بعثة الناتو في العراق, في خدمة إستراتيجية بايدن- شكل العالَم الجديد

308
  • *ضحى الخالدي*

ما زال معهد واشنطن للسياسات الخارجية  يواصل إملاءاته على الحكومة العراقية, ويرسم مسارات التعاطي في الشؤون العسكرية والأمنية والإعلامية, ومع البعثات الدولية.

في تقرير للكاتب المتخصص في الشؤون العراقية وفصائل المقاومة مايكل نايتس, على إثر تصريحات الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) يينس ستولتنبرغ التي استأثر إعلانه فيها عن زيادة عديد قوات الناتو في العراق باهتمام الصحافة الدولية والعربية والمحلية, يدعو نايتس, وشريكاه في كتابة التقرير, الدبلوماسيان الفرنسيان المخضرمان تشارلز ثيبوت, وبيير موركوس, بعثة الناتو في العراق الى تطوير العلاقات مع القوات المسلحة وقوى الأمن العراقية بما يتجاوز الحملة ضد تنظيم داعش الإرهابي, وتوزيع عبء الدعم على حلفاء أميركا, بعد المصالحة الاميركية مع الناتو. أذكر هنا أن الدعوة لتوسيع نطاق بعثة الناتو في العراق جاء على أثر انسحاب عدد محدود من القوات الأميركية, فجاء القرار بزيادة عديد الناتو زيادةً تدريجية تستغرق سنوات.

زيادة النطاق والعدد تعني توسيع التعامل مع أفراد القوات المسلحة, وليس مع المستشاريات الأمنية والقيادات العسكرية العليا فقط, إضافةً الى توسيع نطاق العمل مع قوات البيشمركة في إقليم كردستان, وفيما يخص توسيع نطاق العمل الى ما هو أشمل من مواجهة تنظيم داعش, فإن هناك رغبةً في محاولة خنق, أو محاصرة فصائل المقاومة والحشد الشعبي من خلال قوات الناتو.

يتطرق التقرير الى وجود تعاون عراقي ثنائي مع دول الاتحاد الأوروبي في مجالات التدريب والاستشارة حتى خارج نطاق بعثة الناتو, وإن كانت هذه الدول أعضاءً فيها, مثل فرنسا. ومن الغريب أن يشير التقرير الى تجميد الحلف أنشطته بسبب فايروس COVID-19 دون أن يتطرق الى تأثير الضربات التي تلقتها القوات الأميركية في العراق على يد إيران في عين الأسد, وفصائل المقاومة العراقية الجديدة, في أن تزمع قوات البعثة على المغادرة, او تجميد الانشطة في العراق, الأمر الذي أعلنت البعثة في الثامن عشر من شباط- فبراير 2021 عن إيقاف العمل به, واتخاذ موقف جديد بزيادة القوات.

يحاول التقرير إيجاد مسوِّغات لوجود عدد كبير من قوات الناتو في العراق, بحيث يُخَيَّل للقارئ أن التقرير يتحدث عن وضع القوات المسلحة العراقية في حزيران 2014, متناسياً الخبرة التي اكتسبتها في مواجهة التنظيمات الإرهابية, والقوة الرديفة التي أضيفت إليها عبر انضواء فصائل المقاومة العراقية داخل مظلة هيئة رسمية هي الحشد الشعبي, إن تجربة القوات المسلحة العراقية منذ 2014 وحتى الآن, جديرة بأن تدرَّس في الأكاديميات العسكرية العالمية. ومن جملة النقاط المجحفة التي أشار إليها التقرير:

وجود قصور في أداء الوزارات الأمنيّة والمؤسسات الأخرى التي أضعفها الفساد والتغلغل الحزبي وعدم كفاية التدريب والتنظيم!!!  و   تَضاؤل الموارد الماليّة، مما يُشير إلى الحاجة إلى الترشيد.!! فإذا كانت الموارد ضئيلة فكيف سيتم الإنفاق على بعثة الناتو؟ أم أنها جاءت مجاناً لوجه الله تعالى؟ ويشير الى    ازدواجية الأدوار والمهام لمختلف وكالات الاستخبارات وقوات الأمن !! إلا إذا كان يقصد سياسات حكومة الكاظمي الأخيرة, ويشير الى   غياب القدرة الاحتياطية الوطنية، مما أدى إلى تعبئة دائمة لجميع قوات الأمن بغض النظر عن الاحتياجات الحالية!!! فإذا كانت الحجة عدم الحاجة الى تعبئة دائمة, فما الداعي الى وجود عدد كبير من قوات الناتو؟ هل ستتدرب العراقيين على تحديد الأوضاع المتطلبة للتعبئة من غيرها؟ أم ستتدخل استخبارياً في ذلك؟!

يشمل توسع نطاق عمل البعثة, الامتداد الى وزارات أخرى غير الدفاع, كالداخلية والعدل في المدة بين عامي 2022-2023, وبذلك تسعى أميركا الى إشراك حلفائها وشركائها الأوروبيين في عملية التواجد داخل العراق لتحقيق مصالحها, لأن عدداً كبيراً بهذا الحجم ممن يسمون بالمستشارين يتواجدون  وينتشرون داخل الأراضي العراقية هو أمر يخفي وراءه ما يخفي.

يذكَر أن برنامج بعثة الأمم المتحدة الإنمائي في المجالات الأمنية بالتعاون مع بعثة الناتو, وحسبما هو معلَن, يتعاطى رسمياً مع مكتب مستشار الأمن القومي بالشراكة مع مكتب رئيس الوزراء, في مجال إصلاح قطاعات الأمن والعدل وتعزيز الشرطة المحلية.

يوصي التقرير كالعادة بعدد من التوصيات التي تأخذ طريقها الى التنفيذ مباشرةً, كما في تجارب أخرى مع توصيات سابقة من معهد واشنطن لحكومة الكاظمي والمؤسسات المنبثقة عن إدارة  واشنطن, أو المتحالفة معها كفضيحة توصيات تقويض منصات الإعلام المقاوم للوجود الأميركي, والتدخل في هيكلة شبكة الإعلام العراقي, وهيئة الإعلام والاتصالات. وتتلخص هذه التوصيات باستخدام الدعاية الإعلامية (البروباغندا) لتبرير وجود قوات الناتو في العراق, وطمأنة الجمهور العراقي بأن هذه البعثة لن تحل محل القوات العراقية في مجال مكافحة الإرهاب, إنما تُحصَر مهمتها في مجال التدريب والاستشارة, والسؤال الذي يتبادر الى الأذهان هنا: لماذا تحتاج الى البروباغندا؟؟!

ويدعو التقرير الى زيادة التواصل السري مع الحكومة العراقية! من البديهي أن نتساءل هنا, لماذا السرية في التواصل مع جهة سياسية هي الحكومة العراقية في موضوع على مستوى من الخطورة يمس أمن البلاد من الناحية العسكرية والسياسية, ويتلخص بتواجد عسكري على الأرض العراقية؟؟!

كما يدعو التقرير الذي يطلق على سياسة الناتو الجديدة في العراق (بالانفتاح) الى زيادة تدريجية في زخم تواجد البعثة ونشاطها, يبدأ فعلياً في عام 2022, ويشير الى التعاطي بحذر مع تركيا كعضو في الناتو, إذ قد تعرض رغبتها بالمشاركة في بعثة الناتو في العراق, إلا أنها تحتل عشرات الكليومترات شمال الأراضي العراقية, ومشاركة قواتها في قواعد  داخل العراق من الممكن أن يؤجج معارضة فصائل المقاومة والرأي العام لدى جمهورها, لهذا فهو يدعو الى تخفيف وتيرة التدخل التركي في هذه البعثة.

ويختتم توصياته بالصبر, قائلاً بالحرف الواحد (في العجلة الندامة) مشيراً الى إعادة النظر في قضية التعامل مع ألوية الحشد الشعبي باعتبارها جزءاً من القوات الأمنية العراقية, بل ويدعو الى عدم تدريبها, أو تقديم المشورة الأمنية لها, وهذا أمر متوقع, إلا أنه يتناقض مع الدعوة الى التعاون مع قوات البيشمركة في إقليم كردستان, وأذكر هنا أن القوات الألمانية كانت تتواجد في إقليم كردستان لتدريب قوات البيشمركة خلال سنوات الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي, بل وكانت تزود البيشمركة بالأسلحة الثقيلة كالمدافع متوسطة المدى, والخفيفة كالمسدسات الألمانية التي ارتبطت بفضيحة ظهرت عام 2017 تمثلت ببيع مقاتلي البيشمركة المسدسات التي حصلوا عليها من ألمانيا, نتيجة عدم استلام رواتبهم من حكومة الإقليم, وقد عثرت إحدى البعثات الإعلامية الالمانية في أربيل على هذه المسدسات في أسواق السلاح في كردستان, حاملةً ختم الشركة الألمانية المصنّعة وشيفرات التسلسل.

حين نضع كل ما سبق في إطار الوضع الإقليمي والدولي لابد أن نضعه في سياقه الصحيح ضمن استراتيجية جو بايدن في المنطقة, والعالم, حيث يؤكد على تعزيز الشراكة مع حلف الناتو, واضطلاعه بدور أكثر أهمية, سيما وأن إستراتيجية بايدن تضع على رأس أولوياتها دعم أمن إسرائيل وتعزيز التطبيع مع دول المنطقة مقابل حل الدولتين (الحل الوهم), ويقف صلباً بإزاء ذلك خطاب الإمام الخامنئي الأخير حول أهمية خروج القوات الأميركية من العراق وسوريا.

إن إستراتيجية جو بايدن تتلخص بأن قوة أميركا الداخلية تتأتى من هيمنتها في الخارج, وهو مُحِق لأن الثروات في الخارج هي التي تموِّل اقتصاد أميركا, كما أن إصرار بايدن على تعزيز الشراكات مع أوروبا وبقية أصدقاء أميركا هو نسخة COPY-PAST من مقال سامانثا بَوَر الطويل (القدرة على الفعل: ميزة أميركا وفرصة بايدن) الصادر في عدد كانون الثاني/يناير – شباط/ فبراير 2021 من مجلة فورين أفيرز, والذي يوحي بعجز أميركا بمفردها, والاعتراف بأن قوة أميركا بحلفائها, وهي عبارات ترددت في المقال بشكل يوحي بالتواضع الأميركي, ومن الممكن أن ينطلي على البسطاء, لكن حقيقته هي الاعتراف والإقرار بالعجز, فالقطبية الواحدة منهِكة, ولها كلفتها الباهظة.  يُذكَر أن سامانثا بَوَر كانت ممثلة أميركا في الأمم المتحدة في إدارة أوباما, وهي اليوم في إدارة بايدن, عُيِّنت رئيسةً لصندوق دعم الديموقراطية سيئ الصيت, المتورط  في الربيع العربي-السلفي-الصهيوني, وكل الانقلابات التي تصب في مصلحة أميركا, إضافةً الى دعم منظمات المجتمع المدني المتورطة في أجندا نشر ثقافة الانحلال. ولا استغرب تعيينها في هذا المنصب بعد قراءتي لمقالها الذي يعتبر خطة عمل إدارة بايدن المعتمدة على القوة الناعمة, والمنسجمة تماماً مع إستراتيجية بايدن.

نعم أميركا تشعر بالعجز, لكنها مصرة على قيادة العالَم بالدبلوماسية, وحين تفشل الدبلوماسية ستستخدم جيشها الأقوى في العالم على حد تعبير جو بايدن, في حماية وتعزيز هذه الدبلوماسية في الوقت المناسب, وبالتأكيد فإن على رأس المسارات الدبلوماسية التي تعمد إليها إستراتيجية بايدن حول العالم, وفي المنطقة تحديداً هي الدبلوماسية الروحية (البيت الإبراهيمي) مشفوعةً بالدبلوماسية الثقافية والفكرية (تصدير النموذج الأميركي, والتهديد بالإرهاب كورقة لعب) والدبلوماسية الاقتصادية (مواجهة الصين) والدبلوماسية العلاجية (لقاح فايروس COVID-19).

ركّزت إستراتيجية بايدن على الأمن الاقتصادي من خلال مواجهة الصين , ودعم الأنظمة الصديقة [كحكومات مصر والخليج وحكومة الكاظمي], والتركيز على التطور التكنلوجي في عالم الاتصالات والانترنت مشيراً –بايدن- الى منع أعداء أميركا من الاستفادة من هذه الخدمات المتاحة التي ستتعزز في أميركا ولدى أصدقائها, لكن ستُحرَم منها دول معينة مثل [إيران] وجهات بعينها [كفصائل المقاومة وجمهورها], ويشمل ذلك التطبيقات ومواقع التواصل التي تتميز بإمكانية الاستهداف الفردي, وهذا يذكرنا بتسريبات تفضح نية التجسس على هواتف السياسيين والقادة والإعلاميين في العراق, والكبت على الحريات الصحفية والإعلامية.

وتشمل الدبلوماسية الأميركية في إستراتيجية بايدن الدبلوماسية العلاجية عبر استعباد الشعوب بلقاح COVID-19 منحاً, أو منعاً, وتعزيز المثل الديموقراطية والدفاع عنها, وهي عبارة فضفاضة تضم في مطاويها جملة الثقافات والممارسات المهددة للمنظومة الأخلاقية والاجتماعية, ومحاربة الاستبداد ويعني بذلك حسب وجهة نظره دولاً مثل روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية وفنزويلا, ومحاربة الانتشار النووي قاصداً بذلك إيران وكوريا الشمالية, و إيقاف الحرب على اليمن, والتي يطلق عليها النزاع في اليمن قائلاً إن أميركا لن تقدم (شيكات) على بياض لأصدقائها في المنطقة, في سياسة ابتزاز من نوع آخر لدول الخليج, ويدعو الى ما أسماه انسحاباً مشرِّفاً من أفغانستان يضمن عدم عودة الإرهاب اليها, وتصحيحاً للوجود الأميركي في العراق!! نعم تصحيحاً, وليس انسحاباً,  وتوسيع عمل الناتو عبر العالم!! وهنا بيت القصيد.

ويدعو الى العمل على تعاون مثمر مع الهند واليابان وكوريا (الجنوبية) وأستراليا ونيوزيلندا وفييتنام لمواجهة الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادي, وهو أمر ينطبق على مواجهة روسيا أيضاً. وسرعان ما شهدنا الجمعة الماضية 12/3/2021 اجتماع قمة افتراضي جمع قادة أميركا (بايدن) والهند (مودي) واليابان (سوغا) وأستراليا (موريسون) ليثبت أن الرجل الناعس في البيت الأبيض على حد وصف سلفه ترامب, لا يمزح, وهو نشيط جداً.

ويسعى بايدن الى تعزيز التعاون مع كندا شمالاً والمكسيك جنوباً من أجل ما أسماه التكامل الاقتصادي بين الدول الثلاث, وبالتالي بين الأميركيتين إذا ما علمنا أن المكسيك (أميركا الشمالية) قريبة من فنزويلا (أميركا الجنوبية) حيث أكبر احتياطي للنفط, وأكبرمصدر للنفط للولايات المتحدة قبل أن تتحول الى أكبر دولة نفطية محاصَرة من قبل الولايات المتحدة.

كل هذه الخطوات تتطلب من أميركا تعزيز شراكاتها مع دول غرب أوروبا, مما انعكس على توسيع بعثة الناتو في العراق, لا سيما الدور الألماني والفرنسي والبريطاني والدنماركي باعتبار الدنمارك تقود البعثة حالياً  بعد قيادة كندا لها مدة عامين.

في الظاهر يبدو بايدن أنه يحاول جاهداً إعادة  إيران الى طاولة المفاوضات, لكن ثنايا كلماته تبرز بوضوح ممانعته لحصول إيران على التقنيات المتطورة للطاقة النووية, وليس السلاح النووي, رغم تشديده على استخدام الطاقة البديلة, والطاقة النظيفة حمايةً للمناخ, لكن في أميركا والدول الغربية فقط, وليس للبلدان النامية. رغبة بايدن الحقيقية في الحوار تخص برنامج الصواريخ الباليستية, ودعم فصائل المقاومة في غرب آسيا, مهما حاولت البروباغندا تهميش هذين الملفين باعتبارهما ملفات جانبية.

لا تزال أميركا بايدن تتذرع بتأمين الملاحة, وهذا يعني أن أساطيلها ستبقى في منطقة الخليج, وبحر العرب, والمحيط الهندي, وهي أماكن احتكاك ليس مع إيران فقط, بل مع روسيا والصين.

هل يمكنك أن تتخيل الآن شكل الأيام المقبلة؟

  • شبكة الهدف للتحليل السياسي والاعلامي

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا