بين النفط الإيراني والغاز المصري.. حلقات جديدة من الانكفاء الأميركي

37

يُفترض عدم تصنيف قرار الإدارة الأميركية بالسماح للحكومة اللبنانية بالتواصل مع الدولة السورية من أجل استيراد الغاز المصري على أنه استثنائي أو تلبية لمطلب الدولة اللبنانية بضرورة إعفائها من الالتزام بعقوبات قانون “قيصر”، إذ إن مقدماته لم تكن مبنية على أساس طلب رسمي لبناني لمواجهة الانهيار الذي تعانيه الدولة اللبنانية، إنما كان نتيجة تقدير أميركي مفاده أنَّ الحصار المفروض بهدف إخضاع المقاومة فيها لم يؤدِ إلى تحقيق النتيجة المتوخاة. وفي نتيجة هذا الحصار، انهارت مقومات الدولة اللبنانية وضعفت أدواتها، فيما نجحت المقاومة في التأقلم مع هذا الواقع لتبني عليه في مشروع متكامل يخرج الدولة اللبنانية من التبعية لأدوات القوة الأميركية المفروضة عليها.

من ناحية أخرى، لم يكن القرار الأميركي بالسماح باستيراد الغاز المصري عبر سوريا أقل أهمية أو تأثيراً من قرار الانسحاب العشوائي من أفغانستان، بل يمكن الحديث عن أنه أكثر أهمية وخطورة لناحية أنه يشكل تراجعاً عن مشروع متعدد الأهداف.

وإذا كان الانسحاب من أفغانستان جاء تحت عنوان الحفاظ على حياة الجنود الأميركيين، بذريعة أن مخاطر البقاء في هذا البلد فاقت مزاياه، فإن القرار الأميركي بالقفز فوق قانون “قيصر” والسماح بالتواصل مع الدولة السورية شرّع ما كانت الولايات المتحدة تصنّفه في خانة المحرمات.

إن المشروع الأميركي لإسقاط الدولة السورية كان قد انطلق من ضرورة عزلها عن محيطها الإقليمي وفرض حصار يضعف بنيتها وقدرتها الاقتصادية من أجل ترسيخ فشلها في الوعي المجتمعي السوري، بما يساعد على منع الرئيس بشار الأسد من استثمار النصر العسكري الذي حققه من جهة، وفي محاولة تطويع سلوك الدولة السورية وإرضاخها عند أي مفاوضات محتملة لتسوية أوضاع المنطقة من جهة أخرى.

ولذلك، عملت الولايات المتحدة الأميركية تحت عنوان قانون “قيصر” على فرض رزمة من العقوبات القاسية التي طالت مجمل البنيان الاقتصادي السوري، ومنعت دول الجوار من التعامل مع سوريا تحت طائلة التعرض لعقوبات اقتصادية مماثلة.

بالطبع، لم يغب عن العقل الأميركي حجم التداخل والتكامل الذي فرضته الجغرافيا وكرسه التاريخ بين لبنان وسوريا. وإذا كان قد رفض تمييز لبنان بسلسلة من الإعفاءات، فإن القصد من وراء ذلك كان الضغط على “حزب الله”، إذ إن الخطر الذي تشكله المقاومة على المشروع الولايات المتحدة وحليفها الكيان الإسرائيلي لا يقل أهمية عن الواقع السوري أو النووي الإيراني. ولذلك، كان مقصوداً أن تطال تأثيرات الحصار والعقوبات الواقع السياسي والاقتصادي اللبناني، بحيث أمكن القول إن تأثيرات قانون “قيصر” على الدولة اللبنانية كان بمستوى القسوة والشدة التي أريدت للدولة السورية.

وبالعودة إلى خلفيات القرار الأميركي بالسماح للدولة اللبنانية بالتواصل مع الدولة السورية من أجل استجرار الغاز المصري عبر سوريا، فإنَّ تحليلها يفترض الإشارة إلى معطيين؛ المعطى الأول يستند إلى أن أصل المشروع الأميركي في المنطقة تعرض لنكسة من حيث الفشل في إسقاط الدولة السورية، بدليل الصمود السوري والتحول من مرحلة تلقي الضربات إلى مرحلة المبادرة، إذ تعمقت العلاقات الاقتصادية السورية مع الجمهورية الإسلامية وروسيا والعراق، إضافة إلى نجاح الدولة السورية في جذب الاستثمارات الصينية في مجالات متعددة، وخصوصاً في مجال الطاقة النظيفة، إذ بدأ التخطيط لإنشاء مشروع لإنتاج الطاقة النظيفة في البادية السورية، بما يجعلها قادرة على تصدير الكهرباء للدول المجاورة.

أما بالنسبة إلى المعطى الثاني، فقد ساد لدى دول الجوار السوري اقتناع مفاده أنّ الولايات المتحدة ذاهبة إلى الانكفاء عن المنطقة، وأصبح من الضروري العمل على ما يضمن خفض منسوب المخاطر الناجمة عن هذا الانسحاب. وعليه، فإن مشروعاً عربياً يجمع الدولة السورية بمصر والأردن قد يؤمن للدول العربية نوعاً من المناعة في وجه المشاريع المتقدمة في المنطقة، كالمشروع التركي أو مشروع المحور الإيراني الروسي، ويؤمن من ناحية أخرى مصلحة حلفاء الدولة السورية، أي روسيا والجمهورية الإسلامية، عبر الاعتراف للدولة السورية بقيادتها ونظامها وتموضعاتها الدولية والإقليمية. ولذلك، لم تكن تلك الدول محرجة حين أخذت قرارها بملاقاة القرار الأميركي وتبني سياسة الانفتاح على سوريا.

من ناحية أخرى، فرض إعلان المقاومة الإسلامية، على لسان أمينها العام، نيتها استقدام النفط من الجمهورية الإسلامية ضرورة مقاربة هذا المشروع لناحية تأثيره في البيئة الحاضنة للمشروع الأميركي في لبنان. وبعد أن تم التعاطي مع هذا الإعلان على أنه مجرد بروباغندا إعلامية، تفاجأت الإدارة الأميركية بإعلان انطلاق أول حاملة نفط باتجاه لبنان، على أن تلحقها حاملات أخرى، فكان من الضروري أن تسارع لتتخذ قراراً يخفف من تأثير هذا النفط، إذ إن وصوله إلى لبنان سيشكل كسراً لمشروعها بطريقة خشنة.

وحيث إنّ المعطيات الحسية تؤكّد ما سبق وما أشرنا إليه من انكفاء أميركي عن المنطقة، بدليل الانسحاب من أفغانستان وإعلان نية الانسحاب من العراق وسوريا، وكذلك بدليل مسار التسوية المذل للمسلحين في درعا، كان تقييم المقاومة الإسلامية للخيارات الأميركية التي تم التهديد بها، كالعقوبات على الدولة اللبنانية أو بعض سياسييها، على أنها ليست جدية، ولن تثنيها عن مواصلة مشروعها.

ولذلك، فرض على الأميركي ضرورة البحث عما يمكن أن يقلل من حجم خسارته، فاتخذ قراره بالقفز فوق عقوبات قانون “قيصر”، عبر تسريع تواصل الدولة اللبنانية، ومن خلفها مصر والأردن، مع الدولة السورية، إذ اعتبر أن بالإمكان حصر التعاطي بينهم بما قد يصنف على أنه مصلحة لبنانية من دون إعطائه أي بعد آخر. وبذلك، يمكن لماكينته الإعلامية أن تسوق لفكرة أن النفط الإيراني، ومن خلفه مشروع المقاومة الإسلامية، لن يقدم حلاً جذرياً للأزمة اللبنانية.

وبعيداً عن التبرير الإعلامي للقرار الأميركي، إذ يتم الترويج لضرورة مقاربة قرار السماح بالتواصل مع الدولة السورية ودخول النفط الإيراني إلى لبنان كأحداث مجردة، تشكل استجابة لظروف إنسانية ولا تعبر عن واقع مستجد، فإن القراءة المعمقة لهذين الحدثين تؤكد اختصار المشهد في لبنان وسوريا بانكفاء وفشل لاستراتيجية أميركية، أدواتها ناعمة وذكية، وغايتها خشنة لناحية خنق وتجويع شعبين، من أجل إسقاط نظام وكسر مقاومة.

وإذا كانت أولى الخطوات اجتماعات عربية عنوانها إيصال الغاز إلى لبنان، فإن هذه الخطوات ستقدم للدولة السورية مزايا ضمنية، أولها الاعتراف بسيادتها وشرعيتها ومركزيتها، وثانيها خطوات تخفف من وطأة الحصار المفروض، بما يساعد على إعادة تشكيل الدور السوري في المنطقة وفق أجندة مصالح الدولة السورية وحلفائها.

أما بالنسبة إلى لبنان، فإن الأمر لن يختلف كثيراً، فتأثيرات القرار بإدخال النفط الإيراني إليه طالت مستويات عدة، لناحية إعادة النظر جذرياً في ما أمكن اعتباره منذ عدة سنوات ثوابت أميركية تجاه الواقع اللبناني، فبعد عقد من فرض القطيعة بين الدولتين، وأكثر من سنتين من فرض حالة من الحصار والشلل الداخلي، كان إعلان المقاومة بدء الحصول على إمدادات النفط من إيران دافعاً لتعلن السفيرة الأميركية شيا سماح الإدارة الأميركية للحكومة اللبنانية بالتواصل مع الدولة السورية لتسهيل استيراد الغاز المصري، كوسيلة لمواجهة آثار الإمدادات النفطية الإيرانية، ثم تبع هذا القرار زيارة وفد تشريعي أميركي إلى لبنان لشرح مزايا الالتزام بالحظر الأميركي على النفط الإيراني، وتسليف اللبنانيين دعماً غير محدود لجهود تشكيل حكومة ووعود بتسهيل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. وبتحليل الموقف الأميركي المستجد، يمكن اعتباره تراجعاً معادلاً في قيمته الاستراتيجية لخطوات الانكفاء التي تكرست من أفغانستان إلى سوريا.

  • الميادين

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا