أدوات الضغط على حزب الله وسبل المواجهة

176
  • شارل ابي نادر

لا يمكن لأحد من المتابعين، القريبين المؤيدين لحزب الله أو الخصوم المعارضين له، أو حتى المحايدين، إلا الاعتراف بأن هناك حربًا أشبه بكونية تشن حاليًا عليه، وبأن مروحة واسعة من الأطراف الاقليمية والدولية الفاعلة تنخرط في هذه الحرب على كافة المستويات السياسية والإعلامية والمالية والاستعلامية، والتي من غير المستبعد أن تتحول الى عسكرية، بتنفيذ إسرائيلي مباشر وبدعم اقليمي وغربي غير مباشر، أو مباشر في حال تطور الحرب المفترضة.

فلماذا تشن هذه الحرب على حزب الله بهذا المستوى غير المسبوق لناحية عدم التناسب بين موقعه وقدراته وبين مواقع الأطراف التي تستهدفه كدول إقليمية أو كبرى عالمية؟ وهل يمكن القول انه وبسبب مواقفه وقدراته أجبر تلك الأطراف مجتمعة على أن تتكتل لمواجهته وتعطي الأفضلية لاستهداف تلك القدرات التي يتمتع بها وبالتالي للعمل على انهاء دوره وموقعه وتبديد مواقفه المعروفة؟ واستطرادًا، هل يستسلم أمام هذه الهجمة الشرسة ويرضخ لهذه الأطراف ويسلم قدراته وينهي بنفسه دوره المتقدم لبنانيًا واقليميًا، أم أن لديه استراتيجية للمواجهة سوف يلجأ اليها ويصمد من خلالها وينجح في اثبات موقعه وموقفه ودوره؟

أساسًا، ما يتعرض له حزب الله من اتهامات وادعاءات، خاصة تلك المتعلقة بسلاحه ونفوذه وعلاقاته وتأثيراته في الاقليم، تضعها الأطراف التي تستهدفه في خانة خرقه لسيادة الدولة ولسيادة قرارها من جهة، وفي خانة التدخل في ملفات اقليمية غير معني بها بالاساس من جهة أخرى. لكن في الواقع، لم يعد مجهولًا السبب الرئيس الذي على أساسه يتعرض حزب الله لهذه الهجمة الشرسة، ويتظهّر بما يمثله معنويًا وسياسيًا وعسكريًا كرأس حربة في مقاومة “إسرائيل”: مقاومَتِه لها في محاولاتها تثبيت احتلالها للاراضي اللبنانية والعربية في سوريا وفلسطين، ومقاومته لها في محاولاتها تضييع حقوق العرب من مسلمين ومسيحيين في مقدساتهم التاريخية، وأيضًا، وهذا سبب أساسي ومهم، مقاومَتِه لها في محاولاتها المركّزة مدعومة من أطراف لبنانية واقليمية وغربية لفرض اتفاق تطبيع بينها وبين لبنان، من خلال السعي لإرضاخ الأخير عبر مسلسل واسع من الضغوط السياسية والاقتصادية والمالية، بعد اجباره على الصراخ مستغيثًا مناديًا بأنه جاهز لينفذ ما تريد هذه الأطراف قبل أن يلفظ انفاسه وينتهي ويموت.

من جهة أخرى، فإن الواقع المرير الذي يجعل موقف حزب الله أساسيًا ومفصليًا في مواجهة هذه الاستراتيجية الخارجية، هو أن السلطة السياسية اللبنانية ضعيفة ومفككة وفاقدة القدرة على لعب دورها الأساسي في هذه الحرب التي تشن على لبنان بهدف تطويعه وإرضاخه، فهي سلطة منقسمة على نفسها بشكل يثير الشفقة والاشمئزاز بنفس الوقت، لا تواصل بين أركانها، التواصل فقط بين هؤلاء يتم من خلال اتهامات قضائية وادارية يسوقها كل طرف بحق الآخر، أو عبر استهدافات سياسية واعلامية متبادلة، كل جهة ترمي المسؤولية في ما وصلت اليه البلاد على الجهة الأخرى، فأضحت هذه السلطة من وراء هذا الواقع، سلطة مقيدة وعاجزة، ليس فقط عن مواجهة الأجندة الخارجية، بل عاجزة عن وقف الانهيار المالي والاقتصادي، فقط كل ما تفعله أنها تقف متفرجة على جنوح البلاد الشامل والواضح نحو المجاعة والانهيار الكامل.

من هنا جاءت مسؤولية حزب الله المضاعفة، مسؤولية مواجهة الهجمة الخارجية، والتي كان من المفترض أن يتشارك فيها مع السلطات والأجهزة الرسمية، ومسؤولية إنقاذ ما يمكن إنقاذه من تماسك داخلي بالحد الأدنى المطلوب لتثبيت جبهة داخلية موحدة، تستطيع  اتخاذ الموقف المناسب أو الملائم للمواجهة على كافة الصعد.

أمام هذا التحدي المزدوج الذي يعيشه حزب الله، والذي فرض عليه أن يقف -وهو أم الصبي- موقف المسؤول الأول في هذه الحرب، أصبح واضحًا (بعد تاريخه المعروف بعدم الاستسلام وبالمواجهة) أنه سيحاول المستحيل للفوز في المعركة المزدوجة الاتجاهات: مواجهة الخارج من جهة، ومن جهة اخرى تحصين الداخل عبر تقريب وجهات النظر المختلفة والمواقف المتباعدة ولم شمل المكونات اللبنانية المشرذمة.

بمواجهة “إسرائيل” والأجندة الخارجية الداعمة لها، من الواضح أن موقف وموقع حزب الله هو موقف قوي، فهو يملك القدرات المناسبة وأسلحة الردع الكافية والمطلوبة، لمنع الكيان من تنفيذ أي اعتداء عسكري بهدف ارضاخ لبنان عنوة وانهاء قدرات المقاومة ونزع سلاحها، وهو يدير هذه المواجهة بطريقة حساسة ودقيقة ومتوازنة، بعيدًا عن ردات الفعل المتسرعة والمواقف غير المدروسة أو غير المناسبة، تاركًا للدولة ومن خلال مشروعية سلاحه عبر بيان كل الحكومات المتعاقبة، صلاحية التفاوض غير المباشر والتواصل الخارجي الذي يرعى موقعها في هذه المواجهة، مع تأكيده دائمًا أنه وراء السلطة اللبنانية الرسمية وداعم لها، في أي موقف تتخذه الأخيرة، وتحديدًا بكل ما هو مرتبط بالصراع مع الكيان الاسرائيلي، خاصة لناحية تحديد المناطق البرية التي ما زال يحتلها، أو لناحية النزاع حول تثبيت حدود المناطق البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة، أو لناحية التحفظ والاعتراض الدائم على خروقات “اسرائيل” لأجواء لبنان ولسيادته.

على خط تحصين الجبهة الداخلية من خلال إعادة التوازن الى عمل السلطات الرسمية اللبنانية، للوصول بهذه السلطات الى مستوى قادر على ادارة عملية مواجهة الانهيار المالي والاقتصادي، أو لتقوية الموقف اللبناني الشامل بمواجهة الهجمة الخارجية، هناك أكثر من ثغرة تواجه حزب الله، لعل أهمها وأكثرها تأثيرًا على تماسك أو توازن السلطة، هي الخلافات بين حلفائه.

ويعتبر حزب الله أن أولى الضربات لموقفه تكون حين ينجرّ (وفق ما يخطط كثيرون في الداخل والخارج) لِفتنة شيعية – شيعية، تماثلها أيضًا ضربة أخرى، فيما لو انزلق – ونتيجة الضغوط والكمائن التي يتعرض لها عمدا – الى حرب داخلية أو الى فتنة طائفية، وهذا ما تحدث عنه أكثر من مرة الأمين العام لحزب الله.

من هنا، ستكون استراتيجيته قائمة على التالي:

بالاضافة لتقوية وتثبيت موقعه الإقليمي كمقاومة تحمي لبنان وتردع العدو عن الاعتداء عليه، وتمنعه من التطاول على حقوقه وخاصة في الثروة البحرية، سوف يعمل كل ما يلزم لانهاء أو تقليص الخلاف بين حلفائه، والأهم أنه سوف يعمل، ومن خلال ما يتحلى به من صبر ومن حكمة وبعد نظر، على تبديد كل التباينات التي تعتري الملفات الخلافية الأساسية بينه وبين فريق رئيس الجمهورية، للانطلاق من جديد وضمن التفاهم الوطني الذي جمع الطرفين، في معركة حماية لبنان ضد الهجمة الخارجية من جهة، ولتحصين جبهته الداخلية بمواجهة تحديات الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي التي تهدده، من جهة اخرى.

  • المصدر/العهد الأخباري

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا