سوريا 2021 عام التسويات الدولية

375

إن ما شهدته سوريا خلال عقد كامل من الزمن، لك تشهده حتى الحروب البربرية بكل أنواعها على مر التاريخ، هجمة ممنهجة تم الضخ لها بكل القدرات الممكنة لإسقاط هذه القلعة المقاومة دونما وقوف إلا القلة إلى جانبها، فكان لثبات جيشها وشعبها العامل الأكبر في مواجهة التحديات الدولية الكبرى عليها.

إن المحادثات الثلاثية الأخيرة بين روسيا وتركيا وقطر في العاصمة القطرية – الدوحة لحل الأزمة السورية بعد عشر سنوات من الحرب الكونية عليها، رغم أنه ألقى ببوادر انفراج على المستوى الشعبي وتفاءل ضمني، لم يرقَ لأن يصبح ممكناً أو مصدقاً نظراً للدورين التركي والقطري السلبي على سوريا لكن كانت مفاجئة صاعقة شكلت صدمة لكل المتابعين لجهة التوقيت من جهة، ولجهة الانقلاب المفاجئ للسياستين التركية والقطرية من جهة ثانية.

لا شك أن لروسيا دور كبير في هذا الأمر إن تم، فالجميع يعلم أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لم يذهب في جولته هذه لاستجداء الخليجيين أو استمالتهم لتغيير مواقفهم من الأزمة السورية، فهو مشهود له بدبلوماسيته الفذة وحنكته السياسية منقطعة النظير، ناهيك عن القدرة الدبلوماسية الروسية التي كان لها الفضل في إيقاف الحرب العسكرية السورية والحد منها لما انعكس إيجاباً على سوريا وخفف معارك عدة عن الجيش السوري، فما هي حقيقة هذه المحادثات؟

الحل من دمشق

إن الأزمة السورية ألقت بظلالها بشكل واضح على دول الإقليم خصوصاً العراق ولبنان، فلم تستطع السياسة الأمريكية على الرغم من اتفاقيات السلام أو ما يُعرف بالتطبيع من أن تغير واقع المنطقة المشتعل، ولا صفقة القرن، ولا حتى الانسحاب من الاتفاقيات الدولية المهمة في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بل غرقت في وحل الأزمات أكثر فأكثر، كذلك الأمر في الأزمة اليمنية، لم تستكع إيقاف الصواريخ البالستية أو الطائرات المسيرة لأنصار الله على العمق السعودي من منشآت نفطية ومناطق حيوية وحتى القواعد العسكرية، فبات لزاماً حلحلة هذه الملفات جميعاً، إذ ظنت الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة جو بايدن، أن الدعوة إلى عودة المفاوضات مع إيران حول الملف النووي مجدداً، وجعل طهران عرابة المحادثات اليمنية – السعودية لوقف الأزمة، ستستطيع واشنطن التخفيف عن حليفتها الرياض ووقف هجمات المقاومة اليمنية، لكن لم يتغير شيء، فقامت بشطب اسم أنصار الله عن لائحة الإرهاب الدولي، كذلك لم تستطع وقف الهجمات المستمرة، وبالتالي فشلت في أولى مهامها كإدارة جديدة بإحداث فرق حتى بمساعدة إسرائيلية مبطنة.

لتأتي دولة لافروف إلى الخليج وقبلها ليونة السعودية حول عودة سوريا إلى الجامعة العربية، هذه الأمور تبين أن لموسكو رسائل عديدة تريد إيصالها لواشنطن ومعها محورها ككل، من هذه الرسائل أنها قادرة على دفع إيران لمفاوضات الملف النووي مجدداً كونها شريك أساس لها في الملف السوري، أيضاً هذه الشراكة قد ينتج عنها حل ما يدفع للحوار اليمني – الخليجي وإغلاق الملف اليمني نهائياً، فضلاً عن قدرة موسكو على التأثير على تركيا التي أقلقت الولايات المتحدة مؤخراً كونها دولة عضو في حلف شمال الاطلسي – الناتو، لكنها تميل بشدة نحو تمتين العلاقات مع روسيا، وبالتالي هي شريك لا يمكن أن تعول عليه أمريكا كما السابق، وهذه نقطة استثمرتها القيادة الروسية وعرفت كيف تستفيد منها.

الضمانات

لا يمكن التعويل على محادثات الدوحة أن تحدث حلاً سحرياً ينهي أزمة سوريا المتشابكة والشائكة لكن لدمشق شروط لا يمكن أن تتنازل عنها، إيجاد حل جذري لمنطقة شرق الفرات، هذا الحل لا يكون إلا بالانسحاب الأمريكي الفوري، إضافة إلى الانسحاب التركي والالتزام باتفاقية أضنة، وحسم موضوع الانفصاليين بشكل نهائي، ما يعني رفض التقسيم أو الحكم الذاتي بكل اشكاله، زد على ذلك إلغاء العقوبات الاقتصادية على دمشق أو على الأقل التخفيف من حدتها.

 

هذه الشروط هي أساس أي تفاوض أو بداية حل للأزمة السورية طالما أنها ستحقن دماء السوريين وتنهي آلامهم خاصة الاقتصادية منها، هذا ما حمل موسكو على زيارة الدوحة بعد تجهيز الترتيبات اللازمة لتهيئة الأجواء الإيجابية بين جميع الأطرافـ لكن هذا الأمر يدفع إلى تساؤل هام، وهو هل تغير الموقف القطري والتركي لوحده أم أن هناك ضغط أمريكي عليهما غير معلن؟

 

يبدو أن الضغط الأمريكي كان واضحاً في هذا الشأن فلقد قلنا في مقالات سابقة، أن سوريا لا تشكل أهمية استراتيجية كبيرة للولايات المتحدة، لكنها الصخرة التي تعيق الاستفراد الإسرائيلي في المنطقة، لكن بعد عشر سنوات لم يستطيعوا كسر دمشق فلقد صمت وصبرت رغم آلامها وتحملت كل الهجمات عليها، فأقل ما يمكن أن ينفذوا شروطها أو ستبقى حجر عثرة لجميع مخططاتهم.

 

النتيجة، إن سوريا تثمن الدور الروسي منذ لحظة مساعدتها للدولة السورية في حربها الكونية عليها، وتتميز روسيا بأنها حققت كل الأهداف الأساسية التي كانت تطالب بها وأن الحل سياسي لا عسكري حتى أيقن الخصوم جميعاً بضرورة إيجاد حل يعيد لـ دمشق مكانتها ويرد اعتبارها بعد أن دفعت الثمين من شهدائها لأجل وحدة البلاد.

  • ATN

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا