التجاذبات الاسرائيلية-الروسية..الى أين؟

26

مع استمرار العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، يحافظ الموقف الإسرائيلي على ضبابيته وعدم وضوحه، وتتسم إجراءات كلا الطرفين بالتجاذب المتبادل، يتخللها سجالات وإدانات تراوحت بين الشدة والقوة والمشي بين الشقوق. وتستعرض هذه الورقة طبيعة توزّع التجاذبات بين الروسي والإسرائيلي وكيفية بروز تجلياتها في الساحة السورية عبر ضبط الحركة الروسية الإسرائيلية ما بين تصريح وإجراء، وفق التسلسل الزمني الموزّع شهريًّا مع مراعاة الترتيب التصاعدي على مدى الفترة الواقعة ما بين مطلع كانون الثاني 2022 والأسبوع الأول من أيار 2022.

أولًا: مسار التجاذبات الروسية الإسرائيلية

كانون الثاني 2022

-إعلان وزارة الدفاع الروسية، تنفيذ طائرات حربية سورية وروسية، دوريّات مُشتركة على طول مرتفعات الجولان، وأجواء المناطق الشمالية والشمالية الشرقية لسوريا. وسط توتر يكاد يصل إلى أعلى مستوياته بين موسكو والغرب، مع وجود مخاوف فعلية من اندلاع صراع واسع النطاق في أوروبا الشرقية.

شباط 2022

-رفض روسيا الرسالة الاسرائيلية التي تفيد بأنّ الأنظمة الدفاعية المتطورة التي يشغلها الجيش الروسي في قاعدة “حميميم” الجوية في ريف اللاذقية، تعطّل الموجات الكهرومغناطيسية، والتي تسبب اضطرابات في نظام تحديد المواقع العالمي GPS، وتؤثر على الطائرات التي تستعد للهبوط في مطار بن غوريون. روسيا تسعى إلى إيجاد موازنة بين كل اللاعبين الخارجيين في سوريا، إنّها تضع مصالحها في الأولوية.

-تنفيذ الجيش الروسي “عمليات تشويش” انطلاقا من قاعدة حميميم، عبر تشغل أنظمة دفاع إلكترونية في القاعدة، بالتزامن مع الغارة الإسرائيلية، الأمر الذي تسبب في تعطيل نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) في المنطقة. وأشارت “كان 11” إلى أن هذا “التشويش” أدى إلى تعطيل حركة هبوط الطائرات في إسرائيل، وقالت إن إسرائيل بعثت رسالة إلى الروس مفادها أن استخدام الأنظمة يضر بها، لكن الروس اعتبروا أن هذه الأنظمة تهدف إلى حماية جنودهم.

-توجّه وزير الدفاع الروسي “سيرجي شويجو” إلى سوريا لتفقد المناورات البحرية في شرق البحر المتوسط، التي تمثل أكبر انتشار للبحرية الروسية هناك. وقد التقى شويغو بالرئيس الأسد لإبلاغه عن التدريبات ومناقشة خطط لمزيد من التعاون العسكري التقني، وسط حالة من التشكيك الأمريكي بشأن إمكانية شن روسيا غزو ضد أوكرانيا.

-نشر الجيش الروسي قاذفات طويلة المدى ذات قدرة نووية وطائرات مقاتلة تحمل أحدث الصواريخ، عند القاعدة الجوية في سوريا لإجراء مناورات بحرية ضخمة.

-روسيا تستدعي السفير الإسرائيلي في موسكو ردًّا على الدعم الحذر الذي قدمته وزارة الخارجية الإسرائيلية لـ “وحدة أراضي وسيادة أوكرانيا”، وتدين احتلال إسرائيل لمرتفعات الجولان في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، قبل ساعات من هجوم القوات الروسية على أوكرانيا.

آذار 2022

-خروج العديد من المسيرات المؤيدة لأوكرانيا في الكيان المؤقت، وتجمع في تل أبيب يشارك فيه الآلاف، واحتجاج للمتظاهرين أمام السفارة الروسية ومقر إقامة رئيس الوزراء في القدس.

-الكيان المؤقت ينقل جوًا إلى أوكرانيا حزمة مساعدات يبلغ وزنها 100 طن، عبارة عن بطانيات وأدوية وغيرها من المعدات الطبية والإنسانية.

-السفير الأوكراني لدى الكيان المؤقت، يفغين كورنيتشوك، يدعو إسرائيل مرارًا وتكرارًا إلى إرسال معدات دفاعية لأوكرانيا مثل الخوذات والسترات الواقية من الرصاص بدلًا من المساعدات الإنسانية والطبية، ويقول إن إسرائيل “تخشى” روسيا.

-انضمام الكيان المؤقت إلى 140 دولة أخرى في الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرار يدين روسيا رسميًا.

-انضمام الكيان المؤقت إلى 93 دولة في التصويت لإخراج روسيا من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

-كل من السفير الإسرائيلي لدى أوكرانيا، مايكل برودسكي، ووزير الخارجية الإسرائيلي، لابيد، يعلن بعد الانسحاب الروسي من كييف أن “المذابح” الروسية في بوتشا “جرائم حرب”. وزير الصحة الإسرائيلي، نيتسان هورويتز، أثناء زيارته لمستشفى ميداني إسرائيلي في أوكرانيا، يدين “الغزو الروسي الوحشي” ويتعهد بمواصلة الدعم لأوكرانيا وسط “المجازر وجرائم الحرب الروسية التي تُرتكب في جميع أنحاء البلاد”. رئيس الوزراء بينيت يدين ويتعهد ببذل “كل ما في وسعنا للمساعدة”.

نيسان 2022

-وزارة الخارجية الروسية تندد بإدانة وزير خارجية الاحتلال الإسرائيلي العملية العسكرية الروسية لأوكرانيا، وتشير إلى أنّ “حكومة إسرائيل تواصل الاحتلال غير المشروع للمناطق الفلسطينية، وتضمّها بالتدريج إلى سيادتها”، وأنّ “هناك مليونين ونصف مليون فلسطيني يعيشون في جيوب منفصلة ومنقطعة عن العالم”، مضيفة أن قطاع غزة بات “سجنًا مفتوحًا”.

-نائب رئيس المركز الروسي للمصالحة يكشف تفاصيل عن الاستهداف الإسرائيلي لأهداف بالقرب من دمشق في بتاريخ الـ 14 من نيسان، وأن الدفاع الجوي السوري استخدم صواريخ “Buk-M2E“، روسية الصنع، لاعتراض الطائرات الإسرائيلية التي اعتدت على أهداف بالقرب من دمشق، ما علقت عليه صحيفة يديعوت أحرونوت” بالقول: “هذا الأمر لم تفعله موسكو منذ مدة طويلة”.

-الكيان المؤقت يرفض طلبات أوكرانيا للحصول على أسلحة متطورة، وموافقة فقط على إرسال آلاف الخوذات والسترات الواقية من الرصاص للفرق الطبية والمستجيبين الأوائل.

-الولايات المتحدة تطلب من إسرائيل دراسة توسيع المساعدة العسكرية وإمكانية فعل المزيد في توفير المعدات العسكرية، شدّد مسؤول إسرائيلي لن تقدم سوى معدات عسكرية غير قاتلة. الكيان المؤقت يقوم بإرسال رئيس المكتب السياسي العسكري في وزارة الدفاع، درور شالوم، إلى قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا لحضور اجتماع بقيادة الولايات المتحدة بشأن إرسال أسلحة إلى أوكرانيا.

أيار 2022

-وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف يتهم الكيان المؤقت، بدعم النازيين الجدد في أوكرانيا، مصعدا بدرجة أكبر خلافا بزعم أن أدولف هتلر من أصول يهودية. ورغم استدعاء وزارة خارجية كيان الاحتلال السفير الروسي للإعراب عن استنكارها لها، وإطلاق العديد من سياسي ومسؤولي الكيان المواقف التصعيدية ضد موسكو، إلا أن موسكو أكدت مجددا وجهة نظر لافروف بأن كون زيلينسكي من أصل يهودي لا يمنع أن يكون النازيون الجدد يحكمون أوكرانيا.  وقالت في بيان “مناهضة السامية في الحياة اليومية وفي السياسة لم تتوقف بل على العكس يجري تغذيتها في أوكرانيا”.

-وفد قيادي رفيع المستوى من حركة حماس برئاسة عضو المكتب السياسي ورئيس مكتب العلاقات الدولية موسى أبو مرزوق يزور موسكو بعد توجيه وزارة الخارجية دعوة الزيارة للحركة لمناقشة الأوضاع في القدس، والتطورات الميدانية على الساحة الفلسطينية، والعلاقة الثنائية بين الجانبين.

-الحاخام الأكبر في روسيا، بيرل لازار ينتقد كلام لافروف حول عداوة اليهود الأشد للسامية، واصفًا إياه بالصادم طالبًا منه الاعتذار من اليهود. البعض وجد في كلام لازار خروجًا عن المألوف في روسيا، حيث أيد رجال الدين الحرب ضد أوكرانيا، بينما رأى البعض الآخر أن كلام لازار يمكن أن يعبّر عن عدم ارتياح بوتين لكلام لافروف.

-رئيس الكيان المؤقت، يتسحاق هرتسوغ، يتهم لافروف بنشر “أكاذيب تفوح منها رائحة العداء للسامية وينتظر منه أن يعتذر”، وفق ما أوردت صحيفة هآرتز.

-الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعتذر من رئيس حكومة الكيان المؤقت، نفتالي بينت، خلال مكالمة هاتفية على كلام لافروف حول يهودية دماء هتلر، وفق ما أعلنه المكتب الإسرائيلي، بينما تناقلت بعض وسائل الإعلام الروسية أن كبير مستشاري الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أناتولي تشوبايس، حضر إلى الكيان المؤقّت. أمّا الكرملين فقد امتنع عن الإجابة واكتفى بالقول إنّ المكالمة الهاتفية كانت جيدة.

ثانيًا: في قراءة المسار

 تشير حركة التجاذبات الروسية الإسرائيلية إلى أن الحركة ما زالت ضمن ساحة رسائل الردع المتبادلة، مع ضرورة التأكيد على ارتفاع حدة الوتيرة في التصعيد الدبلوماسي والتوسّع باتجاه المسّ بقضايا ضمن نطاق “المحرمات” أو الخط الأحمر لدى الطرفين. وحيث أن الثابت هو ضرورة الحفاظ حتى الآن على المصالح الروسية الإسرائيلية لاعتبارات متعددة، أهمها بالنسبة للإسرائيلي الحفاظ على آلية التنسيق مع الروسي في سوريا، فإنّ التصعيد ما زال تحت سقف عدم التدحرج خارج مظلة مصالح كلا الطرفين. ويكشف المسار أنّ الروسي غير متوان في الاندفاع في ردّة الفعل في مقابل الحركة الإسرائيلية في دعم أوكرانيا، وهي حركة تعلم موسكو أنّها سريّة أكثر منها علنية.

 كان المسعى الروسي واضحًا قبل الدخول في العملية العسكرية نحو ضرورة توجيه رسالة استباقية تؤكّد نفوذ الروسي في سوريا وتثبت التحالف بين موسكو ودمشق وتحضّر الأخيرة لاحتمال بلورة هذا التحالف في إجراءات عملية قد تتبلور في استحقاقات مستقبلية. فكانت المناورات الجوية والبحرية رسالة تثبيت نفوذ ومعادلات. وقد كشف شهر شباط أولى مجسّات التوتر في العلاقة الروسية الإسرائيلية مع إثارة قضية الجولان مقابل اعتراف الكيان بوحدة أوكرانيا، لما لمنطقة الجولان من حساسية خاصة في الصراع السوري الإسرائيلي، بل في صراع المحورين.

 ويظهر أنّ الكيان المؤقت قرأ الرسالة جيدًا وحاول إعادة ضبط العلاقة، والحفاظ على توازنها فاكتفى بمساعدات غير أساسية البتة مع بدايات شهر آذار.  بهذه الأثناء، استغل الإسرائيلي تحوّل العملية إلى محكمة المحافل الدولية بما يؤّمن له الانضواء تحت الحضن الدولي في إدانة العملية واتخاذ إجراءات قانونية تجاه موسكو، مما يخفّف من عبء تحمّل مسؤولية السخط الروسي. وقد قابل الروسي في مطلع نيسان التصعيد الإسرائيلي في النصف الأخير من آذار باستجابة ذات طبيعة مماثلة، فاتّخذ من الاحتلال لفلسطين وحصار قطاع غزة عنوانًا لردة الفعل ضد وصف الإسرائيلي لعملياته بجرائم الحرب والوحشية. وتكاد هذه الخطوة من موسكو نقطة انعطاف حاد في مسار التجاذبات بين الطرفين، وقد استمر تصاعديًّا أكثر مع مطلع شهر أيار عندما كسر الروسي الحظر على مهاجمة الهولوكوست والمسّ بقدسية معاداة “السامية” لدى اليهود.

بناء على المعطيات أعلاه، يبقى أي قرار مستقبلي من الطرفين رهن التطورات وحاصل ميزان الفوائد والمصالح، لكن مع ضرورة التأكيد على نقطتين مركزيتين في فهم مسار الأحداث. الأولى هي الالتفات إلى تداعيات عدم حسم الروسي للعملية العسكرية عليه، وضرورة متابعة الاتجاهات التي تنعكس فيها وبأي وتيرة لا سيما مع استمرار العملية وتصاعد وتيرتها؛ وهو ما يحتمل معه تفسير التصعيد الروسي الأخير. والثانية هي مدى الضغط الخارجي والداخلي على الكيان المؤقت لاتخاذ خطوات أكثر تطرّفًا، وإن بقيت سرية، كتقديم الخدمات الاستشارية والتدريبية والأمنية والاستخباراتية لأوكرانيا، خاصة في ظل الأزمة السياسية الداخلية واحتمال سقوط الحكومة والذهاب إلى انتخابات جديدة.

  • المصدر/الخنادق

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا