من وراء اشعال الخلاف الحدودي البحري بين لبنان وسوريا؟

251

فجأة أثيرت مسألة الحدود الشمالية للمنطقة الاقتصادية البحرية للدولة اللبنانية، الحدود التي يتشارك لبنان وسوريا فيها.

وانطلقت أبواق تدعو إلى “المواجهة والاستعداد” للحرب من شتى الصنوف والأنواع ضدّ سوريا التي تتهم من قبل أصحاب الأبواق السياسية والإعلامية بأنها اغتصبت مساحة 750 كلم2 من لبنان ومنهم مَن يقول إنها مساحة 1000 كلم2 أو أكثر. فما هي حقيقة الموضوع ومَن المسؤول عنه وكيف يُحَلّ؟ وقبل ذلك لماذا أثير في هذا الوقت بالذات رغم أنّ القضية بدأت مراحلها الأولى منذ 10 سنوات؟

 

في البداية لا بدّ من العودة إلى القواعد والأصول في ترسيم الحدود بين الدول سواء أكانت حدوداً برية أو بحرية أو حدود مناطق اقتصادية، فالقاعدة المعمول بها في القانون الدولي العام هي أنّ الحدود بين الدول ترسمها الدول المعنية ذاتها وتتمّ العملية عبر مفاوضات ثنائيّة بينية تطرح فيها الأطراف على طاولة التفاوض حججها وبيّناتها وقرائنها الثبوتية التي تؤكد مطالبها وتستمرّ في النقاش حتى الوصول إلى اتفاق يُبرم من قبلها ولها بعد ذلك أن تودع اتفاقها الأمم المتحدة لأخذ العلم والمصادقة.

فإذا لم تتوصل الأطراف المعنية إلى اتفاق فإنهم يلجؤون إلى طرف ثالث، ويختارون التحكيم إذا توافقوا على محكّم، أو القضاء الدولي إذا بادرت إحدى الدول باللجوء اليه، وتتعقد المسألة إذا كانت الدول على حالة عداء وعدم اعتراف ببعضها كما هو الحال بين الدولة اللبنانية والعدو “الإسرائيلي”، حيث يتجنّب لبنان القيام بأيّ سلوك أو ممارسة يستشفّ منها بأنها اعتراف بـ “إسرائيل” خلافاً لسياسته المتبعة في مواجهتها.

أما مع الدول الأخرى التي ترتبط مع لبنان بعلاقة أخوّة أو صداقة أو علاقات طبيعية أو مميّزة كما والحال مع سوريا، فإنّ القانون الدولي والمنطق السليم يفرض البدء بإجراء مفاوضات معها لترسيم الحدود وحلّ النزاعات حول تلك الحدود برية كانت أو بحرية وقد سبق أنْ لجأت الدولة اللبنانية وسوريا إلى هذا الأسلوب في العام 1946 لحلّ الخلاف في الزاوية الجنوبيّة الشرقيّة من الحدود اللبنانية البرية أيّ منطقة الغجر ومزارع شبعا، حيث شكلت لجنة لبنانية سورية هي “لجنة غزاوي وخطيب” التي عملت على الموضوع ورسمت الحدود المعمول بها اليوم في تلك المنطقة. وفي صدد الحدود البحرية قام لبنان في 2007 بإرسال وفد إلى قبرص للتفاوض على الترسيم أيضاً.

بيد أنّ لبنان لم يتبع ولم يعتمد مع سوريا اليوم وفي مسألة هامة ودقيقة كترسيم الحدود البحرية، لم يتبع القانون والمنطق ذاته، واستنكف عن مخاطبة سوريا أو الحديث معها بشأنه، لا بل أهملت رئاسة مجلس الوزراء في بيروت 20 كتاباً أرسلها وزير الطاقة ثم وزير الخارجية جبران باسيل خلال الفترة من العام 2011 إلى العام 2017، تضمّنت طلب ترسيم الحدود والتفاوض مع سوريا من أجل حسم الأمر ولم يلق آذاناً صاغية، لا بل، وبدل أن يستجيب مجلس الوزراء للقانون والمنطق ولطلبات وزير عضو فيه ويسارع إلى اتخاذ قرار بالتفاوض مع سوريا وترسيم الحدود البحرية معها، أقدمت الدولة اللبنانية في العام 2011 على إصدار مرسوم يحدّد فيه وبإرادة منفردة حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة له وأودعه الأمم المتحدة هو المرسوم 6433 / 2011 الذي تضمّن خطأ فادحاً في الترسيم خاصة في الضلع الجنوبي للمنطقة الاقتصادية مع فلسطين المحتلة. (مرسوم بات بحدّ ذاته يشكل عائقاً أمام لبنان يستوجب إزالته بتعديل المرسوم وتصحيحه).

وسكتت سوريا عن الموضوع من العام 2011 إلى العام 2014 لأنها لا تريد خلافاً مع لبنان مؤمّلة أن يعيد النظر بموقفه الأحادي الجانب ويعمل وفقاً للأصول لحفظ المصالح المشتركة للدولتين بعيداً عن بدعة “النأي بالنفس الغبية الحمقاء” وان يستجيب لمقتضيات القانون الدولي العام وأصوله ويلاقي سوريا إلى طاولة التفاوض لحلّ الموضوع، لكنه لم يفعل، فقامت سوريا ولحفظ حقوقها بأمرين: الأول الاعتراض على الموقف اللبناني وعدم التسليم به، والثاني معاملته بالمثل وترسيم حدودها معه بإرادة منفردة ما جعل الحدود اللبنانية في الشمال محلّ ترسيمين بإرادة منفردة واحد لبناني وواحد سوري ويتداخلان في مساحة تتراوح بين 750 كلم و960 كلم2؛ مساحة يدّعي كلّ طرف ملكيتها وباتت المساحة بذلك موضوع خلاف سوري/ لبناني. وهو أمر من الطبيعي أن يحصل عندما لا يكون هناك تنسيق أو تفاوض.

أبدى لبنان اعتراضاً عبر الأمم المتحدة على الترسيم السوري كما كانت سوريا اعترضت قبل ذلك على ترسيمه الأحادي الجانب، وكان من المنطقي أيضاً وأيضاً ووفقاً للأصول القانونيّة أن يتنادى الطرفان “الشقيقان الجاران والصديقان” المرتبطان بـ “علاقة مميّزة” حسب اتفاق الطائف أن يتناديا إلى طاولة التفاوض لحلّ الخلاف، وأظهرت سوريا استعدادها لذلك لكن لبنان استمرّ بتعنّته ورفضه للتفاوض. والأدهى من ذلك أنّه هو الذي بادر إلى إرسال وفد إلى قبرص للتفاوض حول هذا الشأن و”استمات” لمدة 7 سنوات يجري مطالباً أميركا للتوسط مع “إسرائيل” العدو لإجراء مفاوضات غير مباشرة معها للترسيم البحري، والآن يرفض التفاوض مع سوريا حول الموضوع نفسه، ويقوم بإرادة منفردة بترسيم حدوده معها وينكر عليها حقها بالمعاملة بالمثل لينتج مشكلة كان بغنى عنها.

إنّ مشكلة الخلاف بين لبنان وسوريا هي منتج لبناني محض، وإنّ حله بيدها عبر قرار يتخذه وفقاً للأصول للتفاوض مع سوريا طلباً لحلّ الخلاف، لكنه كما يبدو لا يفعل ويتقصّد فريق لبناني إبقاء الأمر من دون حلّ لأسباب ثلاثة كما نرى هي: السبب الأول: التغطية على تعثر المفاوضات مع “إسرائيل” التي رفضت مجرد التفاوض على الطرح اللبناني الذي يتضمّن المطالبة بمساحة 2290 كلم2 جنوبي الخط الذي رسم خطأ بالاعتماد على النقطة (1) التي أشار اليها مشروع الاتفاق الساقط مع قبرص. فـ “إسرائيل” تتمسّك بخطأ لبنان ولا تريد أن تسمع الموقف الصحيح منه والمحقّ والمتمسك بالنقطة الصواب (29).

السبب الثاني: المساهمة في حصار سوريا لمنعها من استغلال ثروتها البحرية حيث انطلق الضجيج بعد أن لزمت البلوك (1) إلى شركة روسية للاستطلاع الآن والتنقيب بعد 4 سنوات. ويعتقد هذا الفريق اللبناني العامل بتوجيهات وإملاءات أميركية إنّ إثارة الموضوع الخلافي من شأنه حسب ظنّهم أن يوقف الشركة الروسيّة ويساهم في تطبيقات “قانون قيصر” لمحاصرة سوريا، والسبب الثالث: الإساءة إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وإظهاره في موقع المتساهل المفرّط بسيادة لبنان وحقوقه.

إنه الكيد إذن، كيد لبناني أنتج الخلاف، وكيد يرفض العمل بالقانون والسعي إلى التفاوض لحلّ الخلاف، فهل يشكل الاتصال الذي بادر رئيس الجمهورية العماد عون لإجرائه مع الرئيس السوري بشار الأسد بدء معالجة جدّية ويوجه الوفد اللبناني المنوط به أمر الترسيم جنوباً إلى الترسيم شمالاً وهو حاضر للمهمة، فهل يوجه للقاء السوريين وحسم النزاع باتفاق معهم هم جاهزون له؟ أم نستمرّ بسياسة قتل الناطور لا قطاف العنب؟

  • ATN

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا