السودان في قبضة الألماني فولكر بيرتس

166

بعدما تفاقمت الأزمة الوطنية وتزايدت الضغوط الغربية على عبد الفتاح البرهان، أحال أمر حل الأزمة الوطنية على رئيس البعثة الأممية.

حين بادر الشركاء المدنيونَ إلى منازعةِ رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش في السلطة، انقلب عليهم وأقصاهم من مجلسي السيادة والوزراء.

مع بداية التغيير الذي طال نظام المشير عمر البشير في نيسان/أبريل 2019، وبعدما أكمل وزير الدفاع الفريق الأول عوض بن عوف ومعاونوه عملية إطاحة ذلك النظام، أطلق تحالف الحرية والتغيير حملة إعلامية وسياسية بالغة التأثير، طالب فيها بإزاحة الفريق بن عوف من موقعه كرئيس للمجلس العسكري الانتقالي الذي اضطلع بمهمة تغيير النظام وانحاز إلى المطالب الشعبية، وألحّ في المطالبة بتعيين الفريق الأول عبد الفتاح البرهان رئيساً للمجلس العسكري. وقد استجاب بن عوف لهذا المطلب، وأعلن تنحيه عن رئاسة المجلس، وعين البرهان رئيساً بديلاً.

وما إن تولى البرهان رئاسة المجلس العسكري الانتقالي، حتى تعالت أصوات تحالف الحرية والتغيير مطالبة بعزل معظم أعضاء المجلس العسكري، فاستجاب البرهان كذلك، واستجاب أيضاً سلفه بن عوف، فعزل أرفع القادة العسكريين، وأبقى على آخرين نالوا رضا التحالف، وعلى رأسهم قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان حميدتي.

وبعد إعادة تشكيل المجلس العسكري على النحو الذي أراده تحالف الحرية والتغيير، استجاب المجلس العسكري لطلب الأخير، فأنشأ معه شراكة حددت وثيقة الاتفاق السياسي الذي أبرم بينهما أطرها ومعالمها، وتبع ذلك استجابة رابعة من العسكر لمطلب الشريك المدني، فأصدر وثيقة دستورية تحكم أعمال الفترة الانتقالية، صاغها تماماً الشريك المدني الذي رفض ملاحظات العسكر حولها، ولا سيما ملاحظته الخاصة بحذف الشريك المدني اللغةَ العربية كلغة رسمية للدولة من وثيقة الدستور الانتقالي، ورفض بقية الملاحظات الجوهرية الأخرى التي أعلنها العسكر في حينذاك، وجعل التحالف بذلك الجيش مصدراً مؤسّساً للسلطة!

عيّن تحالف الحرية والتغيير الحكومة الانتقالية الأولى، ثم الثانية، برئاسة عبد الله حمدوك، وتقاسمت أحزاب التحالف مقاعد مجلسَي السيادة والوزراء ومقاعد حكومات الولايات وغيرها من الوظائف الدستورية. وما إن بدأت الحكومة الأولى مباشرة أعمالها، حتى فوجئ الشريك العسكري، وفوجئ الشعب السوداني بالخطاب الذي بعث به سراً رئيس الحكومة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، طالباً فيه تأليف بعثة أممية تعيد رسم المشهد السوداني في حاضره ومستقبله، وتمارس الوصاية على مدى 10 سنوات تنتهي عام 2030، لتضع بذلك حداً لاستقلال البلد الذي تحقق بتضحيات وطنية عظيمة.

وقبل أن يفيق الشعب من هول استجابة مجلس الأمن السريعة لتأليف بعثة الوصايا والانتداب، فجع بإعلان السفير البريطاني في الخرطوم أنه صاحب فكرة إنشاء هذه البعثة، وأنه صاغ مذكرة رئيس الوزراء إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وأن رئيس الوزراء تكرم بتوقيعها وإرسالها سراً إلى عنوانها. وعزز هول تلك الفواجع الإعلان أن رئيس الوزراء وكبار معاونيه لا يتقاضون رواتبهم من حكومة السودان، إنما من منظمات غربية!

حدث كل ذلك فيما كان رئيس مجلس السيادة القائد العام للجيش يبصم على مطالب شريكه المدني بيدٍ، ويغمض عيينه عن تجاوزات خطرة نالت من سيادة البلد واستقلاله وأمنه بيده الأخرى. لم يكتفِ الرجل بذلك، فقد دخل في سباق التطبيع مع رئيس مجلس الوزراء، ومع الرجل الثاني في مجلس السيادة قائد الدعم السريع، وظلّ الثلاثة في سباق وتسابق.

وحين هُرع الرجل الأول إلى أوغندا لمقابلة رئيس وزراء الكيان الصهيوني السابق، بادر مجلس الوزراء، رئيساً ووزراء، إلى إلغاء قانون مقاطعة “إسرائيل” الذي كان توأم لاءات الخرطوم الثلاث. وحين شارك رئيسا مجلس السيادة والوزراء في القمة الرباعية التي جمعتهما بنتنياهو وترامب، أرسل قائد الدعم السريع أخاه إلى “تل أبيب”. وما إن علم مجلس وزراء بذلك، حتى وقع اتفاقية “أبراهام” مع الكيان الصهيوني.

وحين بادر الشركاء المدنيون إلى منازعة رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش في السلطة، انقلب عليهم وأقصاهم عن مجلسي السيادة والوزراء. حينذاك، أعلن الغرب انحيازه إلى تحالف الحرية والتغيير الذي تبنى تنفيذ المشروع النيوليبرالي في السودان في أبعاده القيمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية خلال سنوات حكمه التي قاربت 3 أعوام، طبق خلالها وصفة البنك الدولي، ورفع دعم الدولة عن الدواء والاستشفاء والتعليم والكهرباء والمياه والغذاء، ونقل كل تفاصيل تجربة حكم بريمر ورفاقه العراقيين في العراق ونفّذها في السودان، فدُمرت الدولة وفُككت، وقُسم المجتمع، وشاعت روح الكراهية فيه، وأُظهرت العصبيات الجهوية والقبلية والعنصرية، تمهيداً لتنفيذ المخطط الغربي الصهيوني الهادف إلى إعادة هندسة السودان وتشكيل حاضره وصناعة مستقبله، بعيداً من الإرادة والرؤى والقيم الوطنية، لتفضي عملية إعادة الهندسة هذه إلى إتمام عملية تفكيك الدولة ومؤسساتها، وضرب المجتمع، واستهداف قيمه ووحدته وهُويته الحضارية، وإنهاء دوره التاريخي الحضاري والسياسي في المسرح والفضاء الإقليمي، ليشهد العالم بعد ذلك دويلات ومجتمعات بديلة لا صلة لها بالقديم، وليصبح السودان، دولةً ومجتمعاً، أثراً بعد عين.

الآن، وبعدما تفاقمت الأزمة الوطنية بفعل أداء الشركاء العسكريين والمدنيين، وبعد تزايد الضغوط الغربية على رئيس مجلس السيادة قائد الجيش، ألقى الأخير خطاباً أحال فيه أمر حل الأزمة الوطنية إلى رئيس البعثة الأممية الألماني فولكر بيرتس، الذي عمل في العراق بعد احتلاله، وبانت أدواره الخبيثة فيه، وعمل في سوريا بُعيد إشعال الحرب في أراضيها، وتأكدت فيها أدواره الخطرة.

ومع ذلك، كلفه الخطاب إعادة تشكيل السلطة الانتقالية على نحو جديد، بمعاونة مبعوث الاتحاد الأفريقي، ومبعوث منظمة الإيغاد، اللذين أبديا سابقاً ملاحظتهما على توجهات المبعوث الأممي بوضوح، من دون التواري خلف التعابير الدبلوماسية، واتهماه بتبني مشروع غامض، وبالانحياز إلى فريق من السودانيين يريد إعادتة إلى السلطة التي انتزعها قائد الجيش منهم، وجعلها حقاً حصرياً لهم بلا تفويض ولا سند شعبي.

رأى بعضهم في خطاب رئيس مجلس السيادة قائد الجيش مخرجاً للأزمة، إذ رمى الكرة في ملعب الخارج وحلفائه، وأبعد نفسه ومؤسسته من الصراع السياسي، ونسي أصحاب هذا الرأي أن في ما أقدم عليه الرجل هو تعزيز لدور البعثة الأممية، وتأكيد لوصايتها على السودان، ومساعدة لها في الإتيان بحلفائها إلى مقاعد السلطة لاستئناف تنفيذ المشروع الغربي في السودان.

كذلك، غض أصحاب هذا الرأي الطرف عن ضعف حساسية شركاء الأمس، وربما اليوم، من عسكريين ومدنيين، تجاه قضية مبدئية هي قضية السيادة والاستقلال الوطني التي أضحت أداة مبادلة للمكاسب، بعدما كانت عنواناً للكرامة والعزة والانتماء الوطني.

المصدر : محمد حسب الرسول / الميادين

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا