ماذا وراء دعوات دول الخليج لتكثيف التعاون مع الأردن؟

155

في دورته الـ32 المنعقدة في كانون الأول/ديسمبر 2011؛ وافق المجلس الأعلى لدول الخليج على “دراسة مجالات التعاون المشترك بين دول مجلس التعاون، وكل من الأردن والمغرب، وشكّل عددا من لجان التعاون المتخصصة في هذا الشأن وصولا إلى الشراكة المنشودة” وفق البيان الختامي الصادر آنذاك.

ومنذ ذلك الحين؛ درجت البيانات الختامية الصادرة عن الاجتماعات الدورية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، على تأكيد أهمية الشراكة الاستراتيجية بين المجلس والأردن، وكان آخرها البيان الصادر الثلاثاء الفائت، عن الدورة 42 للمجلس، التي أقيمت في الرياض.

ووجّه المجلس إلى “تكثيف الجهود لتنفيذ خطط العمل المشترك المتفق عليها، في إطار الشراكة الاستراتيجية بين مجلس التعاون والأردن”.

وبينما يرى مراقبون أن التأكيد الأخير لأهمية “الشراكة الاستراتيجية” مع الأردن، يأتي في سياق السلوك الخليجي المعتاد منذ 10 سنوات؛ يذهب آخرون إلى التأويل السياسي لذلك، بالنظر إلى تعقيدات المشهد في المنطقة، وخصوصا ما يتعلق بالتقارب بين بعض دول الخليج وإسرائيل، والصراع الجيوسياسي بين الإمارات والسعودية، وقرب الوصول إلى اتفاق نووي جديد مع إيران، والحاجة الأمريكية إلى مساهمين في دعم الأردن.

 

اقرأ أيضا: هل يحسن “إعلان النوايا” العلاقات الأردنية الإماراتية؟

رغبة خليجية قديمة

ورأى عضو لجنة الأخوة البرلمانية الأردنية مع دول الخليج العربي واليمن، النائب موسى هنطش، أن الإجماع الخليجي على الشراكة الاستراتيجية مع عمّان، نابع من رغبة خليجية سابقة بأن تكون الأردن جزءا من منظومة مجلس التعاون.

وقال لـ”عربي21″؛ إن العلاقة القائمة بين الأردن ودول الخليج “متميزة جدا”، لافتا إلى ضرورة تطوير العلاقة بين دول الخليج والأردن بجميع مستوياتها، “فاللغة والدين والعادات والتقاليد واحدة، وأي تشاركية بين الطرفين هي في مصلحتهما معا”.

وأضاف هنطش أن “واشنطن تحاول السيطرة على دول المنطقة، وتوجيه بوصلة علاقاتها إلى الوجهة التي تريد، ولكن ليس بالضرورة أن يكون الدعم الخليجي مرتبطا بالرغبة الأمريكية، فليس غريبا أن تقدم دول الخليج دعما للأردن”.

وأوضح أن الحديث الخليجي عن الشراكة مع الأردن ليس بالأمر الجديد، فما جاء في البيان الختامي لدول التعاون لا يعدو مجرد تأكيد قناعة خليجية قديمة، مشيرا إلى أن هذا التأكيد يتوافق مع سعي الملك الأردني عبدالله الثاني إلى بناء علاقات متينة مع الجميع.

خارج القاموس الدبلوماسي

ولكن ثمة من يرى أن تأكيد “أهمية الشراكة الاستراتيجية الخاصة بين مجلس التعاون والأردن” يتجاوز تعبيرات القاموس الدبلوماسي، لا سيما وأن بنية النظام السياسي الأردني تتساوق مع بنية النظام السياسي الخليجي، وفق مراقبين.

ويؤيد ذلك مدير مركز الطريق الثالث للاستشارات الاستراتيجية، عمر الرداد، الذي قال لـ”عربي21″؛ إن “للجغرافية السياسية أحكامها في علاقات الأردن مع دول الخليج”، لافتا إلى أن الأردن يرتبط “بعلاقات دافئة مع دول مجلس التعاون، رغم تفاوت مستوياتها بين دولة وأخرى”.

وأضاف أنه “لا يمكن الفصل بين التأكيد الخليجي لاستراتيجية العلاقة مع الأردن في القمة الأخيرة، والتحولات العميقة التي شهدتها المنطقة قبيل انعقاد القمة، وعنوانها استعداد القوى الفاعلة لتسويات كبرى ظهرت تجلياتها بالمصالحات الخليجية بين الدوحة وجيرانها، وبمصالحات أنقرة مع الرياض وأبوظبي”.

ولفت الرداد إلى أن “القمة الخليجية تزامنت أيضا مع إرهاصات تشير إلى قرب عقد صفقة نووية جديدة بين إيران والقوى الدولية، تخشى دول الخليج ألا تأخذ بالاعتبار مصالحها”، متابعا: “من هنا يأتي دور الأردن الذي يرتبط بعلاقات استراتيجية مع واشنطن، ويقود مبادرة للانفتاح على الحكومة السورية المدعومة من طهران وموسكو”.

وبيّن أن “دول الخليج تريد للأردن أن يبقى مستقرا اقتصاديا وأمنيا وسياسيا، ليبقى في حالة انسجام معها، لا سيما مع وجود مقاربات لنخب أردنية غير رسمية، تنادي بمغادرة الأردن مربع التحالف مع الخليج، والذهاب باتجاهات براغماتية تؤمّن له مصالحه، حتى لو كان من بينها إلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل، وبناء تفاهمات مع إيران وما يُعرف بالممانعة العربية والإسلامية”.

ورجّح الرداد أن “العام القادم سيشهد ترجمات فعلية لأوجه تعاون متعددة الجوانب بين الأردن ودول الخليج، بما فيها المجالات العسكرية والأمنية، إضافة إلى حقول اقتصادية واستثمارية، خاصة أن هناك مشاريع إقليمية كبرى تشهدها المنطقة في مجالات الطاقة والمياه؛ تشمل بلاد الشام والعراق ومصر”.

رغبة أمريكية وأهداف تطبيعية

ويربط الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية، سعيد ذياب، بين التأكيد الخليجي لأهمية “الشراكة الاستراتيجية” مع الأردن، واتفاق النوايا “الطاقة مقابل الماء” الذي وقعه الأخير مع الإمارات وإسرائيل، والاندفاع الخليجي للتطبيع مع دولة الاحتلال.

وقال لـ”عربي21″؛ إن هذا المشهد ليس ببعيد عن المشاريع الإسرائيلية التي تحدث عنها رئيس دولة الاحتلال الأسبق شمعون بيريز في كتابه “الشرق الأوسط الجديد”، والتي “هدفها إقحام إسرائيل في تبادلات تجارية وسياسية في المنطقة، وهو ما تتم ترجمته على أرض الواقع، ولو ببطء”.

وفيما إذا كان ثمة رغبة أمريكية بأن يساهم الخليج في دعم الأردن، والتخفيف من عبء المساعدات التي تقدمها واشنطن لعمّان؛ أوضح ذياب أن هذا مطلب قديم للولايات المتحدة، كونها معنية بحل مشاكل الأردن الاقتصادية، كي يتمكن من القيام بالدور المطلوب أمريكيا.

وأضاف أن من المحتمل أن يكون التأكيد الخليجي لأهمية “تنفيذ خطط العمل المشترك” مع الأردن، مبنيا على الرؤية الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط الجديد، والسلام الإبراهيمي الذي تتبناه الولايات المتحدة، وتروج له الإمارات بالدرجة الأولى.

واستبعد ذياب أن يكون للصراع الجغرافي السياسي بين الإمارات والسعودية أي علاقة بتوثيق العلاقات الخليجية الأردنية، لافتا إلى أن الموضوع متعلق بمشاريع التطبيع مع الاحتلال بالدرجة الأولى، الذي يؤدي فيها الأردن دور الجسر الواصل بين إسرائيل ودول الخليج.

وقال؛ إنه لا يتوقع أن تترجم دول الخليج تصريحاتها إزاء الأردن من خلال مشاريع واستثمارات في البلاد، إلا إذا كانت إسرائيل طرفا فيها، “فالهدف ليس هو دعم الأردن بذاته، بقدر ما هو توفير الفرصة لمشاريع أردنية خليجية مشتركة مع الكيان الصهيوني، على غرار اتفاق النوايا الأخير”.

وأوضح أن الأردن بات يشكل جسرا جويا بين إسرائيل ودول الخليج، والرهان القادم أن يكون جسرا بريا لتوصيل الأشخاص والبضائع من الخليج إلى الكيان الصهيوني، والعكس أيضا.

  • عربي21

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا