العوامل المؤثِّرة في السياسة الخارجيّة للولايات المتّحدة الأميركيّة

373
  •    ناصر خورشيدي/ محمد يوسفي جويباري/ سعيد كريمي / مهدي عباسي
  • ترجمة: محمد ابراهيمي كاوري

 المقدّمة

إنَّ دراسةَ السياسة الخارجيّة لأيّةِ دولةٍ ما، تستلزم من الباحث أن يدرسها بدقّة من خلال مراحلها التاريخيّة. ولكي ندرسَ السياسة الخارجيّة للولايات المتّحدة الأميركيّة لابدّ لنا من اتّباع هذه القاعدة. لقد مرّت الولايات المتّحدة، في سياستها الخارجيّة، بحقبتين مختلفتين تماماً، الأولى تبدأ منذ عهد الاستقلال إلى نهاية الحرب العالميّة الأولى، حيثُ كانت العُزلة هي سيّدُ الموقف للسياسة الخارجيّة، ويمكنُ تقسيمُ منطق العُزلة إلى قسمين: أحدُهما داخل حدود الولايات المتّحدة والآخر قارّيّ.

امتدّت فترة العُزلة الطويلة إلى زمن وصول “جيمس مونرو” إلى السلطة، ويعود السبب في ذلك إلى أنَّ رجال السياسة ومؤسّسي أميركا أرادوا تقوية البنية التحتيّة الاقتصاديّة، وتعزيز السلام والاستقرار والحريّة داخل أميركا ضمن الأهداف الأساسيّة التي رسمها مُشرِّعو الدستور في الولايات المتّحدة حيث أصبح ذلك أصلاً ونموذجاً للسياسة الخارجيّة.                                                                                                           وفي عام1823م، وحينما تولّى الرئيس “مونرو” منصبَه، شهدت الولاياتُ المتّحدة تغييراتٍ جوهريّة واسعة في منطق العزلة. والواقع أنّه حينما تحقّقت نوايا الدستوريين في أميركا وآتت أُكلَها، بدأ “جيمس مونرو” البحث عن المصالح الأميركيّة عبر القارّة الأميركيّة لا داخل حدودها، واستمرّت حتّى عام 1917م، وهو العام الذي قرّر فيه قادةُ هذا البلد المشاركة في الحرب العالميّة الأولى. يُعدُّ هذا العام عاماً محوريّاً في تاريخ السياسة الخارجيّة الأميركيّة، ففي أبريل من ذلك العام أعلن الرئيسُ الأرثودوكسي “ويلسون” دخول بلاده الحرب العالميّة، وذلك ردّا على هجمات الغواصّات الألمانيّة المتكرّرة على سفن الركاب التابعة لها. وبهذا، فقد قُضِيَ عمليًّا وبشكلٍ فعّال على سياسة العزلة، وفُرِضَ بدلاً عنها سياسة خارجيّة فعّالة ومهيمنة على جهاز الدبلوماسيّة الأميركيّة. ومن أجل ديمومة هذه الستراتيجيّة، حاولَ “ويلسون” وبجد الالتحاق بميثاق المجتمع الدولي الذي اقترحه بنفسه، غير أنّ تطلّعاته لم تتحقّق، لأنّها اصطدمت بصخرة الرفض من قِبل الكونجرس ونهاية الحرب العالميّة الأولى، فعادت أميركا الى ما كانت عليه من سياسة العزلة تارةً اُخرى.

ومع بداية الحرب العالميّة الثانية، لاسيّما أثناء الهجوم الياباني على ميناء “بيرل هابر” في ديسمبر1941م، تحسّسَ الأمريكيّون مرّةً أخرى تجاه القضايا الدولية. ومنذ ذلك الحين فصاعداً، تغيّرَ منطق الجهاز الدبلوماسي الانعزالي، وإن كان لم يُطبّق دائماً، وخلفته دبلوماسيّة أكثر تواجداً ونشاطاً في الساحة الدوليّة.

وهنا لابدّ من الإشارة إلى أنَّ هذا التحوّل جاء بسبب التوتّرات والخلافات بين الحليفين السابقين (الولايات المتّحدة والاتّحاد السوفيتي)، وقد أدّى إلى بدء الحرب الباردة بينهما، والتي استمرّت خمساً وأربعين سنة حتّى عام 1989م، وهو العام الذي انسحب فيه قادة الاتّحاد السوفيتي من المنافسة مع الولايات المتحدة الأميركيّة.

ومع تفتّت الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة، طرأت تغييرات هامّة في السياسة الخارجيّة التقليديّة للولايات المتحدة، فقد أنهى انهيار الاتحاد السوفيتي الصراعَ بين الشرق والغرب، تاركاً الولايات المتحدة مهيمنةً دون منازع، حيث انتهت القطبيّة الثنائيّة ودخلت الولايات المتحدة مرحلةً جديدة سمّاها الكثيرون بـ “عصر القوة العظمى أو القطبيّة الأحاديّة للولايات المتحدة الأميركيّة”. وفي هذه الحقبة الجديدة، وعلى عكس حقبة الحرب الباردة التي اقتصرت سياساتها وستراتيجيّاتها على مواجهة الإجراءات السوفيتية المضادة، فقد راحت أميركا تنفّذ سياستها الدولية دون أي ضغط من أيّ قوّةٍ وبلا أيّ قيد.

ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّ الولايات المتحدة اكتسبت قدرة كبيرة لدرجة أنّ روسيا، التي كانت ضمن هيكل الاتحاد السوفيتي خلال الخمسة والأربعين عاماً من الحرب الباردة، صارت محدّدةً في كثيرٍ من القضايا، وذلك عن طريق الحِيَل والأساليب المختلفة (لاسيما في غزو أفغانستان الذي كانت غايته التأثير على سياسة أميركا في الشرق الأوسط)، حيثُ اتخذت أميركا سياسةً خاصة تتناسب مع مصالحها الستراتيجيّة.

إن تَوسُّع الناتو شرقاً، وإنشاء قواعد عسكرية في مناطق كانت خاضعة للنفوذ السوفيتي، وتدخّل أميركا في حرب الخليج الثانية وإخراجها قوّات صدّام حسين من الكويت، وتدخّلها في أزمة كوسوفو، واحتلالها أفغانستان ثمّ العراق، كلّ هذه تُبرهن على سياسة التدخّل الأميركيّة بعد الحرب الباردة.

على أيّة حال، إلى جانب الدراسات التاريخيّة للسياسة الخارجيّة الأميركيّة، فإنّ تحديدَ المعايير المؤثّرة على ستراتيجيّة الهيمنة لهذا البلد، بعد عام 1917، سيكون على جدول الأعمال أيضاً، وبما أنّ هذا البلد يمتلك نظاماً سياسيّاً واجتماعيّاً منفتحاً واقتصاداً متطوّراً، وثقافةً نافذة، ودولةً كبيرة من حيث القدرة العسكريّة، فمن المتوقّع أن يكون دور المتغيّرات: المجتمع، والحكومة، والنظام الدولي، والأفراد، مؤثراً، في الظروف العاديّة، على السياسة الخارجيّة. ولكن بما أنَّ درجة تأثير كلِّ واحدٍ من هذه المتغيّرات تعتمدُ على حجم الدولة من الناحية العسكريّة، وكذلك نوع النظام السياسي والاقتصادي والثقافي، مع ارتباطها بالمجالات الموضوعيّة أيضاً، فعليه، لا يمكن اعتبار الترتيب أعلاه ثابتاً ومستقرّاً في جميع الظروف والحالات.   وفي الجواب عن السؤال الذي يقول: ماهي المكونات التي اعتبرها “جيمس روزينا” أكثر تأثيراً من غيرها في تبنّي ستراتيجيّة الهيمنة الدوليّة في السياسة الخارجيّة الأميركيّة؟ يبدو أنَّ الترتيب أعلاه سيتغيّر ويتحوّل بشكلٍ كبير.

إنّ فرضيّة البحث تدّعي أنَّه في الفترة ما بين الأعوام 1917 إلى 1989 – ونظراً للظروف الخاصّة التي كانت تتحكّم بالأنظمة الدوليّة والأزمات والتحدّيات الناشئة بسبب الحربين العالميتين الأولى والثانية، وبدء الحرب الباردة – كانت المتغيّرات المنهجيّة والفرديّة في السياسة الخارجيّة لهذا البلد أكثر تأثيراً من باقي أخواتها.

أمّا في الفترة التي تلت الحرب الباردة، وحينما اكتسبت الولايات المتحدة الأميركيّة موقعاً مُهيمناً ومُتحكّماً في النظام الدولي، أصبحت المتغيّرات الوطنيّة والحكوميّة هي التي تلعب دوراً رئيسيّاً في صياغة السياسة الخارجيّة لهذه الدولة.

نظريّة التماسك لجيمس روزينا

لقد تمّ تحليل السياسة الخارجيّة من خلال وجهات نظر مختلفة من الباحثين في هذا المجال، وقد ركّز بعضُ منهم، مثل جاك سنايدر، وسبروتس، وغراهام إليسون، وهالبراين، على دور ممثّلي الحكومة والخصائص الفرديّة لكلّ دولةٍ في تشكيل السياسة الخارجيّة، بينما يتجاهل البعض الآخر، مثل والر شتاين وكينيت والتز، إمكانية تأثير القوى المكوِّنة للنظام الدولي في بناء محور وأُسس تحليلاتهم وفقاً لهيكل النظام والعوامل المنهجيّة المستحكمة فيه.

يُوجد مفكرون من أمثال ألكساندر وينت، وجون روغي، بالإضافة الى علماء السلوك مثل باتريك مورغان وجيمس روزانا، الذين وضعوا جانباً ثنائيّة الهيكل ـ المنفِّذ، وحاولوا ـ من خلال اتّباع منهجٍ تلفيقي ـ أخذ التأثير المتزامن لهذين المتغيّرَين في نظر الاعتبار في تحليلهم العلمي.

وعلى مستوى التوظيف أو مستوى التحليل الجزئي، والذي يجلب في الغالب اهتمام المُنظّرين، يجري النظر في تأثير الموارد الداخليّة في تشكيل السياسة الخارجيّة للدول. وفي الحقيقة، يمكننا تقديم تحليلٍ صحيح للسياسة الخارجيّة لدولةٍ ما، عندما يتمّ أخذ جميع العوامل والجوانب التي تتشكّل منها تلك الدولة، لاسيّما تلك التي تُعتبر من سماتها الفريدة، كالثقافة والاقتصاد والتاريخ والجغرافيا والآيديولوجيّة وغيرها… في الحسبان. وعلى العكس من ذلك فإنَّ التحليل البنيوي يتجاهل الخصائص الفرديّة والمميّزة لكلِّ دولة، ويتعامل معها وكأنّها كرات بيليارد، تصدر منها أفعال متساوية وسلوكيّات مشتركة (سيف زاده، 1385: 44).

وعلى النقيض من تفسيرات السلوك القائم على الفاعل أو النظام، فإنَّ النهج التلفيقي لجيمس روزانا يرى أنَّ السياسة الخارجيّة للدول تتأثر بخمسة متغيّرات: الفرديّة، والدور، والحكومة، والشعب أو المجتمع، والنظام (421: 1980 Rosenau) والتي سيتم شرحها بالتفصيل فيما بعد.

1.              المتغيّر الفردي

يتطرَّق هذا المتغيّر إلى السمات الشخصيّة للفرد أو المنصب الذي يشغله في السلطة، فهي سماته الخاصّة به، وهي نتيجة تجارب وخبراتٍ فرديّة لا حكوميّة.

ومن وجهة نظر “روزانا ” في هذا السياق، فإنَّ قِيم الفرد ومواهبه وتعاليمه واتّجاهاته وتجاربه السابقة ستكون في الحسبان0 (421: 1980 Rosenau) ويركّز علماء النفس، المتخصّصون في المجال السياسي، في دراساتهم على الأفراد، على أنَّ المعايير السلوكيّة تقوم بدور حاسم في نوع وكيفيّة اتخاذ القرار، ويرون أنّه إذا طرأ تغيُّرٌ على السياسيين، فإنّ ذلك سيؤثّر على السياسة الخارجيّة (قوام، 1390 :243). فإذا نظر الباحث من هذا المنظار إلى القضايا الدوليّة، فعليه الانتباه إلى الخصائص النفسيّة والسلوكيّة لصنّاع القرار كرؤساء الدول ووزراء الخارجيّة والدفاع وما إلى ذلك… لهذا يجب الانتباه إلى أنّ ما ذُكر من التحليل يكثر بشدة في مجتمعات الجنوب. وهذا التحليل للسياسة الخارجيّة يتخذ مكانه في إطار التحليل الجزئي، والتحليل الجزئي هو الذي يتبنّى الخصائص الفرديّة لكلّ حكومةٍ وطنيّة.

ومن خلال هذه الطريقة، يمكن قراءة الاحتمالات التي تنتج عن الخصائص الفرديّة لكلّ بلدٍ وتأثيرها عليه (سيف زاده 1385 :42-43).

2- متغيّر الدور

بخلاف المتغيّر المتعلّق بالشخصيّة والذي يتحدّث عن السمات الفرديّة لصنّاع القرار في السياسة الخارجيّة، كالخوف والشجاعة والصبر والثقة بالنفس وما شابهها، فإنّ متغيّر الدور يُولي المزيدَ من الاهتمامات للمميّزات الإداريّة والتنظيميّة والمؤسساتيّة. فكلّ منصب له مميّزاته الخاصة به، وحينما يتقلّدُ الفردُ ذلك المنصبَ، فمن الضروري أن يقوم بدورٍ بنّاء يناسب شخصيّته.

3- المتغيّر الحكومي

يناقش هذا العامل حدودَ الهيكل الداخلي في تشكيل السياسة الخارجيّة، وفي هذا الإطار ينصبُّ التركيزُ الرئيسي على المؤثرات التي يتقيّد بها وكلاء السياسة الخارجيّة وصنّاع القرار، وهنا سيكون الاهتمام بهيكلة الحكومة وماهية ونوع النظام السياسي ودساتير الدول في تشكيل السياسة الخارجية.

4-المتغيّرالوطني أو (المجتمع)

يعتني هذا العامل بتركيبة الثابت والمتغيّر في تشكيل السياسة الخارجية، والعوامل الثابتة هي التي ليس للحكومة والشعب دورٌ في تشكيلها. ويُعدّ الموقع الجغرافي والجيوسياسي الذي يتمتّع به شعبٌ ما، ومقدار الموارد الجوفية، والتجارب التاريخيّة التي مرّ بها، من بين العوامل المؤثرة دائماً على السياسة الخارجيّة للدولة. وفي المقابل، هناك بعض الخصائص الوطنية والاجتماعية المتغيّرة، وقد لعبت حكومات الدول دوراً رئيسيّاً في ظهورها.

من هذه العوامل المتغيرة: مستويات التطوّر، ونوع الآيديولوجيا، والثقافة العامّة، والسياسة. ولهذا، حينما تتمّ ملاحظة السياسة الخارجية المختلفة لدولةٍ ما في الفترات الزمنيّة المختلفة، فإنَّ ذلك يرجع إلى التغييرات التي تحدث في هذه المناطق. وبشكلٍ عام، فإنّ الموارد الاجتماعيّة أو الوطنيّة هي جوانب ومظاهر غير حكومية تؤثّر على السياسة الخارجيّة. وفيما يتعلّق بالعوامل الاجتماعيّة، ينبغي النظر في نوع النظام الاقتصادي، وتاريخ الأمم، والتكوين العِرقي والقومي والديني، ومقدار نشاط الجمعيّات ذات الصلة، والأحزاب السياسيّة ودور الإعلام في تحديد الأجندة العامة (دهقاني،1389 :61).

 5- المتغيّر المنهجي أو البيئي

هذا المتغيّر، وبعكس الحالات السابقة التي كانت تركز على العناصر الداخلية في تشكيل السياسة الخارجية، يُعنى بتأثير البيئة الخارجيّة والخصائص الهيكليّة للنظام الدولي، ووفقاً لنظريّة روزينا، فإنّه من الممكن أن يكون لهذا التأثير أبعاد إنسانيّة أو غير إنسانية. والحقيقة أنّ أيّ عمل يحدث في الخارج وله تأثير في السياسة الخارجية ستتم دراسته وفقاً لهذا المتغيّر (Rosenau,1980: 428).

روزينا، وعلى العكس من المفكرين البنيويين لا ينظر، في العلاقات الدوليّة، إلى السياسة الخارجيّة للدول على حدٍّ سواء، بل يعتقد أنّها ترتبط بالمكانة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية لهذه الدول، وعلى هذا الأساس ستختلف السياسة الخارجية للدول، ويقيّم مدى تأثير المتغيّرات الخمسة في الدول المختلفة، ووفقاً لنظريّة روزينا فإنّ الهياكل الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وحتى المجالات الموضوعيّة، هي التي تحدد تأثير المتغيّرات الخمسة في السياسة الخارجية. وبناءً على هذا، فقد قسّمَ روزينا الدولَ من الناحية العسكرية الى قسمين: دول كبيرة ودول صغيرة، ومن الناحيّة الاقتصاديّة إلى دول متطوّرة ودول متخلّفة، ومن الناحية الاجتماعيّة والسياسيّة إلى دول منفتحة ودول منغلقة، ومن الناحية الثقافيّة إلى دول مخترَقة ودول غير مخترَقة.

فهو يرى أنّ الدول الكبرى المتقدّمة اقتصاديّاً، ولكنّها غير منفتحة اجتماعيّاً، ولا تملك ثقافةً راسخة، تشكِّلُ سياستها الخارجيّة وفقاً للترتيب التالي: الدور، الفرد، الحكومة، النظام الدولي، والمجتمع الخارجية (المصدر نفسه، 133- 169).

 دراسة موجزة عن التطورات والخصائص الداخليّة للولايات المتحدة الأميركيّة

     أ.  دراسة الأوضاع الاجتماعيّة والثقافيّة

إنّ ما یُسمّی الیوم بالولایات المتحدة الأميرکیّة کان نتیجةً لتزايد الهجرة الرسمیّة وغیر الرسمیّة، التی بدأت منذ القرنین السادس عشر والسابع عشر.

وكان المهاجرون الأوائل، أو بالأحری الغزاة الاُوربیون، الذين غزوا الأراضي المکتشفة حدیثاً هم الإسبان الذین استطاعوا الاستیلاء علی أجزاء واسعة بعد تغلّبهم علی المکسیک عام 1522، غير أنّ الذي جلب انتباه الدول الأوروبیّة، ولاسیّما بریطانیا، نحو البلدان الجديدة هو انتشار کتاب “ذکریات السفر إلی العالم جدید” الذي كتبه أمریکو فسبوتشی، والأمر الآخر هو الغنائم الضخمة التی تدفّقت من منطقة البحر الکاریبی وبیرو إلی إسبانیا. وفي عام 1607، أنشأ البریطانیّون، تأسّیاً بالمستعمِر الأکبر لقارة أميركا، أي إسبانیا، اوَّلَ مستعمَرةٍ لهم في الجزء الشمالي من القارة (جیمس تاون). هذا وكانت سياسة تنامي المستعمرات تتمّ بإذنٍ من الحکومات المتسلّطة آنذاك. وفي بدایات القرن السابع عشر، تغیّر هذا النهج، وفي هذه الفترة ترك الکثیرُ من المهاجرین الأوروبیّین منازلَهم فی أوطانهم بسبب الضغوط السیاسیّة والدینیّة علی أمل الحصول علی ظروفٍ ومکانةٍ أفضل فی البلاد الجدیدة.                                                                            كما أنّ اندلاع الحرب الأهلیة  فی انجلترا  بین عامي  1651و 1642، والدمار الناجم عن الحروب الدینیّة التی دامت ثلاثین عاماً بین المجتمعات الأوروبیّة، والسیاسات الاستبدادیّة لبعض الأمراء فی المناطق الناطقة بالألمانیّة فی أوروبّا، لاسیّما، ما یتعلّق بدین المهاجرین الأوروبیّین، قد زاد في هجرة الأُوروبيّين إلى البلاد الجديدة.

تُشیر التقدیرات في عام1790 إلی أنّ مابین ستّین إلی ثمانین في المئة من سکّان أميرکا کانوا من أصولٍ إنجلیزیّة أو ویلزیّة، وکان أربعة عشر في المئة من أصولٍ اسکتلنديّة وآیرلنديّة.

وفي بدایة القرن التاسع عشر، هَاجر الآیرلندیّون والألمان إلى الولایات المتّحدة، وبعد الحرب الأهلیّة بدأ تدفّقٌ هائل من المهاجرین الذين کان أغلبهم من جنوب وشرق أوروبّا. وفي نهایة القرن التاسع عشر، أدّت الحرکة الواسعة داخل الولایات المتحدة إلى ظهور الإمبریالية، وكانت حصيلة هذا الظهور احتلال “بورتوریکو” و “هاواي” والفلبّین. وبعد سنواتٍ من ذلك، حصلت الفلبّین علی إستقلالها التام، أمّا “هاواي” فقد اتّخذت في عام 1959منهجاً آخر لتصبحَ الولایة الخمسین من الولایات المتّحدة ولتکون أوّل ولایةٍ تضمُّ أغلبیّتُها سكّاناً آسیویين.

لقد أوجدت الهجرة الکبیرة من الناطقین بالإسبانیة إلى “بورتوریکو” و”المکسیک” و “کوبا “، إختلافاتٍ عرقیّةٍ معقّدة. ومنذ العام 1970 إلى العام 1980، شهدنا هجرةً واسعة من الفیتنامیین والکوریین إلى أميرکا. هذا وإنّ المشاکل التي تواجه نظاماً سیاسیّاً أو مجتمعاً یسعی إلى استیعاب مختلف الجنسیّات والأعراق علی نطاقٍ واسع، هي حقاً من المشاکل المُریعة، وأقل ما یمکن قوله في هذا الصدد هو إنّ الأفراد حینما  یهاجرون إلى بلادٍ ما، فإنّهم یصلون إلى هناك وهم یحملون معهم عناصرَ مختلفةً  کاللغة والدین والعادات والتقاليد، كما يحملون رُؤیً حول المعضلات السیاسیّة والاجتماعیة. وقد أحدث هذا الأمرُ تعقیداً في الحیاة إلىومیّة داخل أميرکا، ويجب أن نضع في عين الاعتبار أيضاً أنّ ما حقّقته الولایات المتحدة من نجاحاتٍ كتأسیس دولةٍ موحّدة من هؤلاء الناس ومن مختلف الأعراق في زمنٍ کانت تشتدّ فیه المشاکل العِرقیّة في أرجاء العالم، رغم عيوبها ونواقصها، كانت أقرب إلى المعجزة. (وایل 1390: 18-17).

    ب:  دراسة التطوّرات والأوضاع الإقتصادیّة للولایات المتّحدة الأميرکیّة

لقد أوضح مدوّنو إعلان الإستقلال الأميرکي في الرابع من یولیو لعام 1776، واقتباساً من الرسالة الثانیة لجون لاك (حول الدولة)، أنّ اللیبرإلىة بجمیع حذافیرها وأبعادها ستکون هي الأساس العملي لسلوك أهالي هذه البلاد. ولم یغب المجال الاقتصادي عن هذه النقطة الهامّة، حیث إنَّ قادة ومؤسّسي الولايات المتّحدة أکّدوا علی مواضيع منها الفردانیّة، والتجارة الحرّة، وعدم تدخّل الحکومة في الأمور الإقتصادیّة، وبناءً على هذا أعدّوا الأرضیّة لإنشاء اقتصادٍ لیبرالي. وقد عزز التأکید علی هذه المقولات، لاسیّما “التجارة الحرّة”، من التجارة في هذا البلد، وطوّر الاقتصاد الزراعي الأميرکي بشکلٍ جذري. وکان مقتضی عمل التجارة أن یترك الفرد أرضه وزراعته ویشدُّ الرحال دائماً إلى أماکن بعیدة، وقد تستغرق هذه الرحلات أشهراً  أو سنوات للحصول علی المزید من الأرباح، وهکذا فقد انخفضت مکانة الزراعة التي کانت مصدراً أساسیّاً لمعیشة المهاجرین الأوروبیّين.

إنّ مثابرة رجال الأعمال المحترفین، مثل جون دي روکفلر کبیر تجّار المواد الغذائيّة، وبعد ذلك  سیّد حقول النفط الأميركيّة والفولاذ “أندرو کارنیجي “، و”جون بیبر بون مورغان” الأب المؤسس للمصارف،  و1500 أسرة من نیویورك، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرین، هم الذين جلبوا  النموّ والازدهار إلى الاقتصاد الأميرکي (سازمند 1390 :20)، إذ إنّ أميركا في الأیام الأولی من القرن العشرین، کانت تصنع ما یقارب نصف سلع وبضائع العالم، وتسیطر علی سدس صادرات الكرّة الأرضيّة، واختصّت لنفسها بثُمن واردات العالم. کما قامت الشرکات الأميركيّة مثل شركة (ستاندارد أویل) و(جنرال موتورز) و(فورد) و(انترناشنال بیزنس ماشینز) و(سینکلر) و(انترناشنال هاروستر) بتوسیع فروعها حول العالم.

وفي عام 1929، أصبح الدخل القومي للولایات المتحدة یعادل إجمالي الدخل لـ 32 دولة، بما فیها بریطانیا العظمی وفرنسا وألمانیا وکندا واليابان. (آمبروز، 1392   :12)

إنّ هذا النمو والنجاح الاقتصادي الذي تحقّق  للشعب الأميرکي یعود إلى المبادیء والقیم التي کان مصدرها الاقتصاد القائم علی التعاليم اللیبراليّة.  ولکن لم یمض زمن طویل حتی حدث انهیارٌ في سوق الأسهم في وول ستریت في صیف 1929، فتبدلّت  الآمال والتفاؤل والنرجسیّة التي حصلت في اللیبراليّة الکلاسیکیّة، إلى خیبة أملٍ ویأس. إنّ انهیار سوق الأسهم في وول ستریت والأزمة الاقتصاديّة التي أعقبتها، والتي لم تقتصر على الولایات المتحدة، بل اجتاحت اُوروبا أیضاً، جعل دعاة  آراء التجارة الحرّة أمثال آدم سمیث ودیفید ریکاردو، الذین کانت آراؤهما هی المسیطرة منذ بداية القرن التاسع عشر حتی مطلع القرن العشرین، يواجهون تحدّیاً صعباً. وفي هذه الفترة من الزمن، ظهرت فکرة تقلیدیّة أخری أخذت  أفکارها  من  کتابات “جون مینارد کینز”، فأصبح اتّباع سياسة (السلوک الجدید) في الولایات المتحدة من الضرورات، وعلی أساسها یجب علی الحکومة  التدخّل للمساعدة في النمو والثبات الاقتصادي. (هايدن، 2010  :44م)

وکان “روزفلت”، مرشّح الحزب الدیمقراطي، قد استلم زمام الرئاسة بعد اثني عشر عاماً من حکومة الجمهوریّین، فقام بالاعتماد على مبادئ “كينز” بتنفيذ سياسة “New  Deal (الصفقة الجديدة أو الاتّفاق الجديد)” وبعض التعديلات في مبادئ الليبرالية الكلاسيكيّة للسيطرة على الأزمة الاقتصاديّة في هذا البلد واستعادة الاقتصاد الفاشل الى ما كان عليه، فشرعت عجلة الانتاج بكل قواها. وأخيراً، شارك “روزفلت” في الحرب على أمل أن يؤمّنَ المصالحَ الاقتصاديّة لأميركا في المستقبل بعد نهاية الحرب وتقسيم العالم. هذا وقد زادت الحرب العالميّة الثانية الفجوةَ بين أميركا المتطورة  اقتصاديّاً وبقيّة دول العالم.

لقد أدّت الحرب العالميّة الثانية إلى خسائر وأضرار فادحة وجسيمة للدول الكبرى المشاركة في الحرب، غير أنّ الولايات المتّحدة، لكونها بعيدةً عن ساحات القتال، لم تتعرّض إلى أضرار، وإنّما قامت باستخدام أحدث الآلات المتطوّرة بقيمة 25 مليار دولار، ممّا أدّى إلى زيادة قوّة الإنتاج بنسبة 50%، وكانت النتيجة ازدياد عائدات هذا البلد إلى أكثر من 50%.

بعد نهاية الحرب، كانت نصف بضائع العالم قد تمّت صناعتها في أميركا، كما كانت نصف الباخرات والسفن في العالم من ممتلكات الولايات المتّحدة. وحتّى بعد مرور سنتين على الحرب، كانت أميركا تشكّل ثلث صادرات العالم، بينما كانت وارداتها من العالم تشكّل 10%.

إنّ الدخل القومي الذي كان في عام 1937، 74 مليار دولار، أصبح في العام 1944 (200/18) دولار، ورغم أنّ 12 مليون رجل وامرأة نُقلوا إلى القوّات المسلّحة، إلّا أنّ مستوى الإنتاج الصناعي قد ارتفع بنسبة80 %. أمّا المحاصيل الزراعيّة، فقد تزايدت بنسبة 36%، كما ارتفعت أسعارها خلال الحرب من 6 مليارات و 400 مليون إلى 18 مليار و 200 مليون دولار. (أمبروز1392 :15-17)

إنّ هذه القوة جعلت الولايات المتّحدة قادرةً على تلبية حوائجها المحلّيّة، وفي الوقت نفسه قادرةً على مساعدة أوروبا التي كانت تعيش حالة الحرب وإعادة البناء، وأن تنقذها من خطر الشيوعيّة كما هو المدعى.

كان إقراض تركيا واليونان مبلغاً مقداره 400 مليون دولار، ولأوروبا كذلك في إطار خطّة مارشال البالغة 5  ميليارات دولار، يبيّن جزءاً من القدرة الاقتصاديّة  للولايات المتحدة الأميركيّة، حيث استطاع قادتها، وبفضل اقتصادهم القوي والديناميكي، أن يمرروا خطتهم الدفاعيّة الستراتيجيّة المعروفة بحرب النجوم، وهكذا استطاعوا أن يساعدوا في انهيار وتجزئة الاتحاد السوفيتي. كما أنّ أميركا حاليّاً، ومن خلال أكثر من 15 تريليون دولار من الناتج الداخلي (Economy watch, 2016)، تتفوّق على  أكبر الاقتصادات الثلاثة التي تليها.

 

    ج: دراسة الأوضاع السياسيّة للولايات المتحدة الأميركيّة

1.الفيدراليّة ومبدأ فصل القوى

كما ذكرنا آنفاً، فإنَّ مؤسّسي الولايات المتّحدة الأميركيّة، ومن خلال تأكيدهم على الفلسفة الليبراليّة، قد أصرّوا على المبادئ والقيم التي أقرّها “جون لوك” الفيلسوف الإنجليزي الكبير في القرن السابع عشر، في اُطروحته الشهيرة تحت عنوان “حول الحكومة”.  ومن تلك القيم: الحرّيّة الفرديّة، والمساوات، والتكافؤ في الإستفادة من الفرص المتساوية أمام القانون، ومراعاة القوانين، والحق في تقرير المصير، والنشاط الاقتصادي الحُرّ، وحكومة الأغلبيّة، وحقوق الأقليّات، وحرّية التعبير، وفصل القوى داخل الحكومة، والحقوق الطبيعيّة، وتكافؤ الفرص للمشاركة في الشؤون العامّة ورعایة القوانين. (کوغلی وفیتکوف 1388: 368).

غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ما الإطارالإداري الأفضل الذي  يمكن فيه تنفيذ  القيم المشار إليها في مجتمعٍ تعددي  كالمجتمع الأميريكي؟

فمن ناحية، كان هناك  مركزيّون مثل “ألكسندر هاملتون”، الذي كان يريد الكثير من السلطة للحكومة الفدراليّة، ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّ الفدراليين مثل “توماس جيفرسون”، كانوا يعملون لصالح الجنوبيّين والقرويين ويطالبون بالسيادة المحدّدة للحكومة. وأخيراً، ومن خلال التعديلات التي طرأت على بعض المبادئ ومحتوياتها، هدأت الخلافات السياسيّة والقانونيّة المذكورة أعلاه، والتي كانت موجودة بين الولايات الثلاث عشرة الأولى أيضاً، ومُهّدَ الطريق لإيجاد نظام سياسي فيدرالي مع سيادة محدودة، حيث لاتستطيع أيّة ولاية أن تكون لها سيطرة  وإشراف على ولايةٍ أخرى.

لقد كان مؤسّسو دستور الولايات المتحدة مُصمّمين على الحدّ من استخدام السلطة استخداماً غير مشروع من قِبل أعضاء الحكومة الحديثة النشأة، وكانت لديهم تجربة ما أسموه باستبداد وطغيان الملك “جورج الثالث” ملك إنجلترا وحكّام المستعمرات الموالين للملك. ومن جهةٍ أخرى، فإنّ تطرّف مقنّني الولايات بعد الثورة، قد أخاف هؤلاء، حالهم كحال معظم أثرياء وملّاكي القرن الثامن عشر، حيث كان واضعو الدستور الفيدرالي لم يؤمنوا بالقدرة الكبيرة للحكومة في أداء واجبها، وكانوا يخافون الفئتين: المستبدة والديمقراطية، وكانوا يريدون الهروب من الاستبداد الفردي أو الجماعي؛ ولهذا صاغوا الدستور بطريقةٍ فكّكوا من خلالها أقسام الحكومة وأحدثوا التوازن بينها، حيث لايستطيع أيُّ الشرّين من الظهور. وفي الوقت الراهن، فإنّ النظريّة المزدوجة، فصل القوى والتوازن بينها، تُعتبرُ ميزةً يمتاز بها دستور الولايات المتّحدة (وايل 1390: 9-10)، ولهذا اُنشئ النظام المذكور (المواجهة والتوازن) لمنع تفوّق إحدى القوى الثلاث (التشريعيّة والقضائيّة والتنفذيّة) على الاُخرى. ففي هذا النظام كلّ قوّةٍ تشرف على  القوّتين الأخريين وتراقب فعاليّتهما. على سبيل المثال، رغم أنّ رئيس الجمهورية يُعيّنُ أعضاء المحكمة العليا وقضاة الفدراليّة مدى الحياة، غير أنّه يجب حصول ذلك بموافقة مجلس الشيوخ. أضف إلى ذلك أنّ مجلس النوّاب هو الذي يتحكّم في الميزانيّة، وبالتالي يستطيع رفض تخصيص الأموال للمشاريع التي يعنى بها الرئيس.

  • شبكة الهدف للتحليل السياسي والاعلامي

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا