المقاومة وحقول الغاز: عيون مفتوحة وذراع جاهزة

117

-كان ختام في المقالة التي نشرت صبيحة عملية إطلاق المقاومة لطائراتها المسيّرة فوق بحر عكا، تحت عنوان، المقاومة وحقول الغاز آذان صماء، بالقول، «الاحتلال مردوع ويكثر الكلام، والمقاومة تفرض معادلاتها ولا تحتاج إلى الكلام، وواثقة بأن ما طرحه الرؤساء هو آخر الكلام «. وجاءت العملية المليئة بالمعاني والرسائل لتكمل رسم المشهد الخاص بمصير حقول النفط والغاز بين بحرَي صور وعكا، فبعدما اعتقد الكثيرون أنه تم تحييد فعل المقاومة عن هذا الملف مع مجيء الوسيط الأميركي عاموس خوكشتاين إلى بيروت، جاءت العملية لتقول إن المقاومة لا زالت طرفاً حاضراً في هذه المعادلة. وهذا بحد ذاته يعني الكثير.

– المضمون الثاني للعملية هو القول إن العرض الذي قدّمه لبنان لجهة الخط النهائي المقترح للترسيم، جاء مشفوعاً بإصرار لبناني رسمي على وقف كل العمليات في حقول بحر عكا، وأن محاولات التذاكي الأميركي الإسرائيلي باعتبار العرض اللبناني إعلان نهاية لمفهوم المناطق المتنازع عليها، وما يحكمها من معادلات الامتناع عن الإجراءات الأحادية، هو تلاعب وخداع لا يبشر بالخير لجهة التطمينات الأميركية بأن هناك تقدماً على مسار التفاوض، دون تقديم أية معلومات مفيدة محددة تشرح مضمون التقدم. فالمناطق المتنازع عليها تبقى متنازعاً عليها حتى توقيع الاتفاق النهائي للترسيم، والامتناع عن الإجراءات الأحادية في هذه المناطق يبقى موجباً لا نقاش حوله حتى إنجاز هذا الاتفاق. وبالتالي فإن العملية أعادت استحضار مفهوم المناطق المتنازع عليها، ومنع أي عمل فيها، قطعاً للطريق على أي رهان او وهم بإمكانية البدء بالعمل في حقول بحر عكا، تحت شعار أن هناك مساراً تفاوضياً، وهناك تقدماً فيه. وهو أمر قد يستمرّ شهوراً وسنوات، تستثمر خلالها الثروات من جانب كيان الاحتلال، ولبنان يتفرّج وينتظر زيارة الوسيط الأميركي.

– العملية تستمدّ قيمة إضافية من كونها أول تظهير عمليّ لجدية تعاطي المقاومة مع ملف الثروات البحرية، الذي تناولته قياداتها خلال السنتين الماضيتين بالكثير من التفصيل، ووفق آليات عمل المقاومة، فإن العملية هي إعلان انتقال الملف من يد القيادة السياسية للمقاومة إلى يد القيادة الميدانيّة للمقاومة، والاحتلال يعرف معنى ذلك جيداً؛ فهو يعلم أنه منذ الآن عليه أن يضع في الاعتبار أن المقاومة ترصد وتتابع على مدار الساعة كل تفصيل يخص حقول بحر عكا، وأنها تقف على الضفة الأخرى المقابلة له، وعليه أن يتوقع ردود أفعالها ويضعها في حساباته قبل الإقدام على أيّ خطوة عملية تخص هذه الحقول، ووفقاً لخبرة الاحتلال مع المقاومة فعليه أن يحلل ويفسر الكثير من رمزيات معينة تضمنتها العمليّة، بمدى توغّلها في العمق، وكيفية تجاوزها لأجهزة الرادار، ومبرّر اختيار ثلاث طائرات دفعة واحدة، ووظائفها، ومن كل ذلك الاقتناع أن حقول بحر عكا صارت جبهة اشتباك مفترضة مع المقاومة.

– العملية وهي تُعيد الاعتبار لمفهوم المناطق المتنازع عليها، والقواعد الصحيحة لمضمون ودور العروض التفاوضيّة، والمسار التفاوضي النزيه، لا شرعية الإجراءات الأحادية خلال فترة التفاوض، جاءت جواباً بمفهوم الحرب الناعمة على رسائل تحذير تلقاها لبنان، وتخصّ المقاومة، جاءت من أميركا وأوروبا تقول إن أي عمل يستهدف العمل في حقول بحر عكا هو مغامرة تعرّض لبنان للخطر، وإن هذه الحقول صارت من ضمن الأمن القومي الأوروبي، وإن احترام لبنان للمسار التفاوضي يجب أن يتزامن مع كف يد المقاومة عن التعامل مع الملف. والجواب هنا واضح لا يحتاج الى الاجتهاد، فالمقاومة لا تُعيد تحذيرها وحسب، بل تنتقل الى رفع مستواه الى درجة الإنذار، وعلى الأميركي صاحب الحل التفاوضي، أو الأوروبي صاحب البضاعة المشتراة من الحقول، إذا أرادا نجاحاً للعمليتين التفاوضية والتجارية، أن يضعا في الحساب أن أي خداع أو تلاعب مع حقوق لبنان، واستخدام خبيث للوقت، لفرض أمر واقع لن يمرّ دون أن تقول المقاومة كلمتها، والمقاومة تعيد التهديد الأميركي والأوروبي إلى أصحابه مع عبارة «مرتجع مع الشكر»، وإضافة «انتبه أنت في منطقة عمل المقاومة».

– الرسائل وصلت والمهمة أنجزت، طالما أن الجواب الإسرائيلي، الذي تضمنته التصريحات الصادرة عن مسؤولين وخبراء في الكيان، لم يلمح الى نية تصعيد، كانت المقاومة لا تريدها لكنها مستعدّة لها، ولا تخشاها، بينما ركز الموقف الاسرائيلي على ما يؤكد ظنون المقاومة، بالحديث عن سقوط صفة المناطق المتنازع عليها عن حقول بحر عكا، وتحريكه لبعض الأقلام والأصوات في لبنان لتكرار الكلام ذاته، ما يعني أن تحرك المقاومة جاء في وقته، وأن المهمة كانت ضرورية وملحّة، لأن ما كان مبيتاً هو ذهاب كيان الاحتلال لعملية استخراج الغاز، وتعليق لبنان على حبال انتظار الحديث عن إيجابيات، لا زال يتأرجح على شقيقتها في ملف الكهرباء الأردنيّة والغاز المصريّ من سنة.

– تضيف المقاومة الى الأذن الصماء عيوناً مفتوحة وذراعاً جاهزة.

ناصر قنديل

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا