تداعيات استشهاد القائدين سليماني والمهندس وأثرها على الصحوة الإسلاميّة الحديثة في العراق

440
  • الكاتب: حسين رويوران
  • المترجم: محمد إبراهيمي الكاوري
  • مركز الهدف للدراسات/مهد

 

منذ غزو العراق، الذي قادته الولایات المتّحدة عام 2003 م، لم يذُقْ المجتمعُ العراقي طعمَ السكينة والاستقرار، فباتَ ينتقلُ من أزمةٍ إلى أخرى، ولا تُعرفُ عاقبةُ هذا البلد ولا إلى أين سيؤولُ مصيرُه؟! يرى بعض الناس أنَّ هذه الأزمات ما هي إلّا عوامل داخليّة ونتاجٌ لثقافة الشعب العراقي، بيدَ أنَّ العديد من الخبراء يعتقدون أنَّها نتيجةٌ للظروف السياسيّة التي أوجدها المحتل من أجل تأمين مصالحه في هذا البلد.

لقد أنفقت الولايات المتّحدة، وفقاً لما ذكره (ترامب)، 7 تريليون دولار في أفغانستان والعراق، وتحاولُ الآن تعويضَ تلك النفقات من خلال إثارة الفوضى والاضطرابات، وانعدام الأمن السياسي والاجتماعي هناك للسيطرة على النفط و استرداد نفقاتها.

وهنا، لابدَّ من الإشارة الى أنَّ الشعب العراقي لم يوجّه الدعوة إلى أميركا للقدوم إلى هذا البلد حتّى يدفع لها التعويضات! وإنَّما هي التي خاضت هذه المغامرة العسكريّة طمعاً في توسيع نفوذها.

وإذا أردنا دراسة الظروف الراهنة في العراق من أجل معرفة الآفاق المستقبليّة لهذا البلد، فلابدَّ لنا من دراسة التطوّرات  والأحداث الجارية على الساحة حالياً.

بعد ارتكابِ أميركا لجريمتها الكبرى باغتيال الشهيدين الحاج قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس، قائدَي النصر على الحركات التكفيريّة والإرهابيّة، قرب مطار بغداد في العراق وبأوامر من الرئيس الأميركي السابق ترامب، والتي ردَّت عليها إيران فوراً بإطلاقها صواريخ على القاعدة الأمیركيّة في عين الأسد، صوّتَ البرلمان العراقي على مشروع  قرارٍ طالبَ فيه الحكومة بإنهاء التواجد العسكري الأجنبي على الأراضي العراقيّة. ومنذ ذلك الحين حتّى يومنا هذا وأميركا -وبسلوكٍ تنمّري وحججٍ واهية كمحاربة الإرهاب – ترفضُ الانسحاب من العراق، وإن كانت قد قلّصت قوّاتها إلى2500 عسكري وحدّدتها في  قاعدتين.

إنَّ فصائل المقاومة العراقيّة، ومنذ العام المنصرم إلى يومنا هذا، قامت بعشرات العمليّات ضدّ قوّات الاحتلال الأميركي، وما تزال تؤكّدُ على استمرار المقاومة حتّى يتمّ الانسحاب الأميركي الكامل من العراق.

لقد حدثت، منذ العام الماضي وحتّى اليوم، عدّةُ تغيّراتٍ في المعادلة العراقيّة، لها أهميّةٌ بالغة في فهم التطوّرات المتسارعة في هذا البلد؛ منها استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، ووصول  مصطفى الكاظمي إلى الحكم، في واحدةٍ من التطوّرات التي أدارتها أميركا بطريقةٍ غير مباشرة. وفي أعقاب الاحتجاجات الواسعة النطاق ضدّ فساد الطبقة السياسيّة في العراق، سَعَت أميركا إلى ركوب الموجة، في محاولةٍ منها لتحقيق أهدافها  من خلالها، فتمّ على الفور توظيف العشرات من منظّمات المجتمع المدني، التي أنشأتها الولايات المتحدة في العراق خلال العقدين الماضيين، للقيام بالمهام المنوطة بها، إضافةً إلى تأمين الموارد الماليّة المرسلة من مشايخ المنطقة لدعمها من أجل السيطرة على المظاهرات الشعبيّة عن طريق الفضاء الإلكتروني.

وكان من أهم إملاءات الولايات المتّحدة على عملائها أن يُنسب الفساد في الحكومات، التي صنعتها يدُ المحتلّ الأميركي، إلى إيران وقادة الشيعة، والمطالبة باستقالة عادل عبد المهدي القريب من إيران. وبناءً على طلب المرجعيّة وانهاءً للأزمة، استقالَ عادل عبد المهدي وتسلّمَ مصطفى الكاظمي – المرشّح الأميركي والمدعوم من القصر الأبيض- أعلى منصبٍ في العراق، وهو منصب رئاسة الوزراء. وحسب هذا السيناريو، كانت الولايات المتحدة تبتغي من وصول الكاظمي إلى السلطة إجراءَ انتخاباتٍ جديدة لتتخلّص من هذا البرلمان المناهض لأميركا، وتُنهي العمليّة لصالحها في العراق.

يُقال إنَّ أميركا استغلّت الفقرَ المادّي والسياسي لتنفيذ مآربها، وأنفقت عشرات الميليارات لتُحوّلَ احتلالَها للعراق إلى احتلالٍ اجتماعي وسياسي وثقافي بامتياز.

لقد كان التصرّف الذي قامت به الولايات المتحدة في اغتيال قائدي النصر على الإرهاب، ولاسيّما أبو مهدي المهندس الذي كان نائباً للقائد العام للحشد الشعبي الرسمي الذي يُعدُّ جزءاً من القوّات المسلّحة تحت إشراف رئيس الوزراء، أمراً مُستغرباً.  ولكن رغم فساد بعض المسؤولين، إلّا أنّه لم يتمّ التسامح مع هذه الإهانة التي لم يحتملها صاحبُ الدار، والتي سبّبت صدمةً سياسيّةً كبيرة في هذا البلد، وخرج ملايين العراقيين في الكاظميّة وبغداد وكربلاء والنجف لتشييع الشهداء، وليثبتوا أنَّ أنصار المرجعيّة والحشد الشعبي أكبر بكثيرٍ من التيّار الذي حشدته أميركا من خلال القوّة والترهيب، ووسائل الإعلام الإلكتروني، وبذل الأموال. ومن خلال هذه الإجراءات، غيّرت هذه الحادثة المعادلات في العراق، فبعد تشييع جنازة القادة العراقيين، انسحب العديدُ من القوى السياسيّة المتظاهرة، لاسيما التيّار الصدري الذي يتزعّمه مقتدى الصدر، من ساحة الاعتصام وفصلَ حساباته عن المهرّجين الموالين لأميركا.

لقد أدّى اغتيال قادة النصر على داعش، إلى تغيير الوضع السياسي في العراق وتغيير أولويّات الشعب العراقي. فرغم أنَّ وصول مصطفى الكاظمي إلى السلطة بمساعدة القوّات الأميركيّة يعتبرُ نصراً مؤقّتاً للولايات المتحدة، إلّا أنَّه ونظراً للظروف السياسيّة المستجدّة، لا يمكن القول إنّ الآمال الأميركيّة ستتحقّق وسيتحوّل المشهد العراقي لصالحها. وقد دعا الكاظمي المتظاهرين إلى فَضّ الاعتصام بعد وصوله إلى الحُكم، وأمرَ بمواجهة أيّة معارضة للأمر، وقد تعرّضت قوّات الشرطة في مدنٍ مختلفة، ومنها الناصريّة، إلى المتظاهرين الذين رفضوا إنهاء الاعتصام، بالهجوم عليهم وقتل عددٍ منهم. وقد أظهرت هذه الأحداث أنَّ مظاهرات الاحتجاجات على فساد المسؤولين لم تكن إلّا وسيلةً لوصول المرشَّح الأميركي إلى سدّة الحُكم،  وبعد أن يقوم بدوره سيتمُّ القضاءُ عليه. غير أنَّ الكثير من الجماعات المحتجّة قد اعتبر هذا السلوك إهانةً لوعي الشعب العراقي، ممّا أسفرَ عن حصول  انقساماتٍ بين المتظاهرين.

وكان المطلبُ الثاني للاحتجاجات الشعبيّة في العراق هو إجراء انتخاباتٍ مبكرة، وقد أصدر الكاظمي قراراً بإجرائها منتصف حزيران/ يونيو المقبل، ولكنّ المتظاهرين أعلنوا أنَّ مجلس النوّاب الحالي لا يمثّلهم، وأنّهم مع حلّ المجلس وإجراء انتخاباتٍ جديدة، مع تواجد ممثّلين حقيقيّين للشعب في البرلمان؛ حتّى تتحقّق مطالب الشعب ويتمّ القضاء على الفساد وتجفيف منابعه.

كانت الولايات المتحدة تأمل، من خلال إجراء الانتخابات المبكرة، الاستفادة من الاضطرابات الانفعاليّة بين أفراد الشعب، والغضب الجماهيري الواسع، في التخلّصَ من البرلمان الذي صوّت على إخراج القوّات الأميركيّة من العراق، وتأسيس أحزاب جديدة موالية للولايات المتّحدة؛ حتّى تُهيِّئَ الظروف لصالحها.

هذا وكان الانخفاض الرهيب في أسعار النفط، الذي كان يُموّلُ ما يناهز 90% من ميزانيّة العراق، أدّى إلى تعطيل العديد من الخطط الأميركيّة، وأدّى العجز الحادّ في الميزانيّة، إلى جعل حكومة السيّد الكاظمي غير قادرة على توفير الاحتياجات الضروريّة ودفع رواتب موظفي الدولة. فالتأخير في دفع الرواتب لمدّة ثلاثة أشهر أدّى إلى استمرار الخطّة الأميركيّة في الضغط على المناطق الشيعيّة، وامتدادها إلى المناطق الكرديّة، واشتعال المظاهرات في السليمانيّة وحلبجة والتي أدّت إلى إشعال النار في مكاتب الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتّحاد الوطني، وحرق صور الملّا مصطفى البارزاني وجلال الطالباني، وردّة فعل البيشمركة المحليّة، حيث أدّت إلى مقتل وجرح أكثر من500 متظاهر والقيام باعتقالات واسعة، وهي أحداثٌ أظهرت أنَّ المخطّطات الأميركيّة تواجه تحدّياتٍ خطيرة.

بعد أن أطاحت الولايات المتحدة بالنظام السابق، قام الحاكم المدني للولايات المتحدة في العراق (بريمر) بحلّ الحكومة السابقة وأجهزتها، وإحالة جميع  موظّفيها الى التقاعد. فكان دفع رواتب ما يقارب  من سبعة ملايين شخص من قِبل حكومة الكاظمي نتيجةً للتكتيكات الأميركيّة، ولكنّ الأكثر استغراباً هو أنَّ موظّفي جهاز المخابرات في النظام السابق، الذين عَذَّبوا و أعدموا المواطنين، أصبحوا الآن يستلمون رواتبَ من الحكومة العراقيّة.

كما أنَّ محاولة حكومة الكاظمي الاقتراض بسرعة من صندوق النقد الدولي لن تجدي نفعاً في حلّ محنة الاقتصاد العراقي النامي المتأزِّم، ولربّما كانت الحكومات على مدى الأعوام الـ 17 الماضية تلبّي بعضَ الاحتياجات العاجلة عن طريق الإقتراض من هذا  الصندوق، إلّا أنّ نتيجته هي تراكم الديون وزيادة معدلّات الفائدة عليها وضرورة سدادها، ممّا جعلَ الميزانيّة العراقيّة تمرُّ بضغوطٍ جديدة دون أن يلوح حلُّ جوهري للاقتصاد، ودون وجود أملٍ لحدوث ارتفاعٍ كبير لأسعار النفط في السوق العالميّة قريباً، ما سيجعل الاقتصاد في ظلّ هذه الظروف عرضةً لأزماتٍ متتالية.

كما أنَّ  إقدام  السيّد الكاظمي على خفض سعر الدينار العراقي في مقابل الدولار، والذي قام به مؤخّراً، هو أيضاً لعبةٌ خطيرة يمكن أن تكون لها آثارٌ سلبيّة كبيرة على الاتّجاه الذي يميل إلى أميركا في العراق؛ إذ أنَّ إفقارَ المواطنين، وتقليص الرّعاية الاجتماعيّة، وقطع رواتب بعض العوائل المتضرّرة سياسيّاً من النظام السابق، لا يمكن أن يكون  دون عواقب اجتماعيّة  سلبيّة في المستقبل .

وأمّا السیناریو الأميرکي الآخر من إيصال الكاظمي إلى دفّة الحكم، هو تأسيسُ حزبٍ جديد يروّجُ للأفكارَ الليبراليّة الغربيّة للوصول إلى السلطة من خلال الانتخابات وإضفاء الطابع المؤسّساتي على الوجود السياسي الأميركي في البلاد، وإعفاء الولايات المتّحدة من الحضور المباشر في هذا البلد. وفي إطار هذا السيناريو، كان من المقرّر أن يقوم الكاظمي بتأسيس حزب على أن يكون (رائد جوحي)، مدير مكتب رئيس الوزراء وابن أخيه، سكرتيراً له. وحتّى الآن لم يتمّ انتخابُ اسمٍ للحزب، غير أنّه يُقال إنّه قد يُستفادُ من اسم “التجمّع الوطني”. كان الكاظمي، إبّان النظام السابق، ناشطاً في إطار حزب المؤتمر الوطني بزعامة “أحمد الجلبي” الذي كان يقيمُ في لندن، وليس من المستبعد أن يستخدمَ بعضاً من  كوادر الحزب القدامى في تنظيمه الجديد .

و في ظلِّ الأوضاع الراهنة والأشهر القليلة المتبقيّة، أصبح من شبه المؤكّد أنّه لم يعد بالإمكان تأسيسُ حزبٍ آيديولوجي قادرٍ على عرض المتطلبات الاجتماعيّة، أو تكوين حزبٍ شخصي للفوز في الانتخابات، وهذا سيضع الكاظمي في مواجهة الأحزاب التي قامت بدعمه من خلال التصويت لصالحه في البرلمان، وهي نفسها التي أوصلته إلى دفّة الحكم.

إنّ محاولات السيّد الكاظمي للفوز في الانتخابات المقبلة، وفي ظلِّ ظروفٍ خاصّة، باتت غير واردة؛ لأنَّ ثقةَ الجمهور أخذت تتآكل وتتقلّص بشدّة نظراً لأداء حكومته الضعيف.

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا