من هو محمد حمدان دقلو (حميدتي)؟ وهل قاد الانقلاب في السودان؟

767

رسمياً، هو المسؤول الثاني في الجيش السوداني، ولكن البعض يعتبره “رجل الظل”، والشخص الذي يقود الأحداث، ولكنه ليس في واجهتها. هو محمد حمدان دقلو الملقّب بـ”حميدتي“.

يتحدر حميدتي من قبيلة الرزيقات ذات الأصول العربية التي تقطن في إقليم دارفور غربي السودان. عمل في العشرينيات من عمره في تجارة الإبل بين ليبيا ومالي وتشاد بشكل رئيسي، إضافة إلى حماية القوافل التجارية من قطّاع الطرق في مناطق سيطرة قبيلته.

ذاع صيته وجنى ثروة كبيرة في تسعينيات القرن الماضي، وسيطر  على عدد من مناجم الذهب في إقليم دارفور، الأمر الذي دفع الرئيس السابق عمر البشير إلى تقريبه منه، وخصوصاً أنه كان يقود مليشيا كبيرة قوامها 40 ألف عنصر لحماية القوافل التجارية.

عمر البشير وحميدتي.. وقوات الدعم السريع

منح البشير امتيازات وصلاحيات كبيرة لميليشيا “حميدتي”، لا تُمنح عادةً إلا للجيش، وأطلق عليها اسم “قوات الدعم السريع”. وقد ارتفع عديد هذه القوات حتى وصل إلى ما يقارب 140  ألف عنصر، بحسب مصادر سودانية، يتحدر معظم عناصرها من قبائل دارفور.

زُودت “قوات الدعم السريع” في بادئ الأمر بالأسلحة الخفيفة وسيارات الدفع الرباعي، الأمر الذي أثار سخط ضباط الجيش وحفيظتهم. وفيما بعد، صار لديها جهاز استخباراتي قوي.

حميدتي يتخلى عن البشير ويطيحه

قبل بضعة أيام من إطاحة البشير في نيسان/أبريل 2019، أي بعد 4 أشهر من الاحتجاجات ضده، خيّب محمد حمدان دقلو أمله، وتخلّى عنه، بعد أن استنجد به لقمع التظاهرات في البلاد.

وفيما قالت مصادر محلية سودانية إن “قوات الدعم السريع” التي يقودها “حميدتي” ساهمت في إطاحة البشير، وصف آخرون موقف “حميدتي” بـ”المحاولة الذكية” لتلميع صورته، وصرف انتباه العالم عن انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قواته في دارفور.

وكشف مصدر سوداني للميادين نت، رفض الكشف عن اسمه، أنّ “حميدتي” أدى دوراً كبيراً في السودان، وشارك بشكل أساسي ضمن اللجنة الأمنية التي أطاحت البشير، وأضاف: “قبل إطاحة البشير، كان حميدتي خارج العاصمة الخرطوم، ووصل إليها في 9 نيسان/أبريل 2019، فيما أطيح بالبشير في 11 نيسان/أبريل، أي بعد يومين فقط من وصوله”. وكان لـ”حميدتي” دور فاعل في إذاعة بيان الإطاحة، وكان أيضاً من الشخصيات التي رشحت الفريق الركن أول عبد الفتاح البرهان.

وتابع المصدر: “عقب إطاحة البشير، أدّى البرهان اليمين كزعيم مؤقت للسودان في 11 نيسان/أبريل 2019. وفي آب/أغسطس 2019، تمّ تكليفه برئاسة مجلس السيادة الحاكم، المكوّن من شخصيات عسكرية ومدنية، ليقود عملية الانتقال إلى الديمقراطية”.

وفي هذا الإطار، تقول مؤلفة كتاب “الانتفاضات المدنية في السودان الحديث”، وأستاذة التاريخ في جامعة نيوكاسل البريطانية، ويلو بيردج، إن البرهان تولّى أعلى منصب في السودان في العام 2019 بدعم من قوات الدعم السريع.

وأشارت بيردج إلى أنّ “قوات الدعم السريع التابعة لحميدتي ارتكبت فظاعات في دارفور”، وأنّ “تحركها بعد إطاحة البشير أثار ريبة الكثيرين، وخصوصاً المتمردين في دارفور”.

المصدر السوداني أوضح للميادين نت أنَّ “حميدتي” أحكم قبضته على مناطق واسعة في الخرطوم بعد إطاحة البشير، وتولّى قيادة المجلس العسكري. ينتمي جميع أعضاء هذا المجلس إلى المؤسسة العسكرية باستثناء “حميدتي”، الذي لم يكن في يوم من الأيام من أفراد هذه المؤسسة، رغم أنه يحمل رتبة فريق أول، بقرار صدر عن الرئيس البشير نفسه.

وأشارت تقارير إلى أنّ “حميدتي” كان يملي شروطه على قادة القوات العسكرية، لكونه يحمل رتبة فريق أول في الجيش، وذلك بعد أن تولّى بالتنسيق مع رئيس المجلس السيادي، عبد الفتاح البرهان، ملف القوات السودانية المشاركة في التحالف السعودي ضد اليمن.

“قوات الدعم السريع” ترتكب انتهاكات في دارفور

  • حميدتي بين مجموعة من عناصر
    حميدتي بين مجموعة من عناصر “الدعم السريع” في دارفور

في العام 2003، وبعد اتهام المتمردين في دارفور السلطةَ في الخرطوم بتهميش مناطقهم اقتصادياً وسياسياً، نشأ نزاع مسلح بين الطرفين، وقالت الأمم المتحدة إن ما يقارب 300 ألف شخص قتلوا في ذلك النزاع، فيما نزح الملايين عن ديارهم.

وفي العام 2014، اعتقلت الحكومة السودانية زعيم حزب الأمة الصادق المهدي، بسبب انتقاده ممارسات “قوات الدعم السريع” التي كانت تقاتل إلى جانب الحكومة في إقليم دارفور.

ظلت “قوات الدعم السريع” حتى العام 2017 تابعة لجهاز الأمن والمخابرات، ثم أصبحت تابعة لمؤسسة الجيش، على الرغم من أن معظم منتسبيها ليسوا عسكريين.

“حميدتي”.. الرجل الثاني في السودان

بحسب المصدر السوداني، أدى “حميدتي” دوراً مهماً وكبيراً في قرارات السودان، وكان لديه موارد مالية ضخمة من الأحزاب السياسية ورموز القبائل، وهو يعتبر الرجل الثاني والأقوى في السودان، ويتمتع بنفوذ واسع. كما أنّ له تأثيراً أيضاً في الحركة الجماهيرية في البلاد.

وكشف المصدر السوداني نفسه للميادين نت أنّه بعد إعلان البرهان حالة الطوارئ في السودان، وحلّ المجلس السيادي والحكومة، كان لـ”حميدتي” الدور الأساس في التحرك العسكري الأخير الذي أطاح حكومة عبد الله حمدوك، وهو من قام بترتيبه، وخصوصاً أنه بات يملك أكثر من 140 ألف عنصر من قوات الدعم السريع الذين تلقوا تدريبات عالية، ويتحركون بخفة كبيرة وبارعة، وخصوصاً بعد مشاركتهم في حرب اليمن. كما أنّ لديهم جهاز استخبارات خاصاً، إضافةً إلى امتلاك “حميدتي” مصادر معلومات متنوعة، سهّلت القبض على الكثير من النشطاء والسياسيين أخيراً، وتطبيق قانون الطوارئ الحالي.

كما كشف المصدر أنّ قوات “حميدتي” تمثّل 50% من القوات السودانية التي تنفذ قانون الطوارئ الأخير في البلاد.

موارد مالية ضخمة سهّلت النفوذ السياسي

أما بالنسبة إلى الموارد التي يملكها “حميدتي”، فقد كشف المصدر السوداني للميادين نت أنّ الأخير يتلقى دعماً كبيراً من دول الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى عائدات ضخمة من المشاركة في حرب التحالف السعودي ضد اليمن، وعائدات من الإمارات أيضاً.

وكشف المصدر أنّ “حميدتي” يملك نفوذاً سياسياً قوياً في الداخل، ويطمح إلى دور سياسي معين، وأنه حضّر لترتيبات مع قوى اجتماعية وزعماء قبائل قبل التحرك العسكري الأخير، على الرغم من أنه لم يكن يصرّح بذلك.

ولفت إلى أنّ “حميدتي” يطمح أيضاً إلى تكوين حزب لتولي دور سياسي ونسج شبكة من العلاقات الداخلية والخارجية، عبر ممارسته التجارة لفترة طويلة، وخصوصاً مع ليبيا، قبل بناء “قوات الدعم السريع”. وعمل كذلك في إنشاء شركات لشبكات البنى التحتية من طرق وجسور، وكوّن موارد ضخمة، وقام باستيراد الوقود والقمح لفترة طويلة. كذلك، اتجهت قوات الدعم الخاصة به إلى تجارة الذهب، كاشفاً أنّ  “حميدتي” دعم الحكومة الانتقالية، بما يقارب ملياراً وسبعمائة مليون دولار.

“حميدتي” والانقلاب الأخير في السودان

يرى المصدر السوداني أنّ التحركات العسكرية الأخيرة التي حصلت في السودان ستستمر حالياً على الرغم من الضغوط الداخلية، لأنها وجدت مباركة دولية وإقليمية وضغطاً من الخارج، كاشفاً أنّ الولايات المتحدة أعطت الضوء الأخضر لهذا الإجراء الذي تزامن مع وجود المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي في السودان ساعة تنفيذ هذه العملية. وبالتأكيد، هذا الدعم حصل عليه حميدتي شخصياً بسبب علاقاته الخارجية ودوره الخفي.

أما بالنسبة إلى توقيت هذا الانقلاب، فقد أوضح المصدر أنّ الأمور في السودان كانت قد وصلت إلى مرحلة دقيقة جداً، وكانت ستنفجر في أي لحظة، إضافة إلى الضغط الجماهيري، بسبب الاعتصام أمام القصر الجمهوري الذي ضم أحزاباً كانت شريكة في السلطة، وجماعات دينية وصوفية، وعناصر وحركات مسلحة، وغيرها من المكونات، للمطالبة بحل الحكومة في الدرجة الأولى، وتوسيع قاعدة المشاركة في السلطة، وتحديد موعد الانتخابات، ما شكل فرصة للمجلس العسكري وحميدتي للقيام بالانقلاب.

  • الميادين

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا