المستنقع الأمني للولايات المتّحدة في اليمن والعراق

257
  • د. سعدالله زارعي
  • ترجمة:  محمّد إبراهيمي الكاوري
  • مركز الهدف االدراسات/مهد

 

  • الیمن، مصيدة الحرب

بعد أيام وتحديداً في 26/3/2021، تمرُّ علينا الذكرى السادسة للحرب الغربيّة-العربيّة المفروضة على الشعب اليمني، والتي قد تستمرُّ أشهراً  عديدةً أُخرى. وبناءً على ما ذكره مسؤولون قطريّون وبعضُ المسؤولين الباكستانيّين، فإنّ الملك سلمان وابنه قد اتّصلا ببعض قادة الدول العربيّة والإسلاميّة، وأخبراهم بأنّ الحرب ستنتهي في غضون أُسبوعين، وهاهي الحرب قد استغرقت أكثر بستٍّ وثلاثين مرّة ممّا وعدت به السعوديّة، ولم يتحقّق هدفٌ واحدٌ من أهدافِها.

لقد كانت الرياض، في بداية الحرب، تطمحُ إلى ثلاث غايات هي: أوّلاً، عودة حكومة منصور هادي العميلة إلى دفّة الحكم، وكان منصور هادي قد استقالَ منها قبل ذلك بشهر. وثانياً، نزع الأسلحة الخفيفة والمتوسّطة والثقيلة من أنصار الله. وثالثاً، تسليم العاصمة ومراكز المحافظات، التي يديرُها أنصارُ الله، إلى حكومة منصور هادي.

هذا وقد مضى اثنان وسبعون شهراً على الحرب، ولم يتمكّنوا من الوصول إلى صنعاء، بل إنّهم، ونظراً للخلافات التي حصلت في الجنوب، قد أضاعوا عدن وأصبحوا حكومةً في المنفى!

أمّا أنصارُ الله، فلم تُنزَع أسلحتُهم، بل قاموا بتطوريها وصنعِ أسلحةٍ بالستيّة وغير بالستيّة وطائرات مُسيَّرة، استطاعوا من خلالها أن يَدُكّوا عمقَ الأراضي السعوديّة بما فيها العاصمة الرياض. كما تمكّنوا من السيطرة بشكلٍ كامل أو نسبي، على ثلاث محافظات أُخرى هي الجوف ومأرب والبيضاء. وبعد مُضيِّ 20 يوماً من بدءِ حرب اليمن، أصدرَ مجلسُ الأمن الدولي قراراً – بدعمٍ من المعتدي – يفرضُ فيه حصاراً جوّياً وبرّياً وبحريّاً على الشعب اليمني. في الحقيقة كان ذلك القرار يَحرمُ اليمنيّين من الحصول على الماء والغذاء والدواء، إضافةً إلى تخلّيهم عن أسلحتهم وإرغامهم على الإستسلام. والملفتُ للنظر، أنَّ هذا القرار قد صدَر في وقتٍ كانت السعودية قد وصلت في حربها إلى طريق مسدود، وكان الإمام الخامنئي قد تنبّأَ بأنَّ اليمنيّين سینتصرون وسَيُفشِلُونَ مخطّطات السعوديّة وستصبح نهایة هذه الحرب لصالح المجاهدين اليمنيّين. كانت السعوديّة قد أوقفت عمليّتها التي سمّتها (عاصفة الحزم) بعد يومين من قرار الأُمم المتّحدة، ولجأت إلى عمليّةٍ أُخرى أسمتها (إعادة الأمل).

2-السعوديّة وحيدةً في مواجهة المجاهدين اليمنيين

عندما بدأت السعوديّة الحرب ضدّ مجاهدي اليمن، كان إلى جانبها 17 دولة عربيّة وإسلاميّة، ومع ذلك، لم يمضِ أكثرُ من شهرٍ واحد على اندلاع الحرب حتّى ظهرت علائم هزيمة السعوديّة، وقامت الدُّولُ الواحدة تلو الأخرى بالإنسحاب من ذلك التحالف، حتّى أنّ بعضَها، مثل تركيا وقطر، اتّخذت موقفاً سلبيّاً تجاه السعوديّة.

كما أنّ ضغوط السعوديّة على باكستان، لتأمين جزءٍ من قوّاتها القتاليّة، لم تفلح وتكلّلت بالفشل الذريع، إذ إنّ حكومة “نواز شريف ” رفضت طلبَ السعوديّة واشترطت موافقة البرلمان الذي بدوره رفض هذا الطلب، وفي النهاية أرسلت الباكستان شخصاً ليس له منصب رسمي عسكري أوسياسي، هو رئيس أركان الجيش السابق “رحيل شريف”، ممّا أدّى إلى انزعاج السعوديّة وعدم استقبالها له. وحينما تولّى “عمران خان”، زعيم حزب (حركة الإنصاف)، منصبَ رئيس الوزراء أعلن رسميّاً حياديّة الباكستان، ودعا في مواقفه الرسميّة الجانبين إلى وقف إطلاق النار، وفي الحقيقة دعا السعوديّة إلى إنهاء الحرب. كما أنَّ السعوديّة فشلت في إقناع الرئيس المصري الجنرال السيسي للمشاركة العسكريّة لصالحها، فأصبح الدعم السياسي المصري لهذه الحرب ينخفض تدريجيّاً، واليوم اتّخذت مصر موقفاً مماثلاً لموقف الباكستان. ولم تتمكّن السعوديّة من الحصول على دعم تركيا في الحرب، رغم الموافقة المبدئيّة من رجب طيب أردوغان. ومن ثَمَّ انتقلت تركيا، لاسيّما بعد الأزمة القَطريّة السعوديّة في يونيو2017، من محايد إلى منتقد لسياسة آل سعود.            ومع تغييرالموقف التركي-القطري من الحرب، وجدَ حزبُ التجمّع اليمني للإصلاح بزعامة الشيخ (الزنداني) الذي كان حليفاً للسعوديّة، وجدَ نفسَه في مأزقٍ صعب، ما جعله يغيّر موقفه إلى درجةٍ ما، فحدثت انقسامات في الجبهة السعوديّة-الإماراتيّة لدرجة أنّنا شهدنا اشتباكات عنيفة بين الإمارات وعناصر من الحزب السلفي في “مأرب” و”تعز”. وفي حرب مأرب، لم يكن لدى الحزب الإصلاحي حافزٌ كبير لمقاومة الجيش اليمني وأنصار الله، رغم أنّ “مأرب” كانت المعقل الرئيسي والتقليدي لهذا الحزب على مدى العقود الخمسة الماضية.

 

 

  • إنشقاق في الإئتلاف المكوّن من عضوين!

لقد اتّسعَ الخلاف تدريجيّاً بين التحالف المكوّن من عضوين هما السعوديّة والإمارات. وحينما تعرّضت الإمارات لهجومٍ بالصواريخ من قِبل أنصار الله، قرّرت التحوّل من الدور الرسمي المشارِك في الحرب إلى دورٍ سياسي بالوكالة؛ لذلك أخبر مفوّضو الإمارات ممثّلي أنصار الله والجيش اليمني بأنّهم لايريدون الإستمرار في الحرب وسيسحبون قوّاتهم من اليمن. وبدأت الإمارات في تنظيم المجلس الإنتقالي الجنوبي بقيادة “عيدروس الزبيدي” ممّا أدّى ذلك إلى اشتباكاتٍ بين القوّات التابعة للسعوديّة وقوّات المجلس الإنتقالي، فكانت “عدن” بين حينٍ وآخر تسقط على يد أحد الفريقين، إلى أن استقرت بيد قوّات الزبيدي. بعد ذلك، كانت الأنباء تتردّد من الجانب السعودي عن وقوع اشتباكات في الجنوب، وحتّى هذه الفترة يمكن القول إنّ عدّة آلافٍ قد قُتِلوا على أيدي بعضهم البعض. ومع توتّر العلاقات بين الإمارات والسعوديّة على أرض الواقع، اتّجهت القوّات السعوديّة نحو قوّات القاعدة الإرهابيّة المعروفة باسم “أنصار الشريعة” في اليمن، وعقدت معها اتفاقيّة. فالسعوديّة أرادت أن تقوم بنفس العمل الذي قامت به الإمارات،  لأنّ “أنصار الشريعة” يسيطرون على المناطق الشماليّة من محافظة “حضرموت” الحسّاسة، وهذا ما يَصبُّ في مصلحة السعوديّة، فاستخدمتهم في حرب (مأرب) ضدّ أنصار الله. كما أنَّ تقاريرَ أخرى تشير إلى أنَّ السعوديّة تستفيد من  القوّات الداعشيّة المدحورة في سوريا والعراق، لمواجهة القوّات اليمنيّة وأنصار الله. ويقال إنّ حوالي 10000 مقاتل تكفيري يمني، كانوا نشيطين في العراق وسوريا، عادوا إلى اليمن واستلمتهم السعوديّة ليحاربوا إلى جنبها.

4- طريق الحرب السياسي المسدود

لقد واجهت الحرب في الساحة السياسيّة طريقاً مسدوداً أيضا، فالسعوديّة، ونظراً لأدائها الفاشل في الحرب، أدارت ظهرها إلى الحلّ السياسي ولم تستجب لمساعي الوساطة التي قامت بها الوفود العربيّة – مثل الكويت – والوفود الأوروبية، وإنّ ما ارتكبته ضدّ الشعب اليمني بالغ التكاليف. على أيّة حال، اعترفت السعوديّة بهزيمتها المطلقة أمام المجاهدين اليمنيين، والكلُّ يعلم بأنّها تحمّلت في هذه الحرب التي لاتزال مستمرّة، أضعافَ الخسائرالمادّية التي تَحَمَّلها اليمنيّون. ومن الناحية الشرعيّة، فإنّ هذه الحرب قد خلقت وضعاً مزدوجاً على الجانبين، فاليمنيّون يتمتّعون بحصانةٍ قانونيّة عالية وذلك نظراً لطبيعة قتالهم الدفاعي، بينما نرى الجانب الآخر(السعودي)، يفتقر إلى أدنى شرعيّةٍ في حربه ضدّ اليمن، والجميع يعلم أنَّ المعتدي هو النظام السعودي. وفي ظلّ هذه الظروف، یسعی هذا النظام إلى الحفاظ على حكومة “منصور هادي” التي لاتمتلك أيَّ شعبيّةٍ بين أهالي الشمال والجنوب، وليس لها وجودٌ خارجي بين الناس. وقد حاول آل سعود تبريرَغاراتهم الجويّة ضدّ الشعب اليمني في المحافظات الشماليّة والعاصمة على أنّها بطلبٍ من حکومة اليمن!

والسعوديّون يعلمون جيّداً أنّ “منصور هادي” لا يحظى بأيّ قاعدةٍ شعبيّة بين الناس ولا الكتل السياسيّة المعروفة في اليمن، ولا حتّى بين قبائل الجنوب. وما يُسمّى بـ “حكومة منصور هادي” ليس إلّا شرذمة سائبة تتّخذ من فنادق الرياض مقرّاً لها، وجماعات مرتزقة تعمل بالوكالة مثل “أنصار الشريعة” والتي يتكوّن أعضاؤها من أفراد داعش المهزومين في حرب العراق وسوريا، وكانت الأمم المتحدة قد أدرجتها تحت قائمة المنظّمات الإرهابيّة. وهذه الحرب ليس لها أيّ اعتبارٍ أخلاقي ولا يمكن الدفاع عنها؛ ولذا نرى أحياناً بعض المؤسّسات الأوروبيّة والأميركيّة من الدرجة الثانية، تتحدّث عن ضرورة إنهاء الحرب في اليمن.

5- “بايدن” وحرب اليمن

مع اعتلاء “جو بايدن” سدّة الحكم في أميركا، طرحت حكومتُه قائمةً من القضايا الخارجيّة، منها ضرورة إنهاء الحرب اليمنيّة، وعلى الصعيد الدولي، أثار هذا الموقف الآمال في إنهاء هذا التناحر، غير أنَّ اتّصالات إدارة بايدن الأولى مع ممثّلي حكومة صنعاء كشفت أنَّ الولايات المتّحدة ليس لديها نيّةٌ لإنهاء حرب السعوديّة على اليمن. وَسِرُّ هذه القضيّة واضح، فالجانب السعودي محسوبٌ على الولايات المتحدة، وآل سعود عبيدٌ للأميركيّين، أمّا اليمن فَيُعتبَرُعدوّاً لأميركا وإسرائيل.

إنَّ بعض العناصرالداخليّة التي تتقلّد بعض المناصب في إدارة الجمهوريّة الإسلاميّة، ونظراً لعدم إدراكها لطبيعة أميركا وسياساتها، لمّحت في الأسابيع الأخيرة، إلى أنّ وصول “بايدن” إلى الحكم هو فرصةٌ لحلّ القضايا الإقليميّة، ومنها حرب اليمن. ولو أردنا أن نحللّ قولهم بتفائلٍ نقول: إنّهم فُتِنوا بالكلمات وظنّوا أنّ صناعة القرارات الأميركيّة تُتّخذُ في وزارة الخارجيّة، وأنّ رحيل حكومةٍ ومجيئ أُخرى سيغيّرُ الرؤيةَ والمواقفَ الأمريكيّة.

فمن ناحيةٍ نراهم يُقِرّونَ بأنّ سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران كانت عدائيةً منذ أربعة عقود، وفي الوقت نفسه يُلمِّحونَ إلى أنَّ “جو بايدن” سيغيّر السياسة المعادية التي اتَّبعها أسلافُه ضدّ ايران. ويبدو أنَّ اليمنيّين، ونظراً لتجربة إيران، لايثقونَ كثيرًا بخطاب “بايدن” الذي يتظاهرُ على أنّه ديمقراطيٌّ ومعارضٌ للحرب. فبعد أسبوعٍ من إصدار البيت الأبيض بياناً أشار فيه إلى ضرورة إنهاء الحرب في اليمن، أكّد مسؤولٌ بارزٌ في حركة “أنصار الله”، أنّه لايثق بالبيانات الأميركيّة ولايزال يعتبر البيتَ الأبيض شريكاً للسعوديّة في حربها ضدّ اليمن، بل إنّها هي المسؤولة عن هذه الحرب. وعلى ما يبدو فإنّ حكومة بايدن، التي ترى أنّ استمرار الحرب الحاليّة تؤذي السعوديّة، وأنّ صمود المقاومة وتطورها يضرّ بالكيان الذي ترعاه (إسرائيل )، لذا فإنّها تسعى إلى إيجاد مبادراتٍ في الساحة السياسية، دون غضّ الطرف عن الهدف من هذه الحرب، وهو إعادة اليمن لتكون تحت سيطرة السعوديّة والنظام الإقليمي لدول مجلس التعاون الخليجي.

إنّ الولايات المتحدة تعلم جيداً أنّ استمرار الحرب يعني تقوية اليمنيين وسيُصبحون أكثر بأساً، بل وسيكون اليمن القدرة الأقوى بين الدول الموجودة في شبه الجزيرة العربيّة. وهذه الحالة من التوازن ستكونُ ضارّةً بالمثلث الأميريكي-الإسرائيلي-السعودي، والجغرافيا السياسيّة في المنطقة، وستدفع الدولَ العربيّة الصغرى نحو المزيد من التعاون مع إيران. لقد رأوا بأمّ أعينهم، حينما أصابت الصواريخُ اليمنيّة المنطقةَ التجاريةَ في “أبو ظبي” وألحقت أضراراً بالإمارات، ثمَّ بناقلات النفط المستقرّة في ميناء “الفجيرة” الواقع في المحيط الهندي، كيف أرسلَ حُكّام أبو ظبي رسائل إلى طهران تحدّثوا فيها عن الانسحاب من الحرب ضدّ اليمن، حتّى أنّهم اشتبكوا بطريقةٍ ما مع السعوديّة. وهذا يعني أنّ المسار الحالي سيشكّل مخاطر كبيرة على الجبهة الأميركيّة. فالأميركان يتصوّرن أنّهم، إذا تظاهروا على أنّهم دعاة سلام، سيتمكّنون من الحفاظ على مصالح الجانب السعودي وشلّ اليمنيين وتشتيت شملهم. كما تظنُ أميركا أنّ خطة إنهاء الحرب ستحوّل اليمنيين إلى فصيلين: معارضٍ ومؤيّد، وتجعل المقاومة اليمنيّة تشتبك مع قوّات الشمال، وفي النهاية ترغمهم على تقديم التنازلات لصالح السعوديّة. وهذه سياسة مألوفة تمَّ اتّباعها تجاه إيران أيضاً.

لقد رأى مسؤولو إدارة “أوباما” أنّ الـتأثير الأكثر أهميّة في الاتفاق النووي، هو تشتيت الإیرانيين، واعتقدوا  أنّ هذا الاتّفاق سيقوّض موقف إيران الموحّد ضدّ الغرب وسيُرغِم الساسةَ في طهران على تقديم ما يبغونه من تنازلات، وذلك حفاظاً على الجمهوريّة الإسلامية. ومن هذا المنطلق وتزامناً مع مناقشة “البرنامج النووي”، أشاروا إلى المنظومة الصاروخيّة والإقليميّة، وكما قال الشهيد الحاج قاسم سليماني :…أرادوا من خلال “الاتّفاق النووي” محاصرة الجمهوريّة الإسلاميّة. لقد سعى ساسةُ إدارة “بايدن” إلى تأخير وقف إطلاق النار وإعطاء الأولويّة للمفاوضات السياسيّة مع أميركا، وكانت غايتها أن تقدّم السلطاتُ اليمنيّة أولى التنازلات قبل نهاية الحرب، وهو الاعتراف بحكومة “هادي”، أو تسليم إدارة صنعاء، في المستقبل، إلى الأمم المتحدة. لقد ظنّ الأميركيّون أنّه بمجرّد قبول هذه الشروط، سيتمّ الوصول إلى وقفٍ مؤقّتٍ لإطلاق النار. وبعبارةٍ أخرى، لن تنتهي الحرب وسيتمكنوا من نزع سلاح “أنصارالله”، وذلك عن طريق طرح شعارات “شعبٌ واحد”، و “جيشٌ واحد”، و “حصر السلاح بيد الحكومة”. وهذه النسخة مُتّبعة في العراق ولبنان. وقد رَدّدتْ هذه الشعارات جماعةٌ من العناصر في الماضي داخل إيران، حيث طالبت بحلِّ حرس الثورة الإسلاميّة، وقد فشلت في تحقيق أهدافها، كما فشلت مثيلاتها في لبنان.

لقد كان نزع سلاح المقاومة اليمنيّة شرط الولايات المتحدة لبدء المفاوضات، وهذا الأمر يتجاوز موضوع إنهاء الحرب بكثير. وفي الواقع، سعى الأميركيّون إلى إنقاذ السعوديّة من أزمة اليمن، وفي الوقت نفسه سعوا إلى إزالة التهديدات التي ستواجه إسرائيل مستقبلاً من قِبل جنوب شبه الجزيرة.

6- الردّ العملي اليمني على خطة “بايدن”

كان جواب اليمن على السياسىة الأميركيّة واضحاً وهو استمرار عمليّات المقاتلين داخل اليمن والأراضي السعوديّة، فكانَ الجواب العملي للخطة الأميركيّة لمستقبل اليمن. إنّ عمليّة التحرير الكامل لمأرب، والتي أصبح 70 بالمئة منها حتّى الآن في أيدي مجاهدي اليمن، تمثّلُ فشلاً للجهود الأميركيّة لوقف المقاومة اليمنيّة. كما أنّ استمرار هجمات “أنصار الله” بالصواريخ والطائرات المسيّرة على قاعدة الملك خالد العسكريّة في “خميس مشيط” ومطار “أبها” المدني، تلوِّح باستمرار الحرب، ولذا يمكن القول إنّ الحرب مُستمرّةٌ ما لم يتم إيجاد حلٍّ سياسي حقيقي لوقف الغزو السعودي لليمن.

إنَّ سهم العمليّات في محافظة مأرب الحساسة يعكسُ سياسة التحرير التي كانت في ما مضى مرتبطةً بصنعاء في إطار اليمن الشمالي، ولذا فإنّ تحرير”مأرب”، الذي قد يكتمل في الأسابيع المقبلة، سيؤدّي إلى بدء العمليّات في محافظة “البيضاء”، التي تقع جنوب مأرب، ويسيطر المجاهدون اليمنيّون على حوالي 30 بالمئة منها. وبعد ذلك، ستستمر العمليّات نحو محافظتي “الضالع” و”لحج”، وهذا يعني اقتراب المجاهدين اليمنيين من عدن. لقد شنَّ اليمنيّون “حرب تحرير” في هذه المنطقة، وقد أسفرت سياسة تنامي قدرتهم العسكرية عن حصولهم على نتائج إيجابيّة ومثمرة.

إنّ السعوديين، وبعد مرور 50 عاماً، يواجهون نقصاً في التمويل وذلك بسبب استخدام مقاتلات وأسلحة مستوردة باهظة الثمن، بينما يعتمد المجاهدون اليمنيّون على الإنتاج المحلي، وأسلحتهم في الغالب شبه ثقيلة، كما أنّ الصواريخ اليمنيّة والطائرات المسيّرة دون طيار، تُصنع بأيدٍ محليّة ولاتكلّف الاقتصاد اليمني الشيء الكثير. ولذلك، فهم يستطيعون الاستمرار في الدفاع لعدّة سنوات دون أن تضرّ العقوبات المفروضة عليهم بنظامهم الدفاعي. والجدير بالذكر أنَّ اليمنيّين لا يريدون استمرار الحرب، إنّما يرون في نهاية الحرب إنجازاً هامّاً وتحوّلاً كبيراً في تقدّم بلادهم.

بيد أنّ المشكلة هي أنّ الجانب الآخر لديه رؤيةٌ أُخرى من نهاية الحرب والتي لايمكن للجانب اليمني الموافقة عليها.

7- وضع الولايات المتحدة المُرتَبك في العراق

لقد مضى 18 عاماً على سقوط نظام صدّام حسين في العراق، وقد مرَّ العراقيّون، خلال هذه الفترة، بثلاث أزمات، وهي الأزمة الناجمة عن انهيار النظام، وأزمة الاحتلال العسكري لبلادهم من قِبل الولايات المتحدة وبريطانيا، والثالثة أزمة احتلال أجزاء هامّة من العراق من قِبل تنظيم داعش التكفيري الإرهابي، وهذه الأحداث أكسبت العراقيين تجربةً مهمّة.

كان النظام العراقي في عهد صدّام حسين مقيتاً، وذلك بسبب طبيعته العدوانيّة وما كان يقوم به من استبدادٍ ومنعٍ لأيّ حركاتٍ وطنيّة. إنّ قرارالنفط مقابل الغذاء الذي فُرِضَ بعد إخراج  القوّات العراقيّة من الكويت، أضعفَ دفاعات العراق بشدّة، إلى حدٍّ جعل الولايات المتحدة وبريطانيا قادرةً على احتلال العراق خلال 20 يوماً دون أيّ مقاومةٍ جادّة من قِبل الجيش العراقي.

لقد كانت الولايات المتحدة تنوي البقاء في العراق لفترةٍ طويلة، حتّى أنّ “هنري كيسنجر” كان يتحدّث عن احتلالٍ لفترة 100 عام، ولذلك تمَّ تعيين “بريمر” حاكماً عسكريّاً على العراق. كانت الولايات المتحدة تتابع سياسةَ الاحتلال العسكري للعراق منذ عقدين من الزمن، وقد سهّل سقوط صدّام ذلك وجعله ممكناً لها، ولكن حينما اُطيحَ بالنظام الديكتاتوري، تحرّر شعبٌ يمتلك في ملفّه تراثَ نضال “ثورة العشرين” ضدّ الإستعمارالبريطاني، وهذا لم يكن في حسبان أميركا، لذلك فوجئت بمقاومة شعبيّة عارمة أرغمتها على توقيع معاهدةٍ أمنيّة عام 2007. وهكذا، وبعد مضي ثلاث سنوات على الاحتلال، قرّرت القوّات الغازية الانسحابَ وتركَ العراق للعراقيين.

وبعد خمس سنوات، تعرّضت الولایات المتحدة لانتقادات لاذعة من قِبل الغرب، وذلك نظراً لانسحابها من موقعٍ ستراتيجي في المنطقة، فأعادت بعض قوّاتها إلى العراق مرّة اُخرى بحجّة مواجهة الإرهاب وتحت مُسمّى “التحالف الدولي ضدّ داعش”، غير أنّ هذه  القوّات لم يكن لها دورٌ في محاربة داعش، بل إنّها كانت تعرقل العمليّات التي يريد العراقيون القيام بها ضدّ داعش.

لقد أثبت العراقيّون مرّةً أُخرى أنّهم يقاتلون ببسالة ضدّ قوّات داعش الإرهابيّة التكفيريّة، وأنّهم يديرون شؤونهم بأنفسهم وليس لهم حاجة بتواجد  القوّات الأميركيّة في العراق. لقد كان من المفترض أن يغادر الأميركيّون العراق، لكنّهم شرعوا بالتهديد، حتّى أنّ الرئيس الأميركي السابق ” ترامب” هدّد بفرض عقوباتٍ اقتصاديّة على العراق، وقد اتُّخِذَت هذه السياسة في زمنٍ اعتبرت فيه الحكومة العراقيّة تواجدَ القوّات الأميركيّة أمراً يُسبّب حساسيّة دول الجوار ويضرُّ بعلاقة العراق بجيرانه.

8- مؤامرة سياسيّة بعد الهزيمة العسكريّة

حينما واجه الأميركيّون الإرادة الوطنيّة للعراقيين ضدّهم، شرعوا بحياكة مؤامرة جديدة وذلك من خلال تحريض بعض الشباب الذين عملوا معهم كشبكة مرتبطة بهم على مدى 10 سنوات، حوّلوا فيها الساحات العراقيّة إلى مراكز احتجاجات. بدأت تلك المظاهرات في أيلول 2019 بهدف الضغط على الحكومة وتغييرها، وقد دعمت السفارة الأميركيّة في بغداد هذه المظاهرات التي اتّخذت شكلَ احتجاجاتٍ على الأوضاع المعيشيّة ومحاربة الفساد في الجهاز الحكومي. ومع استمرار الاحتجاجات، اضطرّت حكومة عادل عبد المهدي، التي استلمت رئاسة الحكومة من خلال البرلمان بطريقة ديمقراطيّة، إلى التنحّي، وقد ساهم المنافسون السياسيّون في إسقاطه أملاً في وصولهم إلى الحُكم. غير أنّ استقالة عبد المهدي لم تُؤدِّ إلى حكومةٍ يمكن أن تعزّز موطئ قدمٍ للولايات المتحدة في العراق. فقد اشتدّت تحرّكات العراقيين ضدّ القواعد والأرتال الأميركيّة، واضطرّ البنتاغون إلى خفض قواعده وعدد قوّاته، وانهاء تواجد قواعده في المناطق المأهولة بالشيعة. فانتقلت  القوّات الأميركيّة إلى قاعدة “عين الأسد” في محافظة الأنبار السُنّيّة، و”الحرير” في محافظة أربيل الكرديّة. غير أنَّ هاتين القاعدتين لم تسلما من الهجمات العراقيّة، حيثُ تعرّضت قاعدة الحرير، المدعومة من حكومة البارزاني، إلى هجومين شديدين بالصواريخ، وكان نصيبها في أحد الهجومين 24 صاروخاً. كما تعرّضت قاعدة عين الأسد في آذار2021 إلى هجومٍ آخر، ممّا أرغم القائد العسكري العام على إعلان حالة تأهّبٍ قصوى للقوّات الأميركيّة في العراق.

لقد أصبح التواجد الأميركي على الأراضي العراقيّة يكلّف الولايات المتحدة خسائر بشريّة وماليّة باهضة، وقد أنفقت في الأشهر الأخيرة مئات الملايين من الدولارات، وذلك من خلال نشر عدّة أنظمة دفاعيّة في قاعدة عين الأسد الكبيرة. ولم يتمكن الأميركيّون من حلّ مشاكل قواتهم الأمنيّة في العراق من خلال عقد اتفاقيّة ثنائية مع الحكومة العراقيّة، لأنّ الحكومة العراقيّة ليست في وضعٍ يسمح لها بالسيادة التامّة على المناطق الكرديّة والسُنّية، لذلك فإنّ المجموعات التي ليست تحت أمرة الحكومة قادرة على أن تهاجم القوّات الأميركيّة والمباني التابعة لها بسهولة وتضعها في مواجهاتٍ لاتُحمد عقباها، وهذا الوضع هوالذي أربك الولايات المتحدة.

9- الولايات المتّحدة والسياسة الإحترازيّة

تسعى الولايات المتحدة، ومنذ عامٍ تقريباً، لمنع تحرّك الجماعات المعارِضة لها، لأنَّ ذلك قد قلّل من ثقة  القوّات الأميركيّة بنفسها. على سبيل المثال، وبعد أسبوعٍ من الهجوم الصاروخي على قاعدة أربيل الذي تسبّب في سقوط ضحایا و خسائر مادّیة کبیرة في  القوّات الأميركيّة، اتّهمت الولايات المتحدة كتائبَ حزب الله العراقي بالتورّط في الهجوم، فشنّت غارةً محدودةً على قوّات الكتائب المتواجدة على الحدود العراقيّة السوريّة، أسفرت عن استشهاد أحد عناصرهذه المجموعة التي تُعتبر جزءاً من قوّات الحشد الشعبي. وکان بإمكانهم أن يقتلوا عدداً أكبر من هذه  القوّات لو كان هجومهم أكثر دقّةً، كما كان الحال في هجومهم، قبل عامٍ تقريباً، على وحدةٍ لكتائب حزب الله في القائم، والذي أدّى إلى استشهاد 27 فرداً من تلك الوحدة، وكان ذلك ردّاً على هجومٍ محدود على السفارة الأميركيّة. إنَّ ضعف الأداءِ الأميركي في مواجهة الهجمات على قوّاتهم يُظهِرُ مدى مخاوف الأميركيين من تصاعد الهجمات العراقيّة على قوّاتهم.

لقد اتّخذت الولايات المتّحدة سياسةً مزدوجة مقابل الهجمات العراقيّة؛ إذ يتحدّث الأميركيّون أحياناً عن الانسحاب الكامل والوشيك لقوّاتهم من العراق، بل وإغلاق سفارتهم أيضاً، بينما نراهم يخطّطون لبقاء قوّاتهم في العراق، وهذا التخطيط كان مستمراً في ظلّ الإدارات الأربع لبوش وأوباما وترامب وبايدن. ونتيجةً لذلك، يمكن القول إنَّ الولايات المتحدة تسعى لاستمرار تواجد قوّاتها سياسيّاً، ولكنّها من الناحية التنفيذيّة، تشكّ في مدى قدرتها على ذلك.

كان لدى الولايات المتحدة آمالٌ كبيرة في تغيير المناخ السياسي لصالحها، وكانت الغاية من الإتيان بحكومة الكاظمي إلى السلطة هي الوصول إلى هذه الأجندة. كما أنَّ بعضَ الكُتل الشيعيّة كانت تظنّ أنَّ علاقة الكاظمي الحميمة مع الحكومة الأميركيّة ستؤدّي إلى حلّ العديد من مشاكل العراق الاقتصاديّة وتعزيز عمل الحكومة، وزوال الضغوط التي كانت تزاولها أميركا على حكومة المالكي وعبد المهدي، وتخفيف العبء الاقتصادي عن كاهل الشعب. غير أنَّ أداء الحكومة الأميركيّة في عهد ترامب وبايدن أظهر عكس ذلك. وخلال مايقرب من السنة التي استلم فيها الكاظمي السلطة، لم تساعد الولايات المتحدة حكومته، بل إنّها رفضت تقديمَ قرضٍ له. فعلاقة الكاظمي بالولايات المتحدة لم تَجنِ ثماراً اقتصاديّةٌ للعراقيين أبداً؛ ولذلك واجه الكاظمي ظروفاً صعبةً في الداخل. ووفقاً لتقرير المصرف المركزي العراقي، فإنَّ الحكومة لم تتمكن من دفع رواتب موظفيها في الأشهر الأخيرة من عام 2020، وواجهت عجزاً بنسبة 20% في النفقات. وقد أدّت الاحتجاجاتُ المتتالية في المحافظات الجنوبيّة للعراق إلى اشتباكاتٍ بين قوّات الجيش والمحتجّين، ومن أجل إخماد الإحتجاجات في البصرة والناصريّة، اُضْطُرَّ الكاظمي إلى أن يقدّم تنازلاتٍ كبيرة للجماعات المؤثِّرة والمنافِسة له في هاتين المحافظتين. وعلى الصعيد السياسي، فقد فشل الكاظمي في أن يقدّمَ نظرةً مستقبليّة ناجحة، واضطرّ إلى تأجيل الانتخابات المبكرة من يونيو إلى نوفمبر 2021.

ويرى مراقبون سياسيّون أنَّ الانتخابات لن تجري قبل يونيو من العام القادم، وهذا يعني أنّها ستجري في موعدها المحدّد. والمعروف أنّهم جاءوا بالكاظمي ليحقّق مطالب المحتجّين، وكان أهمّها إجراءُ انتخاباتٍ برلمانيّة مبكرة. وماذكرناه مؤشّرٌ على أنَّ الوضع يزداد تعقيداً، وأنَّ هذه الظروف دفعت الكاظمي إلى درجة اليأس؛ إذ إنّه أعلن، في أحد اجتماعات مجلس الوزراء في الشهر الثاني من هذا العام 2021، أنَّ بقاء القوّات الأميركيّة يضرُّ بمصالح العراق، وهذا يعني أنَّ الكاظمي انضمّ إلى صفوف المعارِضين لتواجد  القوّات الأميركيّة في العراق.

لقد كانت أميركا تظنُّ أنَّ حكومة الكاظمي وقاعدتيها في الأنبار وأربيل ستهيِّئُ ظروفاً خاصّة لحماية قوّاتها، أمّا الآن فإنّها أدركت أنَّ نشرَ قاعدةٍ عسكريّة أميركيّة في أربيل، أو مجيء حكومةٍ عراقيّة موالية، لن يضمنا، على المدى الطويل، أمن حضور قوّاتها في العراق.

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا