أردوغان يتخبط لإنقاذ الليرة التركية.. هل تخفيض الفائدة محاربة للربا أم أنه تستر بزي إسلامي؟؟

204

لا تزال الليرة التركية تعاني من انتكاسة متواصلة، وهي تخسر الآن ثُلث قيمتها خلال العام الحالي، وفي هذا السياق التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع السيد شهاب كانجي أوغلو محافظ البنك المركزي الذي رفض التدخّل لإنقاذ العملة التركية، وبات طرده من منصبه مثل أربعة سبقوه مسألة وقت.

الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان “السلطان” الحالم بإعادة أمجاد الدولة العثمانيّة يحث على خفض الفائدة، وهو يسعى كما يقول لاستقلال مادّي، وتتعرّض بلاده لحربٍ ماليّة، يُراد لها أن تكون تابعة لسياسات البنك الدولي، والخُضوع للعملات الأجنبيّة.

ولكن تصريحات أردوغان هذه ساهمت بانخفاض الليرة التركيّة مُجدّدًا أمام الدولار، ووصلت إلى مُستويات قياسيّة مُنخفضة، حيث تراجعت القُدرة الشرائيّة للمُواطن التركي، وازداد التضخّم بمعدلات مرتفعة جداً.

ويبدو أن الرئيس أردوغان، لا يزال يتدخّل في عمل البنك المركزي، ومُحافظه، فقد خفّض الأخير سعر الفائدة الخميس 100 نقطة إلى 15 بالمئة، واللافت أن هذا يحدث مع وصول معدّل التضخّم 20 بالمئة، حليف أردوغان رئيس الحركة القوميّة دولت بهجيلي، أكّد أن البنك المركزي لا يُمكن أن يكون مُستقلّاً.

أردوغان يلجأ إلى استهداف الطبقة المحافظة

قرار أردوغان، بدأ يأخذ منحى “ديني”، فالبعض يقول إن الرئيس التركي يُحارب “الربا” في البنوك، حتى أن مُفتي سلطنة عُمان أحمد بن حمد الخليلي قال عبر حسابه في “تويتر” مادحاً خفض سعر الفائدة: “إنّا لنُحيِّي الحكومة التركية المسلمة الشقيقة ممثلة في قيادتها المسددة في توجهها إلى تطهير اقتصادها من رجس الربا، الذي لعن اللّٰه آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه، ونطالب جميع الحكومات الإسلامية أن تتعاون على ذلك، (وتعاونوا على البر والتقوى)”، حسب قوله.

هذه الحسابات الدينيّة، لا تترك أثرها الإيجابي بطبيعة الحال عند خبراء الاقتصاد التركي، فتراجع قيمة الليرة التركيّة، سيرفع أسعار المزيد من المنتجات، والسلع المُختلفة، سواء في القطاع العام، أو الخاص، مع صعود تكلفة الإنتاج، والعجز في المُوازنة.

ثمّة من يُشير إلى تراجع في نسب البطالة، وذهاب الاقتصاد التركي إلى النمو، والمُنافسة مع الدول الكبيرة، حال استمراره عدم ربط قراراته الاقتصاديّة بالدولار، والانصياع لسياسات البنك الدولي، لكن ثمّة عوامل خارجيّة سياسيّة تدفع بالليرة التركيّة إلى الانخفاض، فسياسات أردوغان الخارجيّة، وتدخّلاته في العراق، وسورية وليبيا، وغيرها من دول، تجعله يصطدم مع العُقوبات الأمريكيّة.

المواطن التركي خارج المعادلة

المُواطن التركي، لا يعبأ بكُل الأحوال، باقتصاد مُستقل، ولا ربوي، فمع تراجع قيمة عملة بلاده، تتراجع قُدرته الشرائيّة، وسينتظر عودة ارتفاع العملة، حتى يستفيد من قيمة مُدّخراته التي ادّخرها في البنوك، وبالعملة المحليّة، مع تراجع أسعار الفائدة.

الارتفاع في أسعار السلع، والمواد الغذائيّة، وصل حتى الخبز، فقد رفعت بالفعل المخابز التركيّة أسعار الخبز من ليرتين، إلى 3 و 4 ليرات، وذلك ارتفاع طبيعي، بعد ارتفاع أسعار الطحين بنحو 80 بالمئة، هذا سيُساهم بشكلٍ أو بآخر بتراجع أسهم حزب العدالة والتنمية الحاكم في الانتخابات الرئاسيّة القادمة، ومُرشّحه الرئيس أردوغان، ويطرح تساؤلات إذا كان لا يزال المواطن التركي يرغب في إعادة انتخابه، في ظل هذا التراجع غير المسبوق في أسعار الليرة التركيّة، ودعوات المُعارضة التركيّة الذهاب إلى انتخابات باكرة.

صُحف تركيّة أشارت إلى أن المواطنين الأتراك، توجّهوا لشراء الخبز السوري، وهو الذي يتوفّر بأسعار أرخص، رغم ارتفاع أسعاره، مع انخفاض العملة المحليّة.

زيارة بن زايد المفاجئة

كل هذا يحدث في توقيت يصل فيه إلى تركيا، ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، الذي زار أنقرة، بعد ما يقرب من آخر زيارة قبل عشر سنوات، وتأتي الزيارة تلبيةً لدعوة الرئيس أردوغان، وكانت العلاقات التركيّة- الإماراتيّة ليست على ما يُرام، مع اتهامات أبو ظبي لأنقرة بدعم جماعة الإخوان المُسلمين.

قد يُعوّل أردوغان على هذه الزيارة الإماراتيّة، في تحسين حال بلاده الاقتصادي، وانخفاض سعر الليرة التركيّة، وكالة “بلومبيرغ” رجّحت أن يتصدّر ملف الأعمال والاستثمار جدول أعمال اللقاء، وقالت الوكالة إن تحسّن العلاقات بين البلدين يُمكن أن يكون سببًا لضخّ الإمارات مليارات الدولارات في التجارة والاستثمار.

الشيخ طحنون بن زايد مُستشار الأمن القومي الإماراتي زار أنقرة قبل شهر، وهاتف الرئيس أردوغان الشيخ محمد بن زايد الحاكم الفعلي للإمارات، وأفادت تسريبات بأن الأخير، أيّ ولي العهد الإماراتي يحمل معه وعودًا بضخ عشرات المليارات من الدولارات على شكل استثمارات في الاقتصاد التركي.

أين قطر من كل هذا؟

السّؤال المطروح بقوّة هو أين قطر التي استثمرت أكثر من 30 مليار دولار في تركيا أثناء تفاقم أزمة الليرة في عامي 2018 و2019 وتعتبر الحليف الاستراتيجي لتركيا؟

دولة قطر من جهتها تلتزم الصمت، ولم يصدر أيّ تعليق منها سواءً على انخفاض الليرة التركيّة، أو زيارة بن زايد لأنقرة.

ليست المرة الأولى لأردوغان

ليست هذه المرة الأولى التي يهاجم بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الفوائد الربوية ويعتبرها استعمارا لاقتصاد البلاد. ففي عام 2017 قال أردوغان إن “سياسة الفوائد لا يمكنها أن تدعم التنمية الاقتصادية، وإنما هي استعمار لاقتصادنا، وأنا لا أوافق عليها”.

وناشد أردوغان خلال كلمته في المنتدى الاقتصادي، جميع المسؤولين في البنوك باتخاذ الخطوات اللازمة من أجل خفض الفوائد التي تتسبب بالتضخم، مؤكدا أن المعاملات الربوية هي السبب الرئيسي للتضخم.

كما نوّه حينها الرئيس التركي إلى وجود العديد من القوى الخارجية التي تمارس الإرهاب الاقتصادي ضدّ تركيا.

يعارض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان -الذي يرغب في تمويل منخفض التكلفة لدعم النمو- ارتفاع أسعار الفائدة. وتبنى البنك المركزي تحركات غير تقليدية للتعامل مع السيولة مما عزز الاقتناع بأنه يرغب في تجنب زيادة حادة في أسعار الفائدة.

المعارضة كانت ولا زالت تهاجم أردوغان

في عام 2020 هاجمت المعارضة التركية الرئيس رجب طيب أردوغان واتهمته بالخداع والنفاق، عقب حديثه عن ضرورة تطبيق “الاقتصاد الإسلامي” في البلاد للخروج من الأزمة الحالية.

وقال حينها زعيم حزب الديمقراطية والتقدم المعارض علي باباجان، إن تعاملات حكومة أردوغان بالربا تضاعفت مرتين في الأعوام الثلاثة الأخيرة، ووصف أردوغان بأنه “مخادع وغير صادق”.

وارتبط اسم باباجان بنهضة اقتصاد تركيا حين كان وزيرا للاقتصاد، قبل أن يختلف مع أردوغان ويستقيل من حزب العدالة والتنمية الحاكم، ويؤسس حزب الديمقراطية والتقدم.

وقال باباجان في تصريحات صحفية: “في عام 2017 كانت مدفوعات الدولة من الفوائد 57 مليار ليرة تركية، بينما وصلت إلى 139 مليار ليرة في عام 2020″، متسائلا: “ما الذي حدث لترتفع الفوائد في 3 سنوات فقط؟”.

وأضاف: “عندما نتحدث عن الاقتصاد الإسلامي، فإن الأولوية هنا تتمثل في الثقة والالتزام بالتعهدات وقول الحقيقة عند الحديث وعدم الخداع”.

ولم يتأخر أحمد داوود أوغلو، رفيق درب أردوغان السابق المنشق هو أيضا عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، عن توجيه انتقادات لاذعة للرئيس، متهما إياه باستخدم مصطلح “الاقتصاد الإسلامي” لدغدغة مشاعر الطبقة المحافظة، وإخفاء فشله وعجزه عن القيام بأي إصلاحات حقيقية.

وانتقد داوود أوغلو بشدة تعيين أردوغان أشخاصا غير مؤهلين في وظائف إدارية حساسة، مثل تعيينه للمصارع الرياضي حمزة يارلي كايا، عضواً في مجلس إدارة بنك وقف الحكومي، من دون امتلاكه المؤهلات المطلوبة للمنصب.

وقال داوود أوغلو: “إذا كنتم تتعاملون وفق منطق أن الناجح في مجال معين هو ناجح في كل المجالات، فلتفعلوا العكس، وترسلوا مدير بنك ناجح للمصارعة في بطولة العام المقبل ليمثل بلدنا ولنشاهد النتيجة”.

ويجمع معارضوا سياسات الرئيس أردوغان، وعلى رأسهم داوود أوغلو وباباجان، على عجز الرئيس عن إجراء أي إصلاحات سياسية أو اقتصادية، مؤكدين ابتعاده عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدل.

وطالما أن عدم الكفاءة، بل الطاعة المطلقة لأوامر الرئيس أردوغان، هي المعيار الأول للحصول على منصب رفيع في الدولة، ستبقى الاتهامات موجهة لأردوغان من قبل خصومه السياسيين، معتبرين ذلك سببا في “تدهور أداء مؤسسات الدولة”.

مما سبق نجد أن الرئيس التركي متخبط في قراراته وبدأ يلجأ إلى الإماراتيين وربما نجده يجلس مع ابن سلمان قريباً فقط من إجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه المذبحة الاقتصادية التي تعاني منه الليرة التركية.

  • الوقت تحليلي واخباري

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا