تقرير: الدبلوماسية الأمنية الإسرائيلية.. الآفاق والتحديات

180

تواجه إسرائيل منذ تأسيسها عدداً من التحديات الأمنية والديمغرافية التي تتطلب من المستوى الأمني والسياسي صياغة مبادئ أساسية لاستراتيجية الأمن القومي، وينبع التحوّل الرئيس في التحديات الأمنية من الساحة الدولية المناهضة لإسرائيل وسياساتها تجاه الفلسطينيين، مروراً بالبيئة الإقليمية العربية -غير الرسمية- الرافضة للوجود الإسرائيلي والتعايش معه، ثم التطلعات الإيرانية للهيمنة على المنطقة وسعيها لامتلاك الأسلحة النووية، وليس انتهاءً بالتهديدات العسكرية والصاروخية القادمة من قطاع غزة وجنوب لبنان.

من جانب آخر تواجه إسرائيل مهددات اجتماعية داخلية؛ تتمثل في التصدعّات الحادة التي ساهمت في انحلال التضامن الاجتماعي، وتعزيز العنصرية بين العرب واليهود من جهة، وتعميق الشرخ بين الطوائف اليهودية ذاتها من جهة أخرى، ويعتبر العامل الجيوبوليتكي من أهم العوامل والمرتكزات التي تقوم عليها الدبلوماسية الأمنية الإسرائيلية، فإسرائيل عبارة عن كيان سياسي ذو جبهات رخوة، لا يتمتع بعمق استراتيجي، ويحيط به مجموعة من المهددات، ويتركز معظم سكانه وبنيته التحتية الحيوية على طول الشريط الساحلي، وبعمق لا يتعدى الـ40 كم في أحسن الأحوال مع مدن الضفة شرقاً، ما يعني أنه معرّض لتهديد دائم انطلاقاً من ثلاث جبهات معادية.

واليوم تجد إسرائيل نفسها أمام مشهد من التهديدات المركّبة والمتراكمة وغير التقليدية، فخصومها اليوم منظمات عسكرية مسلحة تنتهج استراتيجية قائمة على حرب العصابة والمعارك شبه النظامية وليسوا جيوشاً نظامية يمكن التعامل معها وفق أسس واستراتيجيات الحرب التقليدية، وهذا ما دفع بقادة إسرائيل إلى اعتماد استراتيجية أمنية شاملة يتم من خلالها دمج جميع القدرات السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية وغيرها سعياً للقضاء على هذه المهددات أو احتوائها على الأقل، من خلال دبلوماسية أمنية واعدة، يتم ترجمتها إلى سياسات براغماتية مرنة، ونفوذ اقتصادي متزايد، وشراكات تجارية عميقة بغية توفير بيئة داخلية منسجمة ومستقرة، وبيئة خارجية سلمية وآمنة.

مهددات الأمن القومي الإسرائيلي

بالنظر إلى تطوّر مفهوم الأمن القومي عبر العصور، وبناءً على التحديات المختلفة التي يفرضها كل عصر على صانعي السياسات في الدول المختلفة؛ أصبح مفهوم الأمن القومي شاملاً ومركبّاً بصورة يصعب فيها الفصل بين مكوناته، وباتت مهدداته لا تقتصر على المتغيّرات المادية فقط، بل أصبحت المتغيرات المعنوية عاملاً مهماً في حفظ الأمن القومي وحماية المصالح الحيوية لأي دولة.

لذلك يمكننا القول بأن الأمن القومي الإسرائيلي لم يعد مقتصراً على المهدِّدات التقليدية في البيئتين الداخلية والخارجية فحسب، بل بات اليوم يلامس مختلف التحديات من جيوش نظامية أو منظمات غير حكومية، وتهديدات غير تقليدية مرتبطة بسعي الخصوم لامتلاك قدرات نووية، وتهديدات مرتبطة بالفضاء الالكتروني والمعلوماتي، إلى جانب تحديات داخلية كالعنصرية وضعف التماسك المجتمعي، وتراجع الشرعية الداخلية لبعض السياسات العامة.

وهذا ما فرض واقعاً جديداً على النخب السياسية والفكرية وصانعي القرار الإسرائيليين، للتفكير باستراتيجية شاملة لحماية الأمن القومي تتجاوز المفهوم التقليدي للأمن، إلى دبلوماسية أمنية متوازنة تكون القوة العسكرية أحد أهم مرتكزاتها وليس عنصرها الوحيد، بالإضافة إلى تعزيز روابط دبلوماسية وأمنية وتوجهات تنموية إقليمية مشتركة، تجعل من إسرائيل جزءاً من الأمن الإقليمي وليس عاملاً مهدداً له.

من الدفاع إلى المبادرة

تقوم استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي على مفهوم “الجدار الحديدي” لزئيف جابوتينسكي، وبعبارة أخرى لا يمكن تحقيق السلام إلا بعد أن يدرك أعداء إسرائيل في محيطها الإقليمي “العرب”، أنّ مساعيهم غير فعالة وتؤدي إلى زيادة معاناتهم الخاصة، ويجب أن يكونوا مقتنعين أن بإمكانهم تحقيق الكثير من خلال الحوار وليس المواجهة، لذلك تعمل إسرائيل في السنوات الأخيرة على تطوير دبلوماسية أمنية شاملة لاختراق البيئة العربية بالطرق الناعمة، عبر الأدوات السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية، وفي مقدمة ذلك ما حدث مؤخراً من حفلات إشهار لاتفاقيات التطبيع مع الحكومات المرتبطة مع إسرائيل بعلاقات سرية منذ عقود.

من ناحية أخرى ينظر القادة الإسرائيليون إلى ضرورة اتخاذ خطوات جريئة وواعدة على صعيد السياسة الخارجية، بحيث تقوم على المبادرة والمشاركة بفعالية في الأحداث الجارية في البيئة الإقليمية والمجتمع الدولي، والتحول من موقف “اللعب دون ربح أو خسارة” الى موقف “تحقيق الربح لكلا الأطراف”، وهذا الأمر يستدعي إيجاد خيارات وبدائل لربط الأجندة الدولية بالمصالح الإسرائيلية، وبذات الوقت ربط إسرائيل بالأجندة الدولية والإقليمية، من خلال العمل “خارجياً” على بلورة ائتلافات لدفع المصالح القومية الإسرائيلية بصورة ناجعة وفعالة، إلى جانب التأثير على عمليات اتخاذ القرار “داخلياً” باتجاه التصرف كدولة مسؤولة وعضو نشيط في الأسرة الدولية.

لقد دفعت التغيرات والتحولات الجارية في النظام الدولي بصانعي السياسة الإسرائيليين إلى تغيير أنماط العمل، من الاعتماد على الدفاع المحض والتفكير بعقلية عسكرية وأمنية بحتة، إلى انتهاج دبلوماسية أمنية مبادِرة، تهدف إلى تفكيك التهديدات المختلفة أو احتوائها، في ظل وجود إسرائيل وسط بيئة معادية ورافضة لوجودها، من خلال جهد سياسي متواصل يرتكز إلى اقامة شبكة من العلاقات مع حكومات عربية وإسلامية، واستغلال تغيير التوجه في الساحة الدولية متعددة الأقطاب، والدفع بعجلة سياسة “القوة الناعمة” لإيجاد روابط ومصالح مشتركة بين إسرائيل والحكومات العربية في المنطقة.

دبلوماسية أمنية حازمة

تهدف الدبلوماسية الأمنية الإسرائيلية إلى تعزيز الأمن القومي بوسائل غير تقليدية، بحيث لا تقتصر علاقتها السياسية الاستراتيجية مع الولايات المتحدة فحسب، بل تسعى إلى تطوير علاقات شراكة استراتيجية مع الصين المرشحة لأن تكون القوة الأولى اقتصادياً في العالم، كما وتولي الدبلوماسية الأمنية الإسرائيلية اهتماماً كبيراً لمكافحة جهود نزع الشرعية من خلال تعزيز الرواية الإسرائيلية في المجتمع الخارجي، من خلال الاعتماد على الأدوات الناعمة والأذرع الإعلامية المختلفة، وفي مقدمتها استثمار الدبلوماسية الرقمية إلى مخاطبة الجمهور المستهدف والتأثير فيه بشكل مباشر.

وتعمل إسرائيل كذلك على تعزيز الأمن القومي من خلال الأدوات الاقتصادية والمشاريع التنموية، وتأسيس حالة من التضامن الثنائي والجماعي، عبر توظيف التفوق التقني والابتكار التكنولوجي وتبادل المعلومات مع الشركاء، وهذا بدوره سيساعد في الحفاظ على المصالح والشراكات المتبادلة مع الأطراف المعنية في المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي.

وقد جاء في دراسة أعدها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت والعميد احتياط غابي سيبوني ونشرها معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى؛ أن على إسرائيل أن تتجه إلى تفضيل اللجوء إلى الأدوات السياسية دون التخلي عن الاستراتيجية العسكرية؛ لمواجه المخاطر والتحديات التي تهدد مصالحها الحيوية، لذلك تهتم إسرائيل دائماً بتعزيز قوة ردعها من جهة، وتثبيت معاهدات السلام التي وقعتها مع الدول المجاورة من جهة أخرى، تحسباً لاحتمال انهيار قوة الردع التي تتمتع بها أو تقويض معاهدات السلام التي أبرمتها، لذلك لا يزال القول اللاتيني المأثور “إذا أردت السلام، استعدّ للحرب” حاضراً في الفكر السياسي والأمني الإسرائيلي.

مرتكزات الدبلوماسية الأمنية الإسرائيلية

تقوم الدبلوماسية الأمنية الإسرائيلية على عدد من المرتكزات والأسس التي تهدف إلى التقليل إلى أقصى حد ممكن من التهديدات الأمنية ضدهّا وتولدّ فرص تعاونية مع الفاعلين الإقليميين والدوليين، ويمكننا استنتاج أهم المرتكزات كما يلي:

1- توسيع نطاق المناورة: يستلزم ذلك زيادة حرية إسرائيل السياسية والعسكرية من خلال مجموعة من الروابط والعمل مع الأطراف في المجتمعات الإقليمية والدولية.

2- فتح قنوات التواصل مع مختلف الأطراف المستهدفة: يعني ذلك الحفاظ على خطوط الاتصال العلنية والسرية مع الأطراف المعنية من أجل تحديد المصالح المشتركة ومجابهة الأنشطة التي تستهدف إسرائيل ومصالحها.

3- تعظيم المصالح المشتركة: يتطلب هذا المسعى إجراء تحقيق مستمر لتحديد القواسم المشتركة مع دول الجوار مع تعزيز المصالح المتبادلة معها ومع أصحاب المصلحة الآخرين، بمن فيهم دول المنطقة والفلسطينيون.

4- تعزيز العمق الاستراتيجي: تعاني إسرائيل من مشكلة العمق الاستراتيجي الجغرافي والسياسي، وذلك لأنها أقيمت على مساحة صغيرة وفي بيئة معادية؛ وهذا يستوجب بذل جهد مستمر لتعزيز العمق الاستراتيجي بوسائل تعويضية، من خلال التعاون الإقليمي، والحوار مع أطراف تجمعها بهم مصالح مشتركة، والحصول على دعم مستمر من الحلفاء الاستراتيجيين.

الخلاصة:

وبناءً على ما سبق ستسعى الدبلوماسية الأمنية الإسرائيلية لعقد المزيد من الاتفاقات مع الحكومات العربية لتوظيفها سياسياً واستثمارها اعلامياً للتغطية على حقيقة معاناتها من عقدة الشرعية، وهذا ما يفسر حجم التنسيق مع الإدارة الأمريكية مؤخراً في نقل إسرائيل من منطقة عمليات القيادة الأمريكية الأوروبية “يوكوم”، إلى منطقة عمليات القيادة المركزية الأمريكية “سينتكوم”، وفي الإعلان عن اتفاقيات التطبيع “السياسية” الأخيرة بين إسرائيل وبعض الحكومات العربية، في محاولة لدمجها في البيئة العربية واعتبارها جزء من الأمن الإقليمي.

لكن إسرائيل التي تعاني من عقدة الشرعية وتفتقد للسلطة الأخلاقية، لن تفلح دبلوماسيتها الأمنية -بتقديرنا- في التغلب على معضلة عزلتها، ورفض الشعوب المجاورة للتعايش معها، كونها كيان سياسي تم إنشاؤه بطريقة غير شرعية، ما يفقدها المشروعية اللازمة لتثبيت أي نشاط سياسي أو اتفاق أمني مع حكومات المنطقة، وأمام ذلك نستطيع القول أنّ توجهات الدبلوماسية الأمنية الإسرائيلية الأخيرة لن تكون مجدية في شرعنة الوجود الإسرائيلي وتثبيت جذوره في المنطقة العربية.

  • عكا للشؤون الاسرائيلية

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا