تحدث مسؤولو حماس مثل إسماعيل هنية ويحيى السنوار وصالح العاروري، ممن تربطهم علاقة ثابتة بمحور المقاومة، مرارًا وتكرارًا عن رغبة الحركة في إعادة العلاقات مع دمشق.

علاوةً على ذلك، بعد التطورات التي حدثت على الساحة السياسية في فلسطين، وتدهور مكانة السلطة الفلسطينية، فضلًا عن ارتفاع فرص فوز حماس في أي انتخابات قد تُجرى في المستقبل، زادت ثقة الحكومة السورية في هذه الحركة.

معركة سيف القدس، أساس عودة العلاقات بين حماس ودمشق

لكن مؤشرات عودة العلاقات بين حماس وسوريا ظهرت بوضوح بعد معركة “سيف القدس” في أيار من العام الماضي، حيث إنه بعد توحيد كل أعضاء محور المقاومة، بما في ذلك سوريا، للدفاع عن فلسطين ومحاربة المحتلين، أدركت حماس ضرورة التحالف مع هذا المحور بأكمله. وعلى وجه الخصوص، لفلسطين وسوريا مصالح استراتيجية مشتركة ضد الکيان الصهيوني.

وعلى الصعيد الأمني​​، فإن جبهة الجولان المحتلة مهمة جداً للصهاينة، وسيطرة سوريا على هذه المنطقة ستؤدي إلی اتصالها بالجبهة الشمالية لفلسطين والضفة الغربية، وجعل الکيان الإسرائيلي محاطًا بالمحور الأمني ​​للمقاومة. وتحقيق ذلك يتطلب تعاون وتقارب الجانبين السوري والفلسطيني، وخاصةً حركة حماس.

بعد حرب الـ 12 يومًا في غزة، إضافة إلى تغيير ميزان الرعب بين الفصائل الفلسطينية والصهاينة وخلق معادلات جديدة، أصبح الموقع السياسي لحركة حماس – على الصعيدين الإقليمي والدولي – مختلفًا كثيرًا عن الماضي، ووجد دورًا أكثر بروزًا.

وعلى وجه الخصوص، يعتبر الشعب الفلسطيني في جميع أنحاء هذه الأرض حماس كممثل رئيسي له، ويعتقد أن هذه الحركة، بمواقفها الوطنية، هي في مستوى أعلى من منظمة السلطة الفلسطينية.

ضرورة إعادة العلاقات مع سوريا لحماس

من ناحية أخرى، تدرك فصائل المقاومة الفلسطينية، وتحديداً حماس، أن المساعدات العسكرية لمحور المقاومة لقطاع غزة تتم عبر البوابة السورية، كما أن الکيان الصهيوني هو العدو المشترك لجميع أعضاء هذا المحور، ومواجهته تتطلب تنحية الخلافات جانباً وخلق تحالف موحد.

وفي هذا السياق، بدأ مسؤولو حماس منذ العام الماضي التشاور مع إيران وحزب الله اللبناني لإعادة العلاقات مع سوريا.

كما أعلن الشيخ نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله اللبناني في هذا السياق، أن جهود عودة حماس إلى سوريا سلکت خطوات مهمة، وتظهر الصراعات الأخيرة في فلسطين ونتائجها، أننا في طريقنا لإعادة العلاقات بين حماس وسوريا.

مساعي إيران وحزب الله ومؤشرات عودة العلاقات بين حماس وسوريا

وهکذا، بعد جهود الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحزب الله، يبدو أن سوريا وحماس تسيران رسمياً على طريق إعادة العلاقات بعد 10 سنوات، وسنرى قريباً خطوات عملية في هذا الصدد.

في غضون ذلك، يلعب إسماعيل هنية دورًا محوريًا في إصلاح علاقات حماس مع سوريا، ويبدو أنه تناول هذه القضية أيضًا خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان، حيث التقى خلالها بمسؤولين لبنانيين، والسيد حسن نصر الله.

وقبل أيام، أعلن مسؤول كبير في حماس أن قادة الحرکة قاموا بعدة زيارات رسمية إلى سوريا في الأشهر الماضية، وأن العلاقات بين الجانبين في طريقها إلى العودة الکاملة. كما عقدت حماس ودمشق اجتماعات على مستوى كبار القادة، لإحياء العلاقات التي قطعت منذ 10 سنوات.

وشهدنا في الآونة الأخيرة المواقف الرسمية والعلنية لمسؤولي حماس في الدفاع عن سوريا ضد اعتداءات الکيان الصهيوني، حيث أصدرت هذه الحركة بياناً يرفض ضم الجولان السوري إلى الأراضي التي تحتلها إسرائيل، وكذلك عدوان مقاتلات الکيان الصهيوني على سوريا ومطار دمشق الدولي.

إضافة إلى إسماعيل هنية، بذل يحيى السنوار، زعيم حماس في قطاع غزة، جهودًا كبيرةً لتحسين علاقات الحركة مع سوريا، وأكد على الحاجة إلى تنسيق عال بين حماس وجميع عناصر محور المقاومة.

الأبعاد الاستراتيجية لتطبيع العلاقات بين حماس ودمشق

من ناحية أخرى، في ظل الوضع الحالي حيث يجد الکيان الصهيوني نفسه محاطًا بمحور المقاومة، ويواجه داخلياً مأزقاً سياسياً وأمنياً ويخشى بدء حرب إقليمية، ولكي ينجو من هذا الحصار يلجأ إلى أي فتنة جديدة، بما في ذلك تشكيل تحالف عسكري مع الدول العربية، يحتاج كل أعضاء محور المقاومة، بما في ذلك إيران وسوريا ولبنان واليمن والعراق وجميع الفصائل الفلسطينية، إلى وحدة أكثر تكاملاً وتماسكًا مما كانت عليه في الماضي.

علاوةً على ذلك، بعد هزيمة مؤامرة أمريكا وحلفائها ضد سوريا منذ عام 2011، استطاع هذا البلد دحر الإرهاب مع حلفائه في محور المقاومة، واستعادة مكانته الإقليمية والدولية مرةً أخرى.

ولهذا نرى أن دولًا مثل الإمارات أو حتى السعودية التي كانت الراعي الأول للإرهاب في سوريا، تحاول إعادة العلاقات مع هذا البلد، وهناك أيضًا مؤشرات على عودة وشيكة لدمشق إلى جامعة الدول العربية.

لذلك، فإن حماس التي أسست أيديولوجيتها على محاربة الاحتلال وطرد الصهاينة من الأراضي العربية، تشعر أنها بحاجة إلى حليف استراتيجي مثل سوريا لتحقيق هذا الهدف. وفي المقابل، يمكن لنظام دمشق أن يلعب دورًا أكثر بروزًا في معادلات محور المقاومة، بعد إعادة العلاقات مع حماس.

المصدر : الوقت

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا