صلح “اردوغان” مع قاتل “خاشقجي”

26

يستعد أردوغان، الذي اعتبر محمد بن سلمان ذات مرة “رجلًا شريراَ” لانه قام باغتيال “خاشقجي” واعتبره أكبر تهديد للنظام الدولي منذ احداث 11 سبتمبر، ليفتح سجادة حمراء لولي العهد السعودي يوم الأربعاء القادم في القصر الرئاسي. ومن ناحية أخرى، فإن محمد بن سلمان، الذي قلت زياراته الخارجية بعد اغتياله ل”جمال خاشقجي” في أكتوبر 2018، وعاش في عزلة، الآن وعشية زيارة جو بايدن إلى المملكة العربية السعودية، قام باستقبال هذا الاخير بابتسامات مصطنعة.

وكان من المقرر أصلاً أن يسافر ابن سلمان إلى تركيا في 25 مايو، لكن تم تأجيل الرحلة إلى هذا الأسبوع بسبب مرض الملك سلمان بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية. وتأتي زيارة محمد بن سلمان في وقت قام أردوغان بزيارة تستغرق يومين إلى الرياض في 28 أبريل 2022 الماضي للقاء الملك وولي عهد المملكة العربية السعودية. وحسب تقارير إعلامية، كانت المحاور الرئيسية للقاء بين أردوغان وابن سلمان هي القضايا الإقليمية والدولية، بما في ذلك مجلس الأمن الدولي، والحرب اليمنية، وتداعيات الأزمة الأوكرانية على المنطقة، وتعزيز العلاقات بين البلدين وتوقيع اتفاقيات تتعلق بالطاقة.

جدير بالذكر أن زيارة ولي العهد السعودي إلى تركيا هي الوجهة الثالثة لجولة محمد بن سلمان السياسية في المنطقة. وسيغادر إلى مصر يوم الإثنين (20 حزيران / يونيو) وسيغادر إلى الأردن يوم الثلاثاء (21 حزيران / يونيو). وبهذه التفسيرات يطرح السؤال الآن نفسه، ما هي الأهداف التي يسعى لها كل من أردوغان وابن سلمان لتحقيقها من الدخول في عملية التهدئة؟

السياسة المكيافيلية على غرار أردوغان

على الرغم من أن زيارة محمد بن سلمان، مثل العديد من الزيارات الدبلوماسية الأخرى، إلا أن هذه الزيارة يمكن أن تتماشى مع التقاليد الدبلوماسية والعلاقات بين الفاعلين الإقليميين في غرب آسيا. إن حساسية زيارة ولي العهد السعودي إلى تركيا تنبع في أن أنقرة والرياض في السنوات التالية للانقلاب الفاشل في يوليو 2016، عاشتا في ظل علاقات مظلمة بلغت ذروتها عند مقتل جمال خاشقجي في عام 2018.

ولقد وصلت العلاقات بين الرياض وأنقرة إلى أدنى مستوى ممكن منذ اغتيال الصحفي السعودي الناقد، ووصلت إلى النقطة التي كتب فيها أردوغان في مقال في صحيفة واشنطن بوست: “لم يشكل أي حدث آخر منذ 11 سبتمبر مثل هذا التهديد الخطير على النظام الدولي أو الاتفاقيات الدولية”. في إشارة إلى اغتيال ابن سلمان للصحفي “خاشقجي”.

وفي مواجهة حملة الدعاية الواسعة لأردوغان ضد محمد بن سلمان، دخلت الرياض أيضًا في حظر السلع والمسلسلات الثقافية التركية لتصعيد الأزمة بين البلدين إلى أعلى مستوى ممكن. ومع ذلك، منذ بداية عام 2021، بدأت هذه الدورة الحرجة في التراجع ورفع أردوغان الراية البيضاء. ولوحظ أول ظهور لهذا الأمر خلال زيارة وزير الخارجية التركي مولود تشاووشو أوغلو إلى الرياض في مايو 2021. وبعد إحالة قضية مقتل الصحفي السعودي الناقد “جمال خاشجي” إلى المملكة العربية السعودية من قبل القضاء التركي في 7 أبريل 2022، لم يكن هناك شك في أن أردوغان دفع كل شيء إلى الحضيض لإرضاء ابن سلمان، ولقد حاول إيجاد حل بأي طريقة ممكنة، حتى لو كان يقوض السمعة السياسية المحلية والدولية له للسيطرة على الأزمة الاقتصادية والبقاء في السلطة لبضعة سنوات أخرى.

كانت الأزمة الاقتصادية أكبر معضلة لأردوغان في السنوات الأخيرة. وكان يدرك هو وقادة حزب العدالة والتنمية جيدًا أنه إذا استمر الوضع الاقتصادي الحالي في البلاد، فلن يكون لهم مكان في المستقبل السياسي لتركيا. وفي السنوات الأخيرة، جعل انخفاض قيمة الليرة، ومعدل التضخم الذي يقارب 20 في المئة، وعدم الاستقرار في القرارات الاقتصادية لقادة حزب العدالة والتنمية، تركيا أكثر من أي وقت مضى قضية مهمة تتعلق بإمكانية تدفق رأس المال الأجانبي إلى الخارج. وفي السنوات القليلة الماضية، أدى التضخم في تركيا الذي تجاوز 15٪ إلى تأخير المستثمرين الأجانب عن الاستثمار في البلاد.

وعقب الزيارة أكد الرئيس التركي أن بلاده تشهد مرحلة كسب أصدقاء وليس خلق أعداء، وتابع: “يتعين علينا الدخول في مرحلة جديدة مع الدول التي نتقاسم معها نفس المعتقدات والأفكار“. وأضاف: “اتفقنا مع السعودية على إعادة تفعيل الإمكانات الاقتصادية الكبيرة بين البلدين من خلال فعاليات تجمع مستثمرينا“. وكان الرئيس التركي ثمن زيارته التاريخية للسعودية، وقال حينها عبر “تويتر”: “نحن كدولتين شقيقتين تربطهما علاقات تاريخية وثقافية وإنسانية، نبذل جهودا حثيثة من أجل تعزيز جميع أنواع العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وبدء حقبة جديدة بيننا“. ويأتي التأكيد التركي على لسان أردوغان بشأن زيارة ولي العهد السعودي عقب ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية عن مسؤول تركي وصفته بـ”الكبير” قوله إن ولي العهد السعودي سيزور تركيا الأسبوع المقبل.

حتى في الآونة الأخيرة، شهد معدل التضخم في تركيا نسبة غير مسبوقة بلغت 73٪، وأصبح الوضع الإداري للبلاد أكثر صعوبة بالنسبة لحزب العدالة والتنمية. وفي ظل هذه الظروف، يبدو أن أردوغان يحاول فتح الباب أمام الضغوط الاقتصادية على علاقات أنقرة المتوترة مع دول عربية مثل السعودية والإمارات، من أجل الحفاظ على فرصة لنفسه وحزبه للفوز في الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة. وعلى سبيل المثال، بعد حكم القضاء التركي، تم رفع الحظر غير الرسمي المفروض على البضائع التركية في السعودية إلى حد كبير. ونتيجة لذلك، وصلت التجارة بين البلدين إلى 58 مليون دولار في مارس 2022، وهو ثلاثة أضعاف المبلغ المسجل في عام 2021.

وفي حين أن احتياجات أردوغان الاقتصادية والحاجة إلى البقاء في السلطة ربما خففت التوترات مع المملكة العربية السعودية، فإن سلوكه السياسي هو بلا شك وصمة عار ومظهر واضح لنهج ميكافيلي لا يليق بأي حال من الأحوال لزعيم سياسي يحب أن يكون خليفة وزعيم المسلمين. لقد أظهر أردوغان للعالم بأسره كيف أنه يتجاهل القيم الدينية والأخلاقية وكيف يمكنه الانتقال من أكبر قضية أخلاقية خلال 20 عامًا من حكمه لتركيا. طبعا مثل هذا النهج هو أيضا سابقة في حالة اليمن وفلسطين، ولم يتردد أردوغان في بيع الفلسطينيين من أجل تجاوز أزماته الداخلية، ومد يد الصداقة للصهاينة الذين يقتلون الأطفال.

سعى محمد بن سلمان للسيطرة على الموقف حتى الوصول للعرش

إلى جانب أردوغان، دعا محمد بن سلمان، الذي تعرض لأكبر ضغط سياسي وإعلامي في سنوات ما بعد 2018 بعد اتهامه بقتل جمال خاشقجي الصحفي السعودي الناقد في القنصلية السعودية في اسطنبول، إلى تخفيف حدة التوتر مع عدوه اللدود. وبعد وصول جو بايدن إلى السلطة في الولايات المتحدة (يناير 2021)، على عكس عهد ترامب، واجه ابن سلمان أصواتًا معارضة داخل البيت الأبيض ما قد يعرض منصبه كولي للعهد للخطر. إضافة إلى التأكيد على قضايا حقوق الإنسان، خفضت حكومة بايدن الدعم العسكري والاستخباراتي للحكومة السعودية التي يقودها ولي العهد لزيادة الضغط على ابن سلمان. وفي مثل هذه الحالة، أجرى محمد بن سلمان، المحبط من سياسة بايدن الخارجية، تغييرات كبيرة في بلاده، كان ركيزتها الرئيسية الاعتماد على خفض التصعيد الإقليمي والقرب من القوى العظمى في شرق الصين وروسيا. لكن في حالة زيارته إلى تركيا، سيضع ابن سلمان في الاعتبار حقيقة أنه من خلال مصافحة أردوغان، سينتقم من أردوغان بأكبر قدر ممكن.

  • المصدر/الوقت

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا