الانفتاح العربي نحو سوريا … التوقيت والثمن

305

السياسة لغة الممكن وقاعدة العلاقات فيها تقول إنه لا يوجد صديق دائم ولا عدو دائم ، مع الحفاظ على المبادى الاساسية وانما توجد مصالح مشتركة، هذه المصالح ترتبط بتحالفات استراتيجية تحكمها المعطيات السياسية الواقعية، والفكر الأيدلوجي الذي ربما يكون هوالعامل الأقوى في ثبات وديمومة العلاقة بين البلدان .

هنالك أمثلة كثير لهذه الرابطة السياسية بين البلدان خاصةً بعد الحرب العالمية الثانية، وانقسام العالم إلى معسكرين ومثالاً على ذلك العلاقة الاستراتيجية بين الدول العربية مع الاتحاد السوفيتي، وهذه العلاقة أخرجت لنا نصر 73 ضد العدو الصهيوني.

.

الدولة السورية ليست بمعزل عن هذه الاستراتيجيات فبسببها خرجت من حربها منتصرةً، فمن خلال عمر الأزمة السورية وقف حلفاؤها الذين تربطهم معها علاقة عقائديه واستراتيجية، وهنا نحن نتحدث عن إيران وروسيا وحزب الله، في المقابل كانت هنالك دول غربية وعربية تقف على طريق معاكس ضد الدولة السورية، وكانت في فترات كثيرة وقود الحرب في سوريا والسبب الرئيسي في زيادة نارها ودمارها مادياً ومعنوياً.

الصواب السياسيي –إن صح التعبير- إقدام الدول التي ناصبت سوريا العداء طوال سنوات أزمتها، وهي معروفة على المصالحة السياسية، وطبعاً هذه المصالحة ليست بلا ثمن فهنالك أثمان لابد أن تدفع من أجل إعادة العلاقة السورية العربية وخاصة الخليجية، سواءٌ كانت سياسية أو اقتصادية.

الحلف الخليجي بشقيه المتناقضين، دول المقاطعة والحصار،ودولة قطر ونستبعد سلطنة عمان كلياً، وجزئيا دولة الكويت، كانوا معادين للدولة السورية ويقفون في الخط المقابل الداعم للمسلحين بكافة توجهاتهم سواءً الإخوانية منها أو القاعدية او الداعشية أو العشائرية، نراهم اليوم يبعثون برسائل من هنا وهناك للرجعة وطلب الصفح من الحكومة السورية، والسؤال الجوهري لماذا الآن ؟ وماذا تعني هذه الاستدارة نحو الحكومة السورية .

إن قرار الانسحاب الأمريكي من سوريا قلب الأوراق وأربك حلفاء أمريكا العرب، فالمحور المعادي للدولة السورية سياسياً وعسكرياً كان يستقوي بالوجود الأمريكي في سوريا، ولكن بعد قرار أمريكا الخروج من سوريا تغيرت الأجنة العربية والخليجية بسبب قرار رحيل أمريكا من المنطقة .

ربما تكون الهرولة السياسية تجاه سوريا والتي بدأت أول معالمها بزيارة الرئيس السوداني السابق ” عمر البشير” و كثير من المحللين يعلقون على زيارته بأنها جاءت لتنقل رسائل تغيير المواقف الخليجية المعادية لسوريا، وما يؤكد ذلك إعادة فتح سفارة الإمارات العربية المتحدة، وتلتها بعد ذلك سفارة دولة مملكة البحرين، وأخيراً الموقف السعودي الذي تغير كلياً تجاه سوريا بخصوص عودتها إلى الجامعة العربية وعدم ممانعتها لهذه العودة، وإقالة وزير خارجيتها، الذي كان يتغنى صباحاً مساءً “أن الرئيس بشار الأسد لا مكان له في سوريا وسيخرج سواء سلماً أو حرباً “.

هذه المواقف الإيجابية تجاه سوريا لماذا الآن؟ الجواب له شقان الشق الأول هو قرار الانسحاب الأمريكي من سوريا، فهذا الانسحاب ترك علامات تعجب واستفهام في العقل السياسي الخليجي والعربي، الذي بدوره أدى لعمل استدارة تجاه سوريا بعد عداء لعدة سنوات ، والشق الثاني هو الخوف من أن تملأ تركيا هذا الفراغ.

من هنا جاءت لعبة التحالفات الاستراتيجية، والتغير التكتيكي في المواقف، تحج سياسياً تجاه دمشق بسبب عدم نضوج التسويات السياسية والعسكرية ، فالوضع في شمال سوريا بعد إعلان الانسحاب الأمريكي مازال ضبابياً، فتركيا تريد من شرق الفرات منطقة خالية من المسلحين الأكراد، وهذا لا يكون إلا بطريقتين إما بسيطرة الجيش السوري على المنطقة، وهذا بدأ بدخول الجيش السوري إلى مدينة “منبج” أو بحملة عسكرية تقودها تركيا مع المسلحين التابعين لها، وهذا يعني وجود تركي في شرق الفرات، وهو ما لا يقبله الجيش السوري ولا العرب المتصالحين مع سوريا.

الخيار بيد الأكراد فبعد تخلي أمريكا عنهم لم يبقى لهم إلا التوجه إلى الدولة السورية وقطع الطريق على تركيا أو مجابهة تركيا عسكرياً.

الخيار الأول هو الأكثر واقعية عند الأكراد إلى الآن، والذي سيؤدي كذلك لتراجع تركيا عن شرق الفرات، وإيجاد صيغة عسكرية عن طريق إيران وروسيا لإنهاء وجود المسلحين في شمال سوريا بعد أن يكون ضمن إنتشار الجيش السوري في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد على أمنه الوطني. ربما بعد ذلك ستنضج المصالحة السياسة بين تركيا والدولة السورية.

خوف بعض دول الخليج من تركيا نابع من كون الأخيرة قد تكون بديلاً عن أمريكا في المنطقة، لاسيما أنها تحمل أيديولوجية مخالفة للفكر السياسي الخليجي، التقارب الخليجي له أسبابه السياسية والعسكرية، والواقع الميداني يقول إن الأسد باق في السلطة، وقد انتصر ولابد أن تتعامل الدول الخليجية والعربية على هذا الأساس لكي لا تدع فرصة لتركيا بالتمدد في الشمال السوري.اعلنت أبو ظبي إعادة فتح سفارتها في دمشق والتي كانت قبل هذا الاعلان تضع نصف قدم لدى الحكومة السورية ونصف قدم مع المعارضة. وقد دعمت قوى سياسية معارضة بعينها، كتيار “الوعد” السوري على سبيل المثال، كما دعمت فصائل مسلّحة داخل ما عرف باسم “الجيش الحر”، أهمها فصيل “الجبهة الجنوبية” المدعوم من “مركز العمليات العسكرية” في الأردن، المعروف بغرفة عمليات “الموك”، واستخدمت هذه الفصائل لمواجهة فصائل إسلامية أخرى ، صُنفت إرهابية، وكانت مدعومة من تركيا وقطر.

الكل يعمل اليوم لإيجاد طريق رجعة يتصالح فيه مع الحكومة السورية وهذا التصالح ماذا يعني ؟ أنه يحمل عنواناً واحداً فقط لا غير هو: انتصرت سوريا الأسد، انتصرت بوصلة فلسطين، انتصرت سوريا التي حاربها الحلف الأطلسي، وبعض الدول العربية والنظامين الإقليمين الإسرائيلي والتركي، وربع مليون مسلح من جميع دول العالم من أصحاب الفكر القاعدي والداعشي والإخواني، بسبب هذا الانتصار نرى اليوم خط الرجعة العربية والذي سيكون مظلة للرجعة الأروبية، وهذا كله بسبب فشل المشروع الغربي تجاه سوريا ونجاح الحلف الاستراتيجي بين سوريا وحلفاؤها .

  • شبكة الهدف للتحليل السياسي والاعلامي

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا