صناعة الانقلابات العسكرية والمجموعات الإرهابية

181

اعتادت الولايات المتحدة استخدام عدد من ثكناتها وقواعدها العسكرية من أجل تدريب ضباط من دول العالم الثالث الصديقة أو شبه الصديقة واستغلال هؤلاء الضباط في القيام بانقلابات على أنظمة الحكم عندما تشعر الولايات المتحدة بالخطر على مصالحها من تلك الأنظمة واتجاهات الحكم فيها، وهذا ما يكشفه الكاتب السياسي تيد غالين كاربينتر الباحث الرفيع في «معهد كاتو لدراسات السياسة الخارجية والدفاع» ومؤلف 21 كتاباً في الشؤون الدولية في تحليل بعنوان «الجيش الأميركي ما زال يدرب قادة الانقلابات العسكرية»، نشره في 19 نيسان الجاري في المجلة الالكترونية «انتي وور» وجاء فيه أن «قيادة القوات المركزية الأميركية الخاصة بإفريقيا (أفريكوم) كانت قد قامت بتدريب بعض القادة العسكريين في ثكناتها ممن نفذوا عمليات انقلابية عسكرية في دولهم»، وبالطبع لحماية المصالح الأميركية وتغيير أنظمة الحكم المناهضة لسياسة الولايات المتحدة، ويستشهد كاربينتر بما كشفه نيك تيرس الباحث من «معهد ذي نيشين» الأميركي حين ذكر أن «الضباط الأفارقة الذين تولى الجيش الأميركي تدريبهم في ثكناته قاموا بتسع محاولات انقلابية نجحوا في ثمانية منها في خمس دول إفريقية وتولوا الحكم فيها، ومن بين الدول التي قاموا بانقلابات فيها بوركينا فاسو ثلاث مرات، وغينيا ومالي ثلاث مرات، وموريتانيا وغامبيا وكان آخر انقلاب هو الذي جرى في بوركينا فاسو عام 2022 وفي غينيا عام 2021 وفي مالي مرتين عام 2020 و2021.

ويكشف كاربينتر أن الجيش الأميركي قام بتدريب 63 ألفاً من الضابط في إفريقيا وأميركا اللاتينية خلال 54 سنة ومن 21 دولة، ولا تزال الإدارات الأميركية تكثف في هذه الظروف محاولات تجنيدها لضباط تقوم بتدريبهم في ثكناتها لكي تستخدمهم في منع تزايد النفوذ الروسي أو الصيني المنافس لها في الساحة الدولية منذ عقدين ماضيين، وإضافة إلى ذلك اعتادت المخابرات الأميركية القيام برعاية سرية للمجموعات الإرهابية حين لا تجد ضباطاً تجندهم لخدمة مصالحها في دول العالم الثالث، فهي التي راهنت على دور المجموعات الأفغانية المسلحة ومجموعات القاعدة التي نشأت على هامشها في أفغانستان وقدمت الدعم المكثف لها لكي تواجه الاتحاد السوفياتي وهذا ما يعترف به مالفين غودمان ضابط التحليل السياسي السابق في وكالة المخابرات المركزية حين كشف في 2 تموز 2015 في مقابلة مع مجلة «برينان سنتر» الأميركية ان وكالة المخابرات المركزية لجأت إلى رعاية المجموعات الأفغانية المسلحة في الثمانينيات من القرن العشرين وتقديم السلاح والمال لها ومن ضمنها القاعدة المتحالفة مع تلك المجموعات الأفغانية لمواجهة الاتحاد السوفياتي وبدأت بعد نجاح هذه الخطة بتوسيع مشروع تقديم الدعم لإنشاء مثل هذه المجموعات في الدول التي لم تنجح بتجنيد ضباط بها لصنع الانقلابات وهذا يعني في النهاية أن كل وكالات المخابرات الأميركية وبخاصة العسكرية منها لن تتوقف عن محاولات صناعة المجموعات الإرهابية وتوظيف دورها في الدول المناهضة لهيمنتها حتى لو دعت الضرورة الولايات المتحدة إلى الظهور بمظهر توحي به أنها تحارب تلك المجموعات، وهذا ما فعلته في أفغانستان مع منظمة القاعدة وما ولدته منها من مجموعات إرهابية على الأراضي السورية وصنعت لها أسماءها مثل مجموعة النصرة وغيرها، وهي تحاول الآن في ظل التطورات المتلاحقة للعملية الروسية العسكرية في أوكرانيا صناعة مجموعات مسلحة من نوع متعدد الجنسيات في داخل أوكرانيا لمحاربة الجيش الروسي بهدف خلق الفوضى وإطالة أمد المعارك، لكن موازين القوى المتغيرة لمصلحة الأطراف المناهضة للهيمنة الأميركية على المستوى الدولي روسيا والصين وعلى المستوى الإقليمي في الشرق الأوسط أطراف محور المقاومة، لم تعد تسمح باستمرار هذه الخطط الأميركية لا في شمال سورية ولا في العراق ولا في إيران ولبنان ولذلك يعترف غودمان أن مخططات الـ«سي آي إيه» لم تعد تصلح في الظروف الجديدة التي يشهدها العالم بعد تطور القوة الروسية والصينية واتساع علاقات الدولتين مع دول كثيرة في آسيا وإفريقيا.

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا