عرش ابن سلمان المعبّد بالدم.. هل يصل قريبًا؟

226
  • محمد باقر ياسين

منذ صدور الأمر الملكي الذي نصّ على اختيار محمد بن سلمان وليًا لولي العهد في 29 نيسان/ابريل 2015، بدأ الأمير الشاب بتعبيد طريقه عبر إقصاء كلّ من يُمكن أن يشكّل حجر عثرة أمام حلمه المنشود، فكان عليه ترتيب البيت الداخلي في المملكة والتطلّع إلى ترتيب العلاقات الخارجية التي ستسمح له بالتّتويج. لكن أخطأ ابن سلمان خارجياً بعدّة أمور تحوّلت إلى عقبات تحول دون وصوله إلى العرش، فأول أخطائه كانت الحرب العبثيّة على اليمن وبعدها محاصرة قطر ومقاطعتها. وتوّج أخطاءه بارتكابه أفظع جريمة، بقتله الصحافي جمال خاشقجي في قنصليّة بلاده بتركيا. فكيف عمل ابن سلمان على حلّ عقباته الداخلية؟ وكيف حاول تَذليل عقباته الخارجية؟ وهل سيُنَصَّب ملكاً لمملكة آل سعود؟

على الصّعيد الداخلي، عمل محمد بن سلمان على تذليل العقبات والتي يُمكن حصرها بثلاثة مسارات أساسيّة:

– المسار الأوّل: كسب المزيد من الدّعم الشعبي وخاصةً من فئة الشباب.

– المسار الثاني: إزاحة جميع معارضيه أكانوا من العائلة الحاكمة أم من الشّعب.

– المسار الثالث: القضاء على النفوذ الديني.

وفي كلّ مسارٍ هناك تشعّبات وإجراءات عمد إليها ابن سلمان، وكلّها من خلف ستار قرارات تصدر باسم والده سلمان.

وفي المسار الأوّل وهو كسب المزيد من الدّعم الشّعبي وخاصةً من فئة الشّباب، قام ابن سلمان بسلسلة إجراءات تتلخّص بالنّقاط التالية:

* تمكين المرأة السعودية ظاهريًّا، وذلك عبر إجراءين أساسيين هما:

1- رفع الحظر عن قيادة المرأة في السعودية.

2- إنهاء نظام الولاية على المرأة.

ولكن المفارقة كانت، باستمرار تقييد حرّية لجين الهذلول (الناشطة الحقوقية النسوية) من أبرز الداعمين لحق قيادة المرأة. والتي خرجت من السجن منذ سنة مع منعها من السفر. وقد نشرت منظمة العفو الدولية و”هيومن رايتس ووتش” أخباراً تُفيد بتعرض الحقوقيات في سجون السعودية إلى التعذيب بما في ذلك التحرش الجنسي. وأظهرت الصور الهذلول بحالة يرثى لها بعد الافراج عنها.

* إطلاق المشاريع الاقتصادية، أبرزها: رؤية السعودية 2030، إنشاء مدينة نيوم، مشروع “ذا لاين”، مشروع منتجع القِدِّية الترفيهي، مشروع “البحر الأحمر”، مدينة محمد بن سلمان، مدينة أوكساجون، وجل هذه المشاريع واجهتها اقتصادية وجوهرها مشاريع تطبيعية مع العدو الإسرائيلي.

* إنشاء هيئة التّرفيه، وما أدراك ما هيئة التّرفيه ونشاطاتها التي غيّرت الكثير من القيَم السعودية، وجذبت الشباب الذي يصبو إلى الانحراف وممارسة العادات الغربية. فلم توفّر الهيئة أي وسيلة لجذب الشباب (مباريات مصارعة، مهرجانات غناء شارك فيها عدد من الفنّانين والفنّانات ومنهم معروف عنه ارتداء الملابس الفاضحة، حفلات للموسيقى الصّاخبة) وغيرها من الفعاليّات الهادفة لاستقطاب الشّباب إليها ونيل إعجابهم بها. وقد اعترض العديد من العلماء في المملكة على هذه الفعاليات التي تستهدف الدين الإسلامي وتكرس التفلت الأخلاقي، وهذه المواقف عرضتهم للاعتقال.

أمّا المسار الثاني، وهو إزاحة جميع معارضي ابن سلمان من العائلة الحاكمة ومن الشعب، فقد تجلّى  بعدّة أمور أبرزها:

1- إصدار الملك سلمان أمرًا ملكيّا بإعفاء الأمير محمد بن نايف من منصبه. وهذه كانت الخطوة الأولى لإزاحة أبرز العقبات أمام ابن سلمان في العائلة الحاكمة، وبعدها تمّ وضعه في الإقامة الجبريّة في قصره بمدينة جدّة، ومنعه من السفر، بحسب تقرير صادر عن صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية. وبعدها تمّ إلقاء القبض عليه مع شقيق سلمان، أحمد بن عبد العزيز ونجله نايف بن أحمد بن عبد العزيز، إلى جانب عدد من القيادات العسكرية والأمنية بتهمة التدبير لمحاولة انقلاب تمهيدًا للإطاحة بولي العهد، وفقَ ما رشح من تسريبات ومعلومات. وبهذه التّهم سيتمّ اعتقاله مدى الحياة على أقلّ تقدير، وكذلك يُمكن أن يحكم عليه بالقتل.

عرش ابن سلمان المعبّد بالدم.. هل يصل قريبًا؟

2- إصدار أمر ملكي بتشكيل اللجنة العليا لمكافحة الفساد، برئاسة محمد بن سلمان، والتي كانت الإطار القانوني لقضاء ابن سلمان على خصومه وخاصّة في العائلة الحاكمة، حيث استند إلى تُهم الفساد وقام باعتقال 73 شخصاً من بينهم أمراء في العائلة الحاكمة وسياسيون ورجال أعمال ووزراء، وكلّ من يريد محمد بن سلمان التخلّص منه من دون قتله يلفّق له ملف فساد.

3- سياسة القتل الجماعيّة التي يعتمدها ابن سلمان وخاصّة مع المعارضين الشيعة، حيث قام بتنفيذ أحكام إعدام عدّة وأبرزها إعدام الشيخ نمر باقر النمر ومعه ثلّة من المعارضين الشيعة عام 2016، كذلك إعدام 43 من أبناء القطيف في عام 2022 لغاية الآن. ولا زال العديد من المعارضين الشيعة والسنة يقبعون في سجون آل سعود ينتظرون مصيرهم. وجل هؤلاء اعتقلوا بسبب مطالبتهم بالحقوق أو اعتراضهم على سياسة الحكم وأمور دينية. وقد تحدثت المنظمة الأوروبية السعودية عن الحقوق المسلوبة في السعودية، وأشارت الى رصدها لإعدام 1833 سعودياً منذ عام 2004 لغاية اليوم، ومنها 83 إعداماً على الأقل حصلت خارج نطاق القضاء منذ 2011، وأغلبهم قتلوا برصاص القوات الأمنية.

4- بحجة التنظيم المدني وتطوير الأحياء السعودية، أوعز بن سلمان بهدم أحياء بأكملها في المنطقة الشرقية وفي الرياض، غير آبه بمصير قاطنيها، ومن يعترض كان مصيره السجن أو القتل ميدانياً. وهذا ما حصل بالفعل في حي المسورة من إبادة لقاطني الحي. أما في الرياض فقد تقرر إزالة خمسة أحياء بشكل كلي وهي (حي ابن شريم، حي الجبس، حي المرسلات، حي النهضة، حي عكاظ)، وقد تقرر إزالة مبانٍ في أحياء أخرى.

المسار الثالث، وهو القضاء على النّفوذ الديني في المملكة. وعمد ابن سلمان في البداية إلى تقويض دور هيئة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، كما قام باعتقال الدُّعاة الذين لا ينصاعون لأوامره وينتقدون تراخيه في الأمور الدينية وسمح بحفلات الانحلال الديني والأخلاقي. كذلك قام محمد بن سلمان بدقّ آخر مسمار بنعش الوهابيّة حينما اعتبر أنّ المملكة قامت على جهود الملك المؤسّس، ماسحاً دور الداعية الديني محمد بن عبد الوهاب وهو الرّكن الأساسي بقيام ملك آل سعود.

على الصّعيد الخارجي، كان يوجد لديه أربع عقبات أساسية يجب عليه تخطّيها، الأولى خروجه من وحول الحرب اليمنية، والثانية حلّ مشكلته التي افتعلها مع قطر، الثّالثة التخلّص من مفاعيل جريمة اغتيال الصّحافي جمال خاشقجي، والرابعة كسب رضا رئيس البيت الأبيض عليه.

في العقبة الأولى سعى ابن سلمان إلى خروج مشرّف من الوحول اليمنيّة ولكنّه لم يستطع لأنّه لا يريد الاعتراف بالهزيمة وقد استمرّت هذه الحرب العبثيّة رغم عدم تحقيق أي من أهدافها. رغم ارتكاب بن سلمان لآلاف المجازر التي تم توثيقها بالصورة، وشرائه الأطنان من الأسلحة من أجل تحقيق النصر، إلا أنه اضطر مرغماً على القبول بالاتّفاق على الهُدنة بوساطة من الأمَم المتّحدة التي أوعزت الولايات المتحدة الأمريكية لها بعقدها، وقد أتت هذه الهدنة بمثابة مدّ سلم لابن سلمان للنزول عن شجرة حرب اليمن من جهة، ومن جهةٍ أخرى تأمين استمرار تدفق النفط الذي فيه مصلحة أمريكية في هذا الظرف الحرج في المنطقة بعد تداعيات حرب أوكرانيا. وتمديد هذه الهدنة يعني الاقتراب من الوصول إلى إنهاء حرب اليمن الدموية بانتصار واضح وجلي لليمنيين الذين صمدوا طوال سنوات الحرب بوجه آلة القتل الأمريكية والإسرائيلية والسعودية. وهذا طبعاً إذا صدقت النوايا السعودية ونفّذت بنود الهدنة وأهمّها فكّ الحصار.

وفي العقبة الثانية، كان لا بدّ لمحمد بن سلمان من إنهاء خلافه مع قطر لسببين، الأوّل لعدم تدمير مجلس التعاون الخليجي الذي تضعضع عقب الحصار على قطر، والسبب الثاني وهو يمكن أن يكون أكثر أهمية، ويكمن بأنّ لدى قطر المفتاح الذي يمكن أن يقرب ابن سلمان من الرئيس التركي أردوغان على خلفية حلّ قضية جمال خاشقجي.

وفي العقبة الثالثة، وبعد حل محمد بن سلمان مشكلته مع قطر بدأ التواصل مع الجانب التركي بشأن قضية اغتيال جمال خاشقجي وسبُل إنهاء المسألة. أتى ذلك بعد ابتزاز الجانب التّركي لابن سلمان وتسريب بعض التّحقيقات والمعلومات عن الجريمة، لكي يقول الجانب التركي بأنّ لدينا المزيد إذا لم ترضخوا لشروطنا سنكشف معلوماتنا التي نمتلكها. وبعد الاتّصالات والمشاورات بين الجانبين قرّر القضاء التركي وقف المحاكمة في قضية الاغتيال وإحالتها إلى الرياض، وبمعنى آخر طي صفحة القضية إلى الأبد. وهذا الإجراء مهّد الطريق لزيارة أردوغان إلى المملكة مؤخراً. وقد حصل أردوغان على مكاسب جلّها اقتصاديّ تحدّث عنها، ومنها استعادة الزّخم في التّجارة بين البلدين وإزالة العقبات الجمركية وتشجيع الاستثمارات، والمشاريع التي يُمكن أن يتولّاها المقاولون الأتراك، سبل التعاون في الصناعات الدّفاعية، إعادة تفعيل الإمكانات الاقتصادية الكبيرة بين تركيا والسعودية من خلال فعاليّات تجمع مستثمري البلدين، استئناف الرحلات الجوية المجدولة بشكلٍ متبادل بين البلدين. وستتّضح هذه المكاسب أكثر بعد زيارة ابن سلمان إلى تركيا.

أمّا العقبة الرابعة، فقد كانت امتعاض بايدن من ابن سلمان بسبب ملفات عدّة منها العلاقة مع قطر وحرب اليمن وأهمها قضية جمال خاشقجي، وأعلن بايدن بشكلٍ واضح وصريح أنّه لن يلتقي ابن سلمان ولن يحادثه بسبب قضية خاشقجي. لكن حدث ما لم يكن بالحسبان وهي أزمة أوكرانيا واحتياج بايدن للنّفط السعودي من أجل إمداد السوق بالنفط ومساعدة حلفائه الأوروبيين الذين يعانون من مأزق كبير بهذا الخصوص. وبما أنّ تركيا طوَت صفحة قضية جمال خاشقجي، وبما أنّ ابن سلمان استغلّ ورقة النّفط بمشورة من الإسرائيليين الذين ضغطوا على بايدن عبر اللّوبي الصهيوني، خرج إلى العلن الحديث عن زيارة مرتقبة لبايدن للسعودية ولقائه ابن سلمان بداية شهر تموز القادم خلال القمة الخليجية، وستشمل الزيارة أيضاً الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهذا ليس بجديد على الإدارة الأمريكية التي تميل إلى مصالحها ولو داست على قضايا الشعوب. وهذه الزيارة ستفك القطيعة الدولية عن ابن سلمان وتزيل آخر العقبات الخارجية لوصوله إلى عرش المملكة.

وهكذا يكون الإسرائيلي قد ضمن التطبيع السعودي والذي سيتم على مراحل قبل أن يخرج إلى العلن. والخطوة الأولى في التطبيع ظهرت جليّة بما يعلنه الإعلام العبري عن اتفاقيات أبرمت وخاصة بما يخص جزيرتي تيران وصنافير اللتين انتقلت سيادتهما للسعودية وبحجة التنسيق الأمني سيعقد الجانبان السعودي والإسرائيلي العديد من اللقاءات بينهما. وقد تحدثت صحيفة “إسرائيل هيوم” عن موافقة محمد بن سلمان على فتح الأجواء السعودية أمام الطيران الإسرائيلي في مسعى لدفع التطبيع مع “تل أبيب” قدماً، وذلك لموافقة “تل أبيب” على ترتيبات أمنية في الجزيرتين، وبموجب الاتفاقية لن تكون هناك أي قيود سعودية على مرور الرحلات الجوية الإسرائيلية.

وبناءً على ما تقدّم، لم يعُد هناك من عقبة داخلية ولا خارجية تحول دون وصول ابن سلمان إلى التربّع على عرش مملكة آل سعود، بعد أن سار بن سلمان على طريقٍ عبده بدماء آلاف الأبرياء في السعودية واليمن. وهو الآن أمام خيارين لا ثالث لهما، إمّا أن يقتفي أثر تجربة محمد بن زايد الذي حكم لسنوات كرئيس ظلّ للإمارات إلى أن توفّي الرّئيس الفعلي، وبهذا ينتظر محمد بن سلمان وفاة والده الذي يجري الحديث عن تدهور وضعه الصحي من فترة إلى أخرى وآخرها اضطرار محمد بن سلمان لتأجيل زيارته إلى تركيا بسبب وضع والده الصحي، وإمّا أن يقوم محمد بن سلمان بسابقة لم تحصل بتاريخ المملكة، وتسلّم مقاليد الحكم في حياة أبيه. وبوجود متهوّر كمحمد بن سلمان كلّ شيء وارد. الأيّام كفيلة بكشف الخيار الذي سيتّخذه ابن سلمان.

  • المصدر/العهد الأخباري

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا