هل يسعى أردوغان لفصل المنطقة الكردية عن العراق؟

33

 انتشرت قصة التدخل العسكري التركي في مختلف المناطق تحت ذرائع مختلفة، مثل مواجهة التهديدات الأمنية ودعم الحلفاء، وأصبح استمرار هذه العملية بأهداف توسعية الآن أحد المصادر الرئيسية للتحديات الأمنية في منطقة غرب آسيا.

في الواقع، أدت المغامرات العسكرية التركية في السنوات الأخيرة إلى تحويل البلاد إلى لاعب تنقيحي في النظام السياسي والأمني ​​الإقليمي، من القوقاز وآسيا الوسطى إلى غرب آسيا وشمال إفريقيا. لكن من المهم أن نلاحظ أن رغبة تركيا في تطوير عمقها الاستراتيجي في جغرافية المنطقة قد تحولت تدريجياً من عناصر القوة الناعمة إلى الرغبة في تغيير الحدود الجغرافية، حيث تتهم الحكومات والجهات الفاعلة الأخرى أنقرة اليوم بالتوسع الإقليمي، ولا سيما أنهم يفعلون ذلك على حساب العلاقات مع الجيران. وفي الوقت نفسه، يعد العراق أحد جيران تركيا المهمين، والذي تعرض في السنوات الأخيرة لموجة من العمليات العسكرية واسعة النطاق في عمق أراضيه وعدوان عسكري على أراضي البلاد.

الهجمات التركية على شمال العراق

تقوم تركيا بعمليات خارجية ضد قواعد حزب العمال الكردستاني في العراق منذ الثمانينيات. في 1983 و1986 و1987، اكتسبت تركيا موافقة بغداد على عملياتها الخارجيةوسمح بروتوكول أمني تم توقيعه في أكتوبر 1984 للجانبين بإجراء عمليات عبر الحدود لمدة أقصاها ثلاثة أيام على عمق 10 كم. سمح البروتوكول للقوات التركية بالتوغل إلى عمق 5 كيلومترات في العراق دون إذن مسبق من بغداد وانتهى الاتفاق الأمني ​​عام 1988 ولم يجدد، لكن تركيا استأنفت عملياتها عام 1991 دون موافقة بغداد، حيث فقدت بغداد السيطرة على الشمال بعد حرب الخليج الأولى. يقول مسؤولو الدفاع والأمن الأتراك إن الهدف الرئيسي لهجماتهم في شمال العراق هو طرد قوات حزب العمال الكردستاني من الحدود التركية. في الوقت نفسه، في السنوات التالية، استخدمت أنقرة النفوذ الاقتصادي لإقامة علاقات أوثق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي سيطر على إقليم كردستان، وأسس وجودًا عسكريًا دائمًا ومتزايدًا في الإقليم. في الواقع، فور حصولهما على الحكم الذاتي العملي في المنطقة عام 1991، انحاز الحزبان الديمقراطيان الكردستاني ومنافسه الاتحاد الوطني الكردستاني، إلى جانب تركيا في مهاجمة قواعد حزب العمال الكردستاني على الرغم من التنافس الداخلي، لكن الحزب الديمقراطي الكردستاني أظهر أنه شريك أكثر حماسة.

من المخلب إلى عملية قفل المخلب… تركيا تواقة للبقاء

في السنوات الأخيرة، استمرت الهجمات التركية على شمال العراق تحت ستار محاربة الأنشطة الإرهابية لحزب العمال الكردستاني. لكن حجم العمليات التركية، الذي صاحبه إنشاء عدد كبير من القواعد العسكرية على الأراضي العراقية، أثار تكهنات بأن أنقرة تخطط لوجود عسكري طويل الأمد في شمال العراق. في الوقت الذي تجري فيه عملية “المخلب” للجيش التركي في إقليم كردستان العراق على مراحل منذ منتصف عام 2019. حيث أعلن وزير الدفاع خلوصي أكار، مؤخرًا، عن المرحلة الأخيرة من عملية Claw Lock، التي قال إنها سعت إلى قطع الطرق المتبقية لحزب العمال الكردستاني إلى الحدود التركية في مناطق مثل غارا، وباستا، وأفاشين، وزاب، وخوارك، وهافتانين باتجاه قنديل. وقال في خطاب له “أريد أن يسمع الجميع: رئيسنا أمر، والاستعدادات جارية، سنهاجم منبج وتل رفعت وبإذن الله ننهي عملهما قبل دخول الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية، مهمتنا هي تنظيف جبال قنديل قبل 29 أكتوبر 2023، ورفع أعلام الهلال والنجمة فوق تلك الأعشاش الإرهابية“. وتسعى تركيا إلى توسيع شبكتها من القواعد ونقاط التفتيش عبر حدودها مع العراق إلى مناطق مثل هاكورك وحفتانين وماتينا وزاب وأفاشين باسيان، حيث توجد معسكرات حزب العمال الكردستاني القديمة. وركزت الجولة الأخيرة من العمليات العسكرية على زاب وماتينا وأفاشين باسيان، والتي ستكون الحلقة الأخيرة من سلسلة التطهير لإكمال جدار أمني على عمق 25-30 كم. في يوليو الماضي، بنت تركيا على 37 قاعدة عسكرية في المنطقة، بعضها يصل إلى 40 كيلومترًا من الحدود. وهي تقوم الآن ببناء المزيد من القواعد والطرق المتصلة.

 خطة أردوغان – بارزاني المشتركة

نظرًا لأن الوجود العسكري التركي المتزايد في شمال العراق قد اتخذ لون الاحتلال والطموحات التوسعية، فإن الصمت الكبير لقادة أربيل وزيارة رئيس حكومة إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني ورئيس الوزراء مسرور بارزاني إلى أنقرة قبل إعلان إطلاق عملية Claw Lock لا يمكن أن تكون غير مرتبطة بالتطورات الإقليمية والعالمية. أردوغان، الذي يتمتع بسمعة خاصة في البحث عن فرص سياسية في الأزمات الدولية لتعزيز النزعة العسكرية في سوريا، يحاول مرة أخرى الصيد بأكبر قدر ممكن في المياه العكرة لحرب أوكرانيا.

في هذا الصدد، ومع اندلاع حرب أوكرانيا وفرض العقوبات الغربية على قطاع الطاقة الروسي، الأمر الذي أدى إلى حاجة السوق الأوروبية لإيجاد مصادر بديلة، تحاول تركيا استغلال هذه الحاجة لتعزيز مكانتها في الجغرافيا السياسية العالمية للطاقة: المشروع عبارة عن مشروع ترانس قزوين، والذي يمكن اعتباره جزءًا من الممر الجنوبي لنقل الغاز التركمانستاني إلى أوروبا. يمر خط الأنابيب شبه النشط هذا تحت بحر قزوين عبر جمهوريات أذربيجان وجورجيا وتركيا واليونان، على التوالي، ومن هناك إلى أوروبا. ومع ذلك، يواجه خط الأنابيب هذا تحديات مهمة، مثل الخلافات بين الدول الخمس المطلة على بحر قزوين حول النظام القانوني لبحر قزوين، والمعارضة الإيرانية والروسية للتدهور البيئي لخط الأنابيب هذا، والمنافسة بين مشروعي جمهورية أذربيجان وناباكو. في غضون ذلك، أصبح التفكير في ترتيبات نقل الغاز من الحدود الجنوبية لتركيا، أي إقليم كردستان العراق، إلى أوروبا، من أكثر الطرق التي الممكنة في نظر القادة الأتراك. ويمكن تفسير بداية جولة جديدة من الهجمات التركية واسعة النطاق على شمال العراق من منظور آخر بعد ثلاثة أشهر من اندلاع حرب أوكرانيا والتنسيق الكامل للسلطات الإقليمية مع هذه الاعتداءات التركية، بارتباطها بمشاريع تصدير الطاقة إلى أوروبا. حيث أعلن مسرور بارزاني رئيس وزراء إقليم كردستان والنجل الأكبر لمسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي، في وقت سابق ولأول مرة في 28 مارس في مؤتمر الشيخ زايد الإماراتي للطاقة، أن كردستان العراق ستصدر الغاز قريباً إلى أوروبا.

تقدر مجلة “الدبلوماسية الحديثة” نقلاً عن بيانات عالمية، أن احتياطيات الغاز الطبيعي لإقليم كوردستان تبلغ نحو 3 تريليونات متر مكعب، أو 2٪ من احتياطيات العالم. يقال حاليا إن أكبر حقول الغاز العراقية في المناطق الشمالية التي يسيطر عليها الأكراد توجد في حقلي خورمور وجمجمال. وتخطط دانة غاز الإماراتية، التي اتفقت مع أربيل لاستكشاف واستغلال حقلي الغاز، لزيادة إنتاج الغاز في منطقة القرمور إلى 700 مليون متر مكعب بحلول عام 2023، في غضون ذلك، ستكون تركيا الساحة الأهم لخطوط صادرات الغاز لإقليم كردستان.

من المؤكد أن أحد أهم التحديات أمام تنفيذ هذه الخطة هو معارضة بغداد وحكم المحكمة الاتحادية العراقية العليا بأن سيطرة إقليم كوردستان على موارده الغازية والنفطية غير شرعي، وبالتالي التأكيد على سيطرة بغداد على هذه الموارد. ومع ذلك، إذا اعتبر أن سلطات الإقليم واستثماراتها في قطاع الغاز تحظى بالدعم السياسي الكامل من الولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى مع الضوء الأخضر من أردوغان لتأمين خط الأنابيب وحتى الدعم العسكري لأربيل في مواجهة التهديدات في مواجهة بغداد، هل ستستمر أربيل في اعتبار معارضة بغداد عقبة خطيرة أمام صادرات الغاز؟

وعلى هذا الأساس يمكن شن موجة كبيرة من العمليات العسكرية التركية في شمال العراق بأهداف خطيرة وتوسعية من أجل إضعاف سيادة الحكومة المركزية العراقية والتأسيس لوجود طويل الأمد في البلاد، والذي من شأنه زعزعة الاستقرار الإقليمي في المستقبل.

  • المصدر/الوقت

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا