محور القدس يشدّد الخناق على “إسرائيل”.. هل تهرب إلى الأمام؟

44

ربما لم تكن “إسرائيل”، على مدى أعوام احتلالها الأراضي العربية في فلسطين وفي غيرها، تنتظر أن تمر في وضع مشابه لما تمر فيه في هذه الأيام، من ضعف وهوانٍ وترددٍ وخوف على المستقبل والمصير. صحيح أنها، مثل أي محتلّ أو معتدٍ، تضع دائماً ضمن حساباتها، تحت الضغط وبهدف امتصاص وضع معين، إمكانَ التنازل عن بعض المكتسبات أو قبول تسوية غير ملائمة لها، لكن أن تصل “إسرائيل” اليوم إلى وضعٍ، بدأت ترى فيه احتمال زوالها أو اندحارها عن المنطقة أكبرَ من احتمال ثباتها على احتلالها، فهذا هو الأمر الذي لم تكن تنتظره أو تفكر فيه.

صحيح أن “إسرائيل”، اليوم، تعيش وضعاً إقليمياً غير ملائم لناحية تعثّر مسار التطبيع على عكس ما خطّطت له، أو لناحية ثبات لبنان والمقاومة في وجه ضغوطاتها وطروحاتها الاستدراجية، كما أنها تعيش وضعاً دولياً مزعجاً يتمحور حول ما يشبه الانحراف الأميركي عن دعمها بسبب ما تعيشه واشنطن من ضغوط ضخمة، ونتيجة بدء تدحرج علاقتها بروسيا نحو الأسوأ على خلفية خلاف ذي طابع عقائدي في تحديد أصول هتلر “اليهودية”، كما قال لافروف، أو على خلفية ضبط الروس متطوعين إسرائيليين يقاتلون في أوكرانيا، لكن يبقى هذا الأمر غير أساسي في تحديد نقاط التأثير الحقيقية في مستوى قدرتها على مواجهة محور المقاومة أو محور القدس، بحيث بدأت هذه المواجهة تفرض نفسها عليها بصورة تصاعدية، لا يبدو أنها قادرة على الإفلات منها.

قد تصل رغماً عنها إلى قناعة بأن المواجهة مع إيران لم تعد متكافئة، وبأن هناك استحالة لإرغام الأخيرة على التنازل عن موقعها، إقليمياً ودولياً، والتخلي عن تأثيرها وقدراتها النووية أو الصاروخية الباليستية أو المسيّرة. هذا الأمر قد تتقبّله “إسرائيل” وتجده أمراً واقعاً، وربما تنزع من رأسها نهائياً محاولة تغييره كونها لمست وباتت على يقين، عبر مسار طويل من المواجهة، أن إيران دولة إقليمية كبرى واجهت ونافست أطرافاً دولية قوية، وثبُتت في مواقفها على الرغم من الضغوط والحصار، وفرضت نفسها في النهاية رقماً صعباً. وبناءً عليه، ربما بدأت تتعايش “إسرائيل” اليوم مع هذه المعادلة، التي مفادها أن “المواجهة مع ايران لم تعد متكافئة أو مُربحة”.

مع حزب الله أيضاً ربما وصلت “إسرائيل” إلى ما يشبه الاستسلام، وذلك بعد سلسلسة من التجارب والمواجهات المباشرة معه، بدءاً بإجبارها على الانسحاب من لبنان عام 2000، إلى الانتصار عليها في عدوان عام 2006، وصولاً إلى ما فرضه عليها من قواعد اشتباك ومعادلات ردع وتوزان رعب، وما نتج من ذلك من قناعة أصبحت راسخة لدى “تل أبيب”، بأن حزب الله، في قوته وتأثيره، وبما بات يملكه من صواريخ ذكية ودقيقة ومن مسيّرات فعالة واستثنائية في مميزاتها، أو من قدرات تكتيكية لدى مقاتليه على الاختراق وتجاوز الحدود عند أيّ مواجهة مباشرة، بات في موقع الند وبدأت “إسرائيل” تتعايش مع هذه العلاقة الندية في مواجهته.

لكن ما يؤرق “إسرائيل” ويجعلها تعيد حساباتها، بصورة جدية، هو ما يتجاوز قدرات إيران وحزب الله اللافتة على الرغم من حساسية هذه القدرات وفعاليتها، ويمثل هذا العامل باكتشافها التغيير الدراماتيكي في مستوى المقاومة الفلسطينية وقدراتها في كامل الأراضي المحتلة، بحيث تمثّل هذا التغيير الدراماتيكي بما يلي:

أولاً: وحدة فلسطينية شاملة تجاوزت خصوصيات الجغرافية المختلفة، إذ أثبتت هذه الوحدة التزاماً كاملاً بشأن خيار المقاومة في كل الأراضي المحتلة، من أراضي الـ48 إلى الضفة الغربية إلى قطاع غزة إلى أحياء القدس وميادينها، وإلى خارج الأراضي المحتلة أيضاً (دول الشتات والهجرة).

ثانياً: الالتزام الذي يجمع كل شرائح الشعب الفلسطيني ومكوناته وفصائله، والذي تخطى كل التقسيم الزائف الذي أوصلوه إليه عبر الخداع أو الإغراء أو التهديد والوعيد، بين سلطة هادنت وفاوضت عن حسن نية أو عن سوء تقدير، وبين فصائل وأحزاب انقسمت على خلفية طروحات وخيارات متباينة، فمنها من قاوم وما زال، ومنها من هادن ثم عاد اليوم إلى قناعته بخيار المقاومة.

ثالثاً: مستوى المقاومة فيما أظهرته من قدرات وأسلحة جديدة فعالة، تمثّلت باستهداف طائرات العدو فوق غزة منذ فترة غير بعيدة بواسطة صواريخ أرض – جو (ستريلا)، كانت “إسرائيل”، إلى ما قبل إطلاقها، تعدّ أنها خارج حسابات المقاومة الفلسطينية وإمكاناتها، بالإضافة إلى التقدم الواضح في مناورتي الصواريخ أرض – أرض، والأنفاق.

من هنا يبدأ أرق “إسرائيل” الحقيقي، إذ إنها لن تجد بعد اليوم مفراً من سطوة المقاومة الفلسطينية، التي، بالإضافة إلى كونها تملك عدة عناصر قوة واقتدار، يكفي من بينها أنها تملك عنصراً أساسياً، خصص له سماحة الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، مساحة مهمة ودقيقة في كلمته الأخيرة بمناسبة يوم القدس، إذ أشار إلى “العمليات المنفردة التي تمثّل تصاعداً نوعياً جداً في مسار المقاومة في فلسطين، وتطوراً خطيراً جداً بالنسبة إلى الاحتلال، لأنها لا تحتاج إلى غرف عمليات، ولا إلى إمكانات هائلة”، موضحاً أن هذه العمليات “كشفت مستوى الأمن الهشّ والضعيف للكيان، وعجز الأجهزة الأمنية الإسرائيلية عن اكتشاف المجاهدين”.

على الرغم من هذه المخاطر، فإنه يبقى هناك داخل “إسرائيل” أو خارجها من يعدّها مقبولة، إلى حد ما، ويمكن تفهُّمها، فلقد تعودت “إسرائيل” على هامش التغييرات التي لطالما أصابت المستوى والعناصر للمواجهة التي تخوضها ضد محور المقاومة، إلى أن جاءت كلمة رئيس حركة “حماس” في قطاع غزة يحيى السنوار، بمناسبة يوم القدس أيضاً، وما حملته من رسائل نارية، لتضع المقصلة على رقبة “إسرائيل”، وذلك من خلال إشارات متقدمة جداً في المسار المرتقب لاستراتيجية المقاومة.

ففي حديثه ركّز السنوار على مسألة التنسيق لكسر الحصار عن غزة، ودعا الشعب الفلسطيني إلى أن يتجهز لمعركة كبيرة إذا لم يكفّ الاحتلال عن الاعتداء على المسجد الأقصى، مطالباً كل فصائل المقاومة في قطاع غزة بأن تكون على أهبة الاستعداد والجاهزية، لان المعركة لم تنتهِ بانتهاء رمضان، بل ستبدأ بانتهائه، وبأن سيف القدس “سيبقى مرفوعاً ولن يُغمَد حتى نصلّي في القدس”، وأن الرشقة الأولى من الصواريخ، وعددها 1111 صاروخاً، ستكون باسم ياسر عرفات.

حساسية كلام السنوار بالنسبة إلى “إسرائيل”، بالإضافة طبعاً إلى مضمونه وإلى رسائله الواضحة، تكمن في أنها تعلم علم اليقين بأن تهديده هذا، بما حمله من عناصر جديدة وغير مألوفة، يعبّر عن لسان المقاومة الفلسطينية، وربما أصبح لسان حال كل الفلسطينيين. ومن دون شك تعلم “إسرائيل” بأن هذا الكلام، المعبَّر عنه في هذا المستوى من الثقة والثبات، هو كلام يعبّر بالكامل عن التوجه والالتزام والرؤية والقرار لمحور المقاومة أو محور القدس، وربما تقارن وتستنتج ذلك أيضاً من كلمة السيد حسن نصر الله نفسها في يوم القدس، والتي قال فيها بالتحديد: “قد تُقدم إيران على ضرب إسرائيل مباشرةً، ومقدمات هذا الأمر تكبر”.

من هنا، تبدأ معضلة “إسرائيل” اليوم أمام تهديد السنوار، فهل ترضخ وتتراجع في قضايا القدس وإجراءات التقسيم، زمانياً ومكانياً، والتي أصبحت تشكل تحدياً حساساً لا يمكن لها تجاوزه بسهولة، فتكون بذلك – لو تجاوزته – خسرت أول خط متقدم من خطوط المواجهة الجديدة، وتعلم بأنه أساسي وخسارته ستؤسس خسارة ما وراءه من خطوط دفاع؟

أم تثبت على قرار الإجراءات هذه، بحيث عليها أن تضع في حساباتها إمكاناً كبيراً في تدحرج المواجهة إلى ما لا تتمناه، تماماً كما تدحرجت في عملية “سيف القدس” العام الماضي، ومستوى هذا التدحرج ومداه لن يكون في استطاعتها تحديدهما أو التحكم فيهما؟

أم تتجاوز كل ذلك وتهرب إلى الأمام في عملية اعتداء صاعقة، مركَّزة أو واسعة، بحيث تملك قدرات جوية وصاروخية غير بسيطة، فتختار أهدافها في إيران أو في محيطها القريب شمالاً، أو في المكانين معاً، لتنتظر مباشرة بعدها أو ربما بالتزامن معها، رداً مزلزلاً، سيكون حتماً غير تقليدي؟

  • المصدر/الميادين

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا