أردوغان والبناء على الباطل

261

أجاد النظام التركي ومنذ بداية ما يسمى الربيع العربي في 2011 اللعب على المتناقضات في الدول التي هبت عليها رياح سموم ذاك الربيع، واستطاع خلال أحد عشر عاماً أن يصبح طرفاً رئيساً في الكثير من أزمات المنطقة، لجهة تحوله إلى قاعدة للمرتزقة، وداعماً للتنظيمات الإرهابية، التي فتحت بدخولها تلك الدول الأبواب أمام رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان للتدخل في شؤونها، والتأثير فيها من خلال الضغط باستخدام مرتزقته، فبات الضامن لهم والمتحدث باسمهم، والمفاوض عنهم، وباتوا عصاه التي يلوح بها في كل أمر لا يتماشى وأهدافه الإخوانية الاستعمارية الجديدة في المنطقة.

من دون الدخول في تفاصيل سياسة أردوغان وأهدافها الواضحة من خلال العناوين وأدواته فيها وتحالفاته الإرهابية، فقد تدخل في ليبيا وتحول هناك إلى وكيل للمرتزقة الإرهابيين، عبر إرساله المقاتلين التابعين له من سورية بشكل دوري إلى ليبيا، لدعم الميليشيات الإخوانية هناك، بهدف تمدده في عمق القارة الإفريقية والبحر المتوسط، وذهب إلى ناغورني كاراباخ فكان طرفاً مثيراً للفتن والقتال باصطفافه إلى جانب أذربيجان ضد أرمينيا، وكانت مرتزقته جنباً إلى جنب في خنادق القتال وعلى الجبهات الأمامية مع الجيش الآذري، وذات السياسة كانت في شمال العراق عبر أعماله العدوانية هناك بحجة محاربة الإرهاب.

خلال عقد من الزمن تحول أردوغان عبر سياسته العدوانية إلى «علقة» لا يمكنها العيش إلا في مستنقعات الأزمات، فكان حريصاً على استمرار المشاكل والتوترات، لفرض نفسه كقوة ولاعب أساس في المنطقة، وهذا يتجسد بشكل جلي في سورية، فلعب دوراً قذراً فيها منذ بداية الأحداث، ودرّب واستقبل وسهّل مرور المجموعات الإرهابية إلى الداخل السوري، ومن ثم عمل على تهجير السوريين من مناطقهم بفعل إجرام جيشه المحتل ومرتزقته من التنظيمات الإرهابية، ليعمل لاحقاً على المتاجرة بآلام السوريين وتحويل اللجوء إلى ورقة ضغط في وجه الأوروبي والأميركي.

لأسباب عدة، أهمها تخاذل دول الغرب، تمكن أردوغان من التحول إلى لاعب أساس في الأزمة السورية، فاحتل مناطق عدة من أراضيها، وبات ضامناً للتنظيمات الإرهابية، وسعى لإعادة حلم السلطنة العثمانية، ودعا مراراً وتكراراً إلى إقامة ما يسمى «منطقة آمنة» شمال سورية، الأمر الذي قوبل بالرفض سابقاً، إلا أن فكرة تلك المنطقة، عادت مجدداً للطرح من أردوغان، مستغلاً انشغال العالم بما يجري في أوكرانيا، فبدا العمل مؤخراً بإقامة وحدات سكنية على أراضي المواطنين الأصليين بهدف جلب الموالين له من التنظيمات الإرهابية، وترحيل مليون لاجئ سوري في بلاده إليها، ليتم من خلال ذلك إحداث تغيير ديموغرافي كبير يعد الأخطر في تاريخ سورية، الأمر الذي حذرت منه 45 منظمة حقوقية وصحفية ومجتمعاً مدنياً في نداء وجهته إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، موضحة أن هذه الخطوة تأتي ضمن مخطط عدواني للفتنة وإحداث حرب أهلية في تلك المنطقة والقضاء على هويتها السكانية والتاريخية وخصوصيتها الثقافية والقومية، من خلال انتهاج النظام التركي منطق القوة والإكراه لفرض سياسة التغيير الديموغرافي وتدمير التركيبة السكانية التي تتميز بها تلك المنطقة، تحت يافطة إنسانية عريضة مسماة «العودة الطوعية».

تؤكد جميع المراجع والقوانين عدم شرعية ما يقوم به النظام التركي من إقامة «مستعمرات» داخل الأراضي السورية المحتلة لإعادة اللاجئين، أو ما يسمى «إقامة منطقة آمنة»، بهدف ضمها لاحقاً إلى تركيا، لأن ما بُني على باطل فهو باطل، وأساس وجود التركي في سورية باطل وهو قوة احتلال ينطبق عليه القواعد المذكورة في اتفاقية لاهاي عام 1907 والاتفاقية الرابعة من اتفاقيات جنيف، وجميع أعماله العدوانية تخالف القانون الدولي، وهو ما شددت عليه سورية في كلمة مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة السفير بسام صباغ أمام مجلس الأمن في الحادي والعشرين من الشهر الجاري بقوله: إن مسعى النظام التركي لإنشاء منطقة آمنة في شمال سورية يندرج في إطار المشاريع المعادية لسورية وتحقيق هدف استعماري تقسيمي وإنشاء بؤرة تساعد على تنفيذ المخططات الإرهابية ضد الشعب السوري، وعلى المجتمع الدولي عدم مساومة نظام أردوغان على أراضي الدول والعالم وعدم دعم أو تمويل مثل هذه المشاريع القائمة على التطهير العرقي وتغيير البنية الديموغرافية والمساس بحقوق السوريين، التي سيكون لها آثار كارثية على الأمن والسلم والاستقرار في المنطقة والعالم.

من الواضح أن النظام التركي يراهن في تمرير أعماله العدوانية على الموافقة الأميركية، وإمكانية محاباة واشنطن له لتمرير انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف الأطلسي، والاصطفاف إلى جانبها ضد روسيا في أوكرانيا، ويأمل بأن تقوم واشنطن بالتنسيق معه في شمال سورية، وتسويق تنظيم «جبهة النصرة» الإرهابي على أنه كيان سياسي معتدل، لا بدّ من التعامل معه.

رغم رهان النظام التركي، على تمرير مشروعه الاستعماري في الشمال السوري، والحصول على الموافقة الغربية، والأميركية خاصة، إلا أن ذلك لن يحدث، ودمشق لن تقف متفرجة سواء كان سياسياً أم عسكرياً، وكما إخفاق أردوغان سابقاً في تمرير هذا المشروع، لن يتمكن من ذلك الآن.

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا