طموح بارزاني لتصدير غاز الإقليم إلى أوروبا.. الموانع والعقبات

208

 أصبح البحث عن مصادر بديلة لتصدير الغاز إلى أوروبا قضية رئيسية بالنسبة للغربيين منذ بدء العمليات العسكرية الروسية ضد أوكرانيا في 24 فبراير من هذا العام. في غضون ذلك، كانت المنطقة الكردية العراقية من الجهات غير المتوقعة التي استشهدت بها وسائل الإعلام والقادة السياسيون الأوروبيون كمصدر لتقليل الاعتماد على موارد الغاز الروسية. كما أعلن قادة حكومة إقليم كردستان عن استعدادهم لتصدير الغاز إلى أوروبا، مع موجة الاحتياجات العالمية لإيجاد مصادر بديلة للغاز الروسي.

لكن تحركات قيادات أربيل في مجال تصدير الغاز على المستوى الكلي في العراق وعلى الساحة الداخلية للإقليم أثارت ردود فعل معارضة عديدة. في غضون ذلك، تجدر الإشارة إلى أن موجة المعارضة ونطاقها داخل الإقليم كانت أبعد بكثير من بغداد، الأمر الذي يطرح مسألة سبب وجود معارضة قوية داخلية قي إقليم كوردستان لتصدير الغاز إلى أوروبا كقضية لافتة للنظر. على صعيد آخر، يمكن التساؤل عن عدد احتياطيات الغاز في إقليم كردستان وإلى أي مدى يتوافق حلم بارزاني بتصدير الغاز إلى أوروبا مع واقع حقوله، أو بعبارة أخرى، ما هي العوائق التي تعترض صادرات الإقليم من الغاز؟

احتياطي غاز اقليم كوردستان

يركز إقليم كردستان العراق على التنقيب عن موارد النفط والغاز وإنتاجها وتصديرها بالتعاون مع شركات أجنبية منذ عام 2007. وحسب الإحصائيات المتوافرة، يمتلك العراق 3.5 تريليونات متر مكعب من احتياطيات الغاز المؤكدة، أكثر من 60٪ منها في جنوب العراق. ثلاثة أرباع موارد الغاز الطبيعي في العراق هي غاز طبيعي مع النفط، ولكن على عكس المناطق الجنوبية، فإن معظم موارد الغاز الطبيعي غير المصاحب للنفط في العراق في مختلف حقول كردستان مثل عجيل، باي حسن، جمبور، كرامر، الأحمر، القاعدة، المنصورية، خاشم وجمجمال. وحسب هذه الاحصاءات، يحتل العراق المرتبة 11 عالميا من حيث احتياطي الغاز، وهي دولة محدودة نسبيا في هذا الصدد. على الرغم من تأكيد وجود نحو 3.5 تريليونات متر مكعب من احتياطيات الغاز المؤكدة في العراق، يزعم المسؤولون الإقليميون الأكراد وجود 5.7 تريليونات متر مكعب من احتياطيات الغاز، ومعظمها لم يتم تحديده واستغلاله بعد. وحسب آخر تقارير شركة دانة غاز وشركائها الآخرين في حقل كورمور للغاز، يتم إنتاج 542 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي يومياً في إقليم كردستان. يأتي ذلك في وقت يحتاج فيه الإقليم إلى 1.6 مليار متر مكعب من الغاز يومياً لتوليد الكهرباء، إضافة إلى الحاجة إلى الغاز كوقود (منزلي وصناعي). لكن وفقًا للتقديرات المتاحة، إذا توسع حقل غاز جمجمال بحلول عام 2025، فسيتم إنتاج نحو 960 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي في الإقليم. في السنوات التي أعقبت عام 2007 تعاونت العديد من الشركات الأجنبية في مجال الغاز في كردستان، من أهمها شركة دانة غاز وشركة نفط الهلال. في الوضع الجديد، أعلنت الشركتان أنهما ستستأنفان مشروع تطوير حقل غاز خورمور برأسمال 600 مليون دولار، والذي من المفترض أن يزيد الطاقة الإنتاجية للغاز الطبيعي في إقليم كردستان إلى 250 مليون قدم مكعب كما أقرض المعهد الأمريكي الدولي للتمويل والتنمية مؤخرًا 250 مليون دولار بموجب عقد مع شركة الهلال لتطوير حقل غاز خورمور في إقليم كردستان.

طموح بارزاني لاحتكار غاز الإقليم

في الوقت الحاضر، يعتبر الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي الراعي الرئيسي لخطة تصدير غاز إقليم كوردستان إلى أوروبا. مسرور بارزاني، رئيس وزراء الإقليم والنجل الأكبر لمسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي، هو المنفذ الرئيسي للخطة الحالية وينوي اغتنام الفرصة في سوق الطاقة العالمي لتصدير الغاز إلى أوروبا. في 28 مارس 2022، ادعت القمة العالمية للطاقة التابعة لمجلس الأطلسي في الإمارات العربية المتحدة لأول مرة أن كردستان العراق ستصدر الغاز قريباً إلى أوروبا. عقب هذه التصريحات، سافر رئيس وزراء إقليم كوردستان إلى أنقرة في 6 نيسان / أبريل 2022، سعياً وراء حلمه، للتشاور والتنسيق مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أجل تسهيل تصدير إقليم كوردستان إلى أوروبا. بعد زيارة بارزاني، سافر إلى لندن للقاء رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون وأكد أن كردستان العراق يمكن أن تكون بديلاً لصادرات الغاز إلى أوروبا.  وحسب خطة رئيس الوزراء الطموحة، عليهم زيادة إنتاجهم من الغاز إلى 40 مليار متر مكعب سنويًا بحلول عام 2035. ما لا شك فيه أن صادرات الغاز يمكن أن تضخ عائدات ضخمة في جيوب عائلة بارزاني، الأمر الذي يثير مرة أخرى قضية شيوع المصالح الشخصية والعائلية، فضلا عن ارتفاع مستوى الفساد بين مجلس إدارة أربيل في السنوات الأخيرة، ما قد يوتر الساحة السياسية والرأي العام مجددا. لذلك، في حين أن أزمة الطاقة أتاحت دخول الإقليم إلى مجال استخراج الغاز وتصديره بسرعة، يسعى بارزاني لاحتكار هذا المجال واستخدام عائدات الدولار لتعزيز مكانته السياسية والاقتصادية في الإقليم.

رد فعل الأحزاب والتيارات السياسية الكردية على مسألة صادرات غاز الإقليم

أثار طموح مسرور بارزاني ردود فعل قوية من مختلف الأحزاب السياسية والقادة داخل الإقليم وليس من خارج الإقليم. في أهم رد فعل في الأيام الأولى بعد زيارة بارزاني إلى لندن، قال بافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني لكردستان العراق، في أول رد فعل على مزاعم بارزاني بين ممثلي الدول الأجنبية والشركات العاملة في السليمانية في إقليم كردستان العراق: شركات الطاقة في شمال العراق تُستغل من قبل بعض الجهات لتحقيق مكاسب شخصية.  وانتقد استغلال حقول غاز الإقليم لـ “مصالح ضيقة”، وشدد على أنه “لا يوجد خط غاز يمتد إلى ما وراء حدود إقليم كردستان العراق ما لم يمر فوق جسدي!” إضافة إلى بافل طالباني، أصر آسو مامنداز، العضو البارز في حزب الاتحاد، في كركوك على أن الحزب أحبط جهود تصدير الغاز الطبيعي لإقليم كوردستان، وأنه تم توقيع عقود لتصدير الغاز الإقليم، لكن حزبه منع إخراج الغاز. كما صرح غياث سورجي العضو البارز في الاتحاد الوطني الكوردستاني في مؤتمر صحفي أن إقليم كوردستان ليس دولة، لذلك نرى أنه غير شفاف في صادراته النفطية، فكيف يريد تنفيذ مشروع خط أنابيب الغاز. ومؤخرا، أكد سوران عمر، أحد قادة حزب المجتمع الإسلامي الكردستاني، في حديث لـ (الأحد نيوز)، في هذا الصدد، أن قضية غاز إقليم كوردستان هي حاليا ورقة ضغط تستخدمها أربيل ضد الحكومة الاتحادية. لذلك، يجب على حكومة الإقليم تحويل جميع عائداتها النفطية إلى الحكومة الفيدرالية من أجل إيجاد حل شامل لأزمة أجور الموظفين. وفي أحد ردود أفعاله الأخيرة، قال فائق اليزيدي، أحد قيادات الاتحاد الوطني لكردستان العراق، في مقابلة مع بغداد اليوم “بدلاً من استيراد الغاز من إيران ودول أخرى، الأمر الذي يسبب مشاكل وانقطاعات متكررة للتيار الكهربائي”. (بسبب انخفاض معدلات الحقن) “لماذا لا تزود حكومة إقليم كردستان الغاز والنفط لبغداد (الحكومة المركزية في العراق)؟” إقليم كوردستان يحتاج إلى غازه أكثر مما يحتاج لتصديره إلى أوروبا. معظم غاز اقليم كوردستان موجود في السليمانية والاتحاد الوطني لن يسمح بتبديد الغاز كما فعل الحزب الديمقراطي (مسعود بارزاني) في قضية النفط الذي يبدو أنه ثروة شخصية لهم.

لماذا يعارض حزب الاتحاد الوطني قيام عائلة بارزاني بتصدير الغاز؟

وعلى الرغم من إعلان أحزاب سياسية مختلفة معارضتها لخطة تصدير الغاز لإقليم كوردستان، دون أدنى شك، بسبب هيكل السلطة في الإقليم، يمكن اعتبار المعارضة الأكثر أهمية هي معارضة الاتحاد الوطني الكردستاني. بعد ما يقرب من عقدين من انتهاء الهيكل الإداري في شمال العراق، لا يزال الحزبان، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي لكردستان العراق، يسيطران على معظم موارد الطاقة والاقتصاد والتجارة والسياسة في كردستان العراق. في الماضي كانت القرارات الاستراتيجية والحاسمة تُتخذ على الدوام من خلال التفاعل بين الجانبين. لذلك، أثناء تصدير الغاز، يبدو أن هذين الطرفين عادا مجددًا لوضع الاختيار بين المواجهة أو التعاون.

على الرغم من أن الاتحاد الوطني الكردستاني (PUK) يثير قضية إهدار موارد النفط من قبل عائلة بارزاني، تجدر الإشارة إلى أن مجمل عملية إنتاج وتصدير وبيع نفط الإقليم كانت نتيجة تنسيق واتفاق بين الطرفين. لذلك، في الوقت الحاضر، كما يقول بافل طالباني، لا يعارض حزب الاتحاد الوطني بشدة تصدير الغاز الإقليمي، لكنه يعارض أحادية الجانب للحزب الديمقراطي واستبعاده من مباحثات العقد. من الروايات الواضحة لسياسة حزب الاتحاد أنه إما أن يكونوا شركاء في صادرات النفط أو أن الصادرات لن تحدث. الخوف الرئيسي لقادة حزب الاتحاد الوطني هو أنه نتيجة تنفيذ مشروع تصدير النفط من قبل الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي (بدون مشاركتهم)، سيكتسب نظام بارزاني المزيد من القوة والنفوذ داخل الإقليم وخارجه، وسيخل بتوازن القوى في مناطق الإقليم الواقعة تحت سيطرة الاتحاد وتحويل ميولها إلى حسابهم.

حاليًا، من أصل 57 حقلاً للنفط والغاز في إقليم كوردستان، يوجد 23 حقلاً نفطياً وحقلان غاز في المناطق الخاضعة لسيطرة الاتحاد الوطني المسماة المنطقة الخضراء (اللون الرسمي للاتحاد الوطني) وتعمل 13 شركة أجنبية من 7 دول في أنشطة التنقيب عن النفط وإنتاجه في هذه الحقول. وحسب الإحصائيات المعلنة، فإن حجم الاحتياطيات النفطية في محافظة السليمانية يزيد على 36 مليار برميل، أي ما يعادل 65٪ من إجمالي احتياطيات الإقليم النفطية، إلا أنه تم استغلال وإنتاج 9 حقول نفطية فقط في هذه المناطق، وإجمالي 7.3٪ من الإنتاج النفطي للإقليم يخرج من هذه الحقول التسعة. وحسب الإحصائيات المتوافرة، يتضح أن الموضوع في الوقت الحاضر يتعلق بمشاركة هذا الطرف في عقد تصدير غاز إقليم كوردستان أكثر من ارتباطه بمعارضة الاتحاد الوطني القاطعة لتصدير الغاز.

وعلى الرغم من تفاؤل الإقليم بشأن الخطة الطموحة لتصدير غاز الإقليم إلى أوروبا، إلا أن هناك بالتأكيد عدة عقبات أمام تنفيذ مثل هذه الخطة، من أهمها المعوقات القانونية. من الناحية القانونية، في 14 فبراير 2022، قضت المحكمة الاتحادية العراقية بأن قانون النفط والغاز لإقليم كردستان العراق غير دستوري. وبموجب القرار، كان على حكومة إقليم كردستان العراق إخطار وزارة النفط العراقية والمفتشية العراقية بعقود بيع النفط والغاز الخاصة بإقليم كردستان. بعد الحكم، أعلنت وزارة النفط العراقية أن جميع الأنشطة في قضية النفط والغاز في إقليم كردستان يجب أن تكون في أيدي شركة تحت إشراف ورقابة وزارة النفط العراقية. كما طُلب من إقليم كردستان العراق تقديم جميع عائداته النفطية إلى وزارة النفط الاتحادية. ومن المؤكد أن مثل هذه العقبة القانونية في المستقبل القريب ستؤدي إلى فشل أي طموح لتصدير الغاز من قبل قادة الإقليم دون العودة إلى بغداد.

عقبة مهمة أخرى هي سيطرة الشركات المقربة من الحكومة الروسية على جزء مهم من صناعة الغاز في إقليم كردستان، في عام 2017، استثمرت روسيا ما يقرب من 4 مليارات دولار في حقول النفط في إقليم كردستان. لذلك، تظهر جميع المعادلات أن موسكو ليست مهتمة بأي حال من الأحوال بمساعدة الإقليم على تصدير الغاز، وبالتالي استبدال صادراتها من الغاز بغاز الإقليم، وستمنع بالتأكيد تحقيق مثل هذا السيناريو.

  • المصدر/الوقت

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا