خلافات الطاقة في القارة العجوز.. هل غرقت أوروبا في مستنقع النفط الروسي؟ وهل تنجح الجهود الأوروبية في إيجاد البديل؟

139
  • د. عدي صوالحة

تاريخ اعتماد القارة الأوروبية على الغاز الروسي (الاتحاد السوفيتي) يعود إلى خمسينيات القرن العشرين، مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وبالرغم من الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالسوفييت إلى أنهم أطلقوا عملية سريعة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وتركزت جهودهم على مصادر الطاقة.

الاتحاد السوفيتي أطلق في ذلك الوقت مشروعا ضخما سمي “دروجبا” يعتبر اليوم واحدا من أطول خطوط أنابيب النفط في العالم، وهو خط أنابيب ضخم يمتد على طول الطريق من الشرق الأقصى الروسي، عبر عدة دول أوروبية بما في ذلك أوكرانيا وبولندا، وينتهي في ألمانيا. بالرغم من المعارضة الأمريكية إبان الحرب الباردة ومحاولة الضغط على حلفائها إلا أن المحاولات باءت بالفشل. وكان هذا الخط بداية لعدة خطوط ومشاريع أطلقها السوفييت لتصدير الغاز والنفط لأوروبا.

مع تفكك الاتحاد السوفيتي، وتغيير المشهد السياسي في روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة، استمرت محاولات الولايات المتحدة في كبح جماح الهيمنة الروسية على سوق النفط والغاز في أوروبا. وكانت الخطوة الأمريكية- الأوروبية لانتشال أوروبا من مستنقع الغاز الروسي، هي بناء خط أنابيب غاز “نابوكو” الذي ينطلق من 3 دول في آسيا الوسطى كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان، وتتوجه بعد ذلك غربا عبر بحر قزوين إلى أذربيجان، ومن ثم إلى جورجيا، تركيا، ومنها إلى بلغاريا ورومانيا وهنغاريا ثم إلى كافة أنحاء أوروبا. في آمال لتأمين الغاز لأوروبا بعيدا تماما عن الهيمنة الروسية. إلا أن روسيا لم تسمح بحدوث هذا السيناريو وقلبت المشهد بشرائها كميات كبيرة من غاز هذه الدول، وأطاحت بالحلم الأمريكي – الأوروبي.

تعتبر اليوم روسيا أكبر مصدّر للغاز الطبيعي في العالم، إذ تصدر حوالي 196 مليار متر مكعب من الغاز، ويغطي الغاز الروسي حوالي 40% من احتياجات أوروبا، غير أنها تمتلك أكبر احتياطي للغاز الطبيعي الذي يقدر بحوالي 48 تريليون متر مكعب.

مع انطلاق شرارة الحرب في أوكرانيا تصدر الغاز الروسي المشهد من جديد، مصحوبا بمساعٍ ومحاولات للتخلي عن المصدر الأهم للطاقة في أوروبا، وتوالت حزم العقوبات على روسيا وتعالت الأصوات في أروقة المجالس الأوروبية بمقاطعة النفط والغاز الروسي، والسعي لإيجاد بدائل تغطي تعطش السوق الأوروبية للطاقة. ومع مرور أكثر من ثلاثة أشهر على الحرب، تباينت المواقف في الاتحاد الأوروبي حول الاستغناء عن المصدر الأهم للطاقة وفرض حظر على استيراد النفط الروسي وهنا بدأت بعض الدول بالتراجع عن قراراتها والمحاولة للتوصل لتفاهم مع العملاق الروسي، الذي فرض قواعده وشروطه في لعبة العقوبات، حيث طالبت موسكو بتسديد فواتير الغاز بالروبل الروسي، وشددت على أنها لن تقبل المدفوعات باليورو، مؤكدة أنها ستقطع الإمدادات عمن يتأخر بالسداد، وبالفعل بدأت تطبيق قواعد اللعبة بحذافيرها حيث قطعت واردات الغاز عن الدنمارك وبلغاريا وبولندا وفنلندا وهولندا.

بحثا عن الحلول أعلن الاتحاد الأوروبي عزمه تقليل اعتماده على الغاز الروسي بمقدار الثلثين بحلول نهاية عام 2022، واستيراد 50 مليار متر مكعب إضافية من الغاز الطبيعي المسال. لكن ظهرت تحديات جديدة  في سوق الغاز الأوروبية، حيث ارتفعت تكلفة شحن الغاز بزيادة 50% عن العام الماضي. وأطلقت هولندا وألمانيا مشروعا مشتركا للتنقيب عن الغاز في بحر الشمال، وغيرها من المقترحات والمخارج التي يبحث عنها الأوروبيون للخروج من مأزق الغاز الروسي.

من هنا نقول أن كل الحلول والسياسات التي يتم طرحها اليوم في المفوضية الأوروبية في ملف الطاقة لم تجد نفعا، ولن يستطيع الأوروبيون الاستغناء الكامل عن الغاز الروسي لتغطية احتياجاتهم حتى بنهاية 2022، وإذ ما وجدت حلول ستحتاج الكثير من الوقت لتطبيقها، و ستجبر الدول التي رفضت الدفع على البحث عن آلية للتفاوض مع شركات النفط الروسية لإعادة الإمدادات قبل بداية الشتاء.

  • المصدر/رأي اليوم

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا