قيس سعيّد .. ملاحظات شخصية

101

الكتابة عن شخصية قيس سعيّد مسألة حسّاسة، ذلك أن أخلاقيات الصواب السياسي تفرض عليك حصر الخلاف بالممارسة والخطاب والسلوك: ارفع الموضوعي وأسقط الذاتي، تقول النصيحة المهنية. الشخصي ــ النفسي يصبح، بهذه المعايير، عيباً يدنو من مرتبة قلة الأخلاق، وهذه طريقة تفكير قاصرة عن إدراك كثير من الجوانب السياسية عند من يشتغلون فيها. الرجل ارتضى بأن يكون شخصيةً عامة. إذاً، لمَ التردّد في تناول شخصيته؟ يقول لك كتاب الصواب إيّاه إنّ عليك الاكتفاء بالمضمون لا بالشكل. لكن مهلاً، منذ متى كان سلوك السياسي منفصلاً عن شخصيته؟ هل يمكن للشكل أن ينفصل عن المضمون؟ تريد أن تبتعد عن صحافة التابلويد الصفراء وعوالم النميمة والتطفل عبر تحييد شخص قيس سعيّد عن أدائه، فتجده كأنه يعيدك إلى ألف باء السياسة وعلم النفس: لا ديمقراطية من دون ديمقراطيين، كذلك لا صدق من دون صادقين. أما وقد ارتكب فعلته الانقلابية مع آخرين ستكشف هوياتهم الأيام المقبلة، فإن كل ما كنت تفكّر فيه عن الرجل قبل الخامس والعشرين من يوليو/ تموز، شهر الانقلابات، يأتي إليك في صندوق واحد، كل قطعة شخصية فيه تحيلك إلى جزئية من فسيسفساء الانقلاب الذي لا بوادر كافية بعد لمواجهته شعبياً وسياسياً. لغته الفصحى المهجّاة التي تشعر أنها مفتعلة، عجرفته، صنميّته، نبرته الزجرية المستقاة من مدارس التلقين والحفظ من دون تفكير، فوقيته التي لا يجهد لإخفائها، استعاراته غير الأدبية بالمرة، كيف يحكي وكأنه يستظهر ما سبق له أن حفظه عن ظهر قلب قبل نصف ساعة، فظاظة مصطلحاته التي تثير سخرية أحياناً بدل أن تبثّ الرعب عند الخصوم. كيف يسمح بوضع نفسه فوق البشر وفوق السياسيين عندما يهاجمهم، وكأنه لاعب كرة مثلاً لا علاقة له بالشأن العام. هذا شيء مما يحضر إلى الذاكرة في مقاربة الذاتي بالموضوعي في انقلاب قيس سعيّد.

منذ بلوغه موقعه صاعداً من اللاشيء سياسياً، وهو الذي يتباهى بأنه لم يشارك في أي استحقاق انتخابي منذ الثورة، كان قيس سعيّد شخصية استفزازية. محافظ حتى الثمالة يشنّ حروباً مفتوحةً على المحافظين. يقول إنه ابن الشعب وصوته فتبحث في معاجم الذاكرة لعلك تجد شخصيةً في مخيلتك بعيدةً بقدر ما أنه هو بعيد عن الناس. كاره للسياسة يدّعي أنه مفكّر سياسي ومنظّر “اللجان الشعبية” في القرن الـ21. محارب أزلي لدستور عام 2014 لكنه متخصّص في تفسيره لتبرير انقلابه، بعدما أدّى قسطه في عرقلة تأليف محكمة تكون وظيفتها الحصرية شرحه والفصل في الخلافات حول غموض بنودٍ فيه، متى وُجدت. لا يتعب من تكرار العبارات البليدة نفسها عن عظمة الثورة، فيضرب أهم ما أنجزته، أي الديمقراطية، بلكمةٍ يُخشى أن تكون قاضية، إلى حين. الديمقراطية لا تنزل عن شفتيه، لكنه في الوقت نفسه، يكره الأحزاب والدستور والانتخابات والنظام السياسي والفصل بين السلطات، لكي تستحيل الديمقراطية في تعريفه، تسلّطاً باسم مستعار. يعيّن نفسه رئيساً للنيابة العمومية، ثم يؤكّد حرصه على استقلال القضاء. ولكي تكتمل قصة إهانة عقول المستمعين، يجاهر بأنه لم يجد أفضل من كارثة إنسانية اسمها كورونا لكي ينفذ انقلابه، فجعل “مئات الموتى بكورونا يومياً” في مرتبة “الخطر الداهم” الذي مد له الجسر ليعتلي المادة 80 من الدستور، وفق فهمه وحده لها. أكذوبة محاولة الاغتيال التي ادّعى الرجل وجودها لتصفيته تلخّص الكثير من ذوبان الذاتي والموضوعي والنفسي في كيانه السياسي.

ما ذُكر أعلاه، وكثير غيره، كوّن في مخيال خصومه صورة الرئيس الشعبوي غير الجاد. صورة جعلتهم يستخفّون بالمدى الذي يمكن أن تصل إليه نرجسيته. فاتهم إبقاء العين على البطة السوداء ذات البذّة المرقّطة. بالغوا في إبداء حسن النية حيال العسكر وها هم يجدون أنفسهم من دون خطة عمل.

قيس سعيّد، تكاد تجعلنا نكره لغتنا العربية الجميلة يا رجل. هذه وحدها تستحق أن تُحاسَب عليها، قبل الانقلاب وبعده.

  • العربي الجديد

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا