الشعب السوري يسأل: أين روسيا من اللاذقية؟

157

للمرة الثانية في غضون شهر واحد، تقصف “إسرائيل” قرب قاعدة حميميم الروسية شمالي سوريا، من دون أن تحرّك روسيا صاروخاً ساكناً، أو على الأقل، أن تحرك لساناً أو قلماً، يستنكر التمرّد على “هيبتها” العالمية ويندّد به. فتُركت سوريا تصرخ وحدها، وهي تنظر إلى عصبِها يشتعل.

إن أيَّ سوريٍّ أو عربيٍّ عُروبيّ، يؤمن بسوريا جمهورية عربيّة، مقاوِمة للمشروع الإسرائيلي في المنطقة، ورافضة للممارسات الغربيّة، يرى الاعتداء على مرفأ اللاذقية ضرباً للاقتصاد السوري، وتعزيزاً للحصار على الدولة السورية، انتقاماً لكل من فشلت مؤامراته على دمشق. اقتصادياً، هذه نظرة سليمة، مع إضافة مزيد من الإمعان، في نظرة المقابل الإسرائيلي لمرفأ اللاذقية. فأن تقصف “إسرائيل” مكاناً، هو حدث صحيحٌ أنه يمكن السكوت عنه موقّتاً لغايات يدركها ضبّاط الاستراتيجية، لكن لا يمكن الاستهانة به على الإطلاق من جانب أيّ أحد، لأنه واقعياً، يجب أن يعرف الجميع أن تكلفة تحليق الطائرة الحربية للاحتلال الإسرائيلي هي 35000 دولار أميركي في الساعة، أي ما يقارب 500 دولار أميركي في الدقيقة الواحدة، فإذا كانت الطائرة آتية من الأراضي الفلسطينية، يعني انها حلقت مسافة لا تقلّ عن 400 كلم، استغرقت فيها نحو 16 دقيقة ذهاباً وإياباً. وبالنتيجة، تكون تكلفة تحليق كل طائرة لضرب مرفأ اللاذقية أكثر من 9000 دولار أميركي، أي ما يعادل مجموع رواتب 18 مقاتلاً في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي. وإذا اعتبرنا أن الطائرات انتقلت من البحر المتوسط الذي تستبيحه “إسرائيل”، فالتكلفة ستكون أقل طبعاً. لكن، في كلتا الحالتين، فإن استنزاف الطائرة واستهلاك الذخيرة، هما عملية مكلفة، أو إذا اعتبرنا أن القصف تمّ بصواريخ مدفعية البوارج، ففي جميع الأحوال، يا أعزائي، الحرب العسكرية مكلفة جداً.

في محصّلة ذلك، فإن العدو الإسرائيلي لا يعبث في الجو، لأن الجو مكلف. وعندما يستهدف، يكون هدفه مهماً جداً بالنسبة إليه، ويعتقد هو أن هدفه يشكل أثراً كبيراً في مسارات المنطقة، استحقّ هذا التكلّف، تماماً كمرفأ اللاذقية الذي نحن في صدده. لماذا؟ لأن هذا المرفأ، هو الميناء البحري الأول في سوريا، وأحد أهم الفروع الرئيسة للحياة الاقتصادية في اللاذقية، وكل البلاد، ومن خلاله يتم الاستيراد والتصدير لمعظم حاجات البلاد غير النفطية، وإن سعته التخزينية مقدرة بنحو 620 ألف حاوية، أي انه عصب الحياة، ويذكّرنا مباشرة بمرفأ الحديدة في اليمن، وما يتعرّض له من حصار وتدمير، وبمرفأ بيروت الذي لا تزال أسباب انفجاره مخفيّة ومخبّأة، وممنوعة من الظهور. فاختيار المرفأ ليس عبثياً، لأن العدو واحد، يضرب هنا وهناك، يتآمر ويحاصر، مع فارق الجنسية واللغة والأدوات، لكن مع تشابه الفكر.

 

ذكرنا ما هو بديهي ومنطقي. أمّا الآن، وليس انتهاءً بهذا المقال، فالسؤال الذي سيرافق يوميات المقاومة والنضال العربيين، وخصوصاً في سوريا، هو: أين روسيا التي تقول إنها موجودة في سوريا لتحارب الجماعات المسلحة؟ أليست روسيا في “حميميم”، التي تبعد عن مرفأ اللاذقية 14 كلم فقط؟ أليست “حميميم” هي قاعدة أُنشئت عام 2015 برضا الدولة السورية للمساعدة على مكافحة الإرهاب؟ هذه أسئلة الشعب السوري المقاوم اليوم، والتي أَرفقتُ بعضاً منها أدناه، بالإضافة إلى بعض التعليقات، التي تستنكر صمت موسكو إزاء هذا العدوان الذي ينتهك، ليس فقط سيادة سوريا، بل أيضاً هيبة روسيا.

فئة من السوريين تعتبر أن “روسيا شريكة” في هذه الجريمة، وأنها لا تضاهي في هيبتها هيبةَ أميركا التي “لا يجرؤ أحد على ضرب مكان هي فيه، بينما حليفنا لاعب الشطرنج العبقري جعلنا بيدقاً صغيراً في رقعته الدولية”. وآخرون قالوا إن هذه الغارات أتت “بضوء أخضر روسي”. ثمّ أين هما منظومتا “أس – 300” و”أس – 400″، واللتان يُفتَرَض أن موسكو سلَّمتهما إلى دمشق؟ يسأل الشعب السوري المقاوم، ويضيف “لماذا لم يضرب بوتين على الطاولة كما فعل خروتشوف“، في إشارة إلى الزعيم السوفياتي الكبير نيكيتا خروتشوف، الذي تولى الحكم بعد ستالين. “عروس سوريا تُضرَب وهي أقرب إلى أنف روسيا ونظرها وتنفُّسها”، يقول الشعب السوري المقاوم. وأضيفُ إلى أسئلة الشعب السوري العظيم سؤالاً مفاده: أين قوة روسيا التي تنافس على الكوكب؟ ألم تشعر بشظايا اللاذقية التي تناثرت من شدة الانفجار، وبقايا المنازل والممتلكات التي صهرتها أميركا عبر “إسرائيل”، تنفيذاً لحكم إعدام سوريا؟ أين روسيا من أميركا في اللاذقية إذاً؟

الإجابة بالطبع ليست ضعف روسيا، ولا خوفها من الرد. فأسئلتنا السابقة، وأسئلة الشعب السوري المقاوم، هي أسئلة ضميرية وبديهية وعروبية، وغير معنيّة بالحسابات والمصالح والاستراتيجيات الكبيرة. هي حالة غضب شعبيٍّ ثوريّ طبيعي، يجب أخذها في الاعتبار. أما الحقيقة، فأعتقد أنه يجب البحث عنها في الزيارات المتكررة لوزراء الدفاع الروس لفلسطين المحتلة، ولقاءاتهم قادةَ الاحتلال الإسرائيلي بين الحين والآخر، والاتصالات المتواصلة بين الطرفين، أو البحث عنها في الوضع الجيوسياسي الروسي الضيّق والصغير في منطقة الشرق الأوسط، مقارنة مع الوضع الأميركي الواسع والكبير.

إنها، من وجهة نظري، سياسة تبادل المصالح العالمية بين الأقطاب الكبرى. فالقصف الأخير على مرفأ اللاذقية في الأسبوع الأخير من عام 2021، للمرة الثانية خلال شهر واحد، إذا لم يكن لمصلحة روسيا، فهو بالتأكيد لا يضرّ مصالحها. وهذا هو المهم، تماماً كالتدخل الأميركي في كل صراعات المنطقة، وتدخل “إسرائيل” العسكري المتكرر في سماء سوريا. وإن صراع المرافئ خطر، أكبر من أي خطر آخر، فهو لا يتلاعب بمصالح الكبار فقط، بل ينسحب على الصغار أيضاً، ويؤذيهم، بالإضافة إلى الفقراء، المساكين، المواطنين الذين لا حول لهم ولا قوة، إلاّ عبر بعض الأعمال التي تؤمّن لهم قُوْتَهم وقُوْت عائلاتهم، والتي تعتمد أغلبيتها على عصب الدولة، ألا وهو المرفأ. وقصف هذا العصب هو قصف لكل الحياة. وهذا ما يحدث اليوم. مَن الذي يسأل سوريا كيف حالها بقدر ما يسأل عن حال أوراقه التفاوضية، والرتبة التي تتمتع بها مصالحه في سوريا نفسها، وبقدر ما يسارع إلى الحوار مع أصدقاء سوريا الأوفياء وكبار محور المقاومة في المنطقة، فقط لأجل حماية مصالحه. سوريا، في خريطة ما يسمى المجتمع الدولي، تُركت وحدها. وتُترك في كل مرة، تصارع الألم، لكنها ثابتة، في خريطة حلف المقاومة، لا تُصارع الموقف، والصبح قريب.

  • الوكالة العربية للأنباء

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا