المصالحة التركية المصرية بين احتمالات النجاح والفشل (تحليل)

73

تصاعدت التصريحات التركية خلال الأيام والأسابيع الماضية حول إمكانية إعادة العلاقات بين تركيا ومصر إلى مستواها الطبيعي، وكانت ذروتها حديث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمس الجمعة، الذي أكد فيه وجود اتصالات لرفع العلاقة بين الدولتين.

تصريحات تركية وفتور مصري

بدأت التصريحات التركية تجاه التقارب مع مصر منذ شهور، وكانت في البداية تأتي على لسان مستشارين أو ناطقين إعلاميين، لكنها انتقلت لمستوى الوزراء، وأخيرا لمستوى الرئاسة

وكانت تصريحات ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي، لـ”عربي21″، في سبتمبر الماضي، قد حركت المياه الراكدة في العلاقة بين البلدين، حيث إنه وصف الجيش المصري بالجيش العظيم، وأكد على عدم إمكانية انقطاع الاتصالات بين أنقرة والقاهرة، رغم تأكيده أن الحديث عن إعادة كاملة للعلاقات لا يعبر عن الحقيقة، بسبب بعض الملفات العالقة بين البلدين، ومن ضمنها رفض تركيا للانقلابات العسكرية، ودعمها لحقوق الإنسان.

وبعد أيام من تصريحات أقطاي لــ”عربي21″، علق وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو على الموضوع، وأكد استمرار العلاقات الاستخبارية بين تركيا ومصر، وأشار إلى حدوث لقاءات بينه وبين وزير الخارجية المصري على هامش اجتماعات دولية، وشدد على أن مصر إخذت الحقوق التركية في الثروات المائية بعين الاعتبار عند توقيعها لاتفاقية الحدود البحرية مع اليونان وجزيرة قبرص اليونانية.

التصريحات التركية عادت من جديد قبل أيام، من خلال إعلان وزير الخارجية عن إمكانية توقيع اتفاق بين أنقرة والقاهرة لترسيم الحدود البحرية، وعن إطلاق حوار غير مشروط، لتتوج بإعلان الرئيس أردوغان أمس الجمعة عن استمرار الاتصالات الاستخبارية بين البلدين، وعن الأمل بأن تؤدي الاتصالات الأمنية والدبلوماسية للارتقاء بمستوى العلاقات.

وبمقابل التصريحات الإيجابية التركية منذ سبتمبر الماضي، تعاملت السلطات المصرية بفتور رسمي، بشكل عام. لم ترد مصر بشكل مباشر ورسمي على التصريحات الإيجابية التركية في سبتمبر الماضي، لكنها ردت عبر إعلاميين ودبلوماسيين سابقين، في خطاب يبدو أنه معد ومنسق سابقا، أكد في مجمله على أهمية تحويل الأقوال إلى أفعال، وعلى ضرورة موافقة أنقرة على الشروط المصرية التي تتعلق بدور تركيا في ليبيا واستضافتها لمعارضين مصريين، وغيرها من الانشغالات المصرية.

وعلى الرغم من تتابع التصريحات التركية خلال الأسبوع الماضي، عن وجود مباحثات لتحسين العلاقات مع مصر، اكتفت القاهرة بتصريح لمصدر استخباري لوكالة رويترز، قال فيه إن تركيا أجرت اتصالات دبلوماسية مع مصر، وإنها تتطلع لتوسيع العلاقات بين البلدين، مضيفا “أن مصر تتوقع من أي دولة تتطلع إلى إقامة علاقات طبيعية معها أن تلتزم بقواعد القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، وأن تكف عن محاولات التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة”.

من جهته، نقل مصدر إعلامي لـ”عربي21″ عن دبلوماسي مصري في وزارة الخارجية قوله إن بلاده تقدر التصريحات الإيجابية التركية، لكنها تنتظر الأعمال، مضيفا أن عودة العلاقات “مشروطة بأمور تعلم أنقرة أن عليها فعلها أولا”.

عوامل قد تساعد في المصالحة

 

حصلت عدة تغيرات في الإقليم والعالم، قد تساهم في دفع عجلة المصالحة بين مصر وتركيا، وأهمها:

أولا: حققت تركيا انتصارا مهما في ليبيا عبر مشاركة قواتها وطائراتها في دعم حكومة الوفاق المعترف بها دوليا للدفاع عن العاصمة طرابلس، وقد نجحت الحكومة بالفعل بوقف اللواء خليفة حفتر المدعوم من مصر وحلفائها الخليجيين، واضطرته للتراجع تجاه شرق ليبيا، بعد أن كانت قواته المتمردة على مشارف طرابلس. هذا المتغير العسكري أدى إلى تحريك الحوار السياسي بين أطراف الصراع في ليبيا، بعد أن أدركت مصر والإمارات فشل حفتر وعدم قدرته على الانتصار عسكريا، ما أدى إلى تغيير استراتيجيتهما في ليبيا.

 

 

 

 

عبرت مصر عن هذا التغيير من خلال الانفتاح على حكومة الوفاق الليبية، وإعادة فتح القنصلية المصرية في طرابلس، بعد إغلاقها لمدة ست سنوات.

 

 

 

اقرأ أيضا: مصدر لـ”عربي21″: هذه الملفات سيناقشها وفد مصر مع الوفاق

 

ومع إدراك مصر أن حسم المعركة لصالح حليفها اللواء حفتر بات مستحيلا، وباعتبار أن تركيا هي الدولة الوحيدة التي تتواجد لها قوات على الأراضي الليبية بشكل رسمي وعبر اتفاق مع الحكومة المعترف بها دوليا، فإن هذا قد يدفعها لتحسين العلاقات مع تركيا للمحافظة على مصالحها في ليبيا.

 

 

من الجانب التركي، تعلم أنقرة أيضا أن الحكومة الليبية المعترف بها لن تتمكن من بسط السيطرة على كافة أراضي ليبيا عبر العمل العسكري، لذلك فإن من مصلحتها أن تساهم في استقرار ليبيا بالتوافق مع مصر على الملفات المشتركة بين البلدين في الساحة الليبية.

 

ثانيا: تدرك مصر أن تركيا تمتلك أوراقا مهمة في المنطقة، فمن جهة استطاعت تثبيت نفسها كلاعب أساسي في سوريا، بينما تغيب الدول العربية تماما عن هذه الساحة المشتعلة، كما أن أنقرة تمكنت عبر التحالف مع الدوحة من إفشال الحصار الرباعي الخليجي-المصري ضد قطر، إضافة إلى لعبها لأدوار اقتصادية وسياسية في العراق ودول عربية أخرى. إن الوضع الاستراتيجي لتركيا قد يدفع مصر لاستلام الإشارات التركية الداعية للمصالحة، لأن حسم الخلافات بين الطرفين عبر الصراع لم يعد ممكنا في ظل الوضع الاستراتيجي القوي الذي تمتلكه تركيا، وعناصر القوة التي تمتلكها مصر باعتبارها الدولة العربية الأكبر.

 

ثالثا: على الرغم من الخلافات التركية المصرية المستمرة منذ الانقلاب العسكري في تموز/ يوليو 2013، إلا أن العلاقات التجارية مستمرة بين البلدين، بل إنها في ارتفاع مستمر. وقد تجاوز التبادل التجاري بينهما عام 2018 مثلا ما قيمته 5.24 مليار دولار، فيما تسعى الدولتان لزيادة الاستيراد والتصدير والاستثمارات بينهما.

 

 

اقرأ أيضا: كيف تجاوزت التجارة بين مصر وتركيا الخلافات السياسية؟

 

قد تكون العلاقات التجارية التي تصب في مصلحة البلدين بوابة لتحسين العلاقات، خصوصا في ظل التراجع الاقتصادي الذي تعاني منه كل دول العالم بعد جائحة كورونا.

 

رابعا: لا يمكن لمصر وتركيا أن تحلا أزمة شرق المتوسط والتنقيب عن منابع الطاقة عبر الصراع أو القوة، ولا يمكن لأي منهما أن تتجاوز حقوق الطرف الآخر، وهو ما دفع مصر لأخذ حقوق تركيا بعين الاعتبار عند توقيعها لاتفاق الحدود البحرية مع اليونان، بحسب التصريحات التركية.

 

 

 

 

ستستمر التوترات في هذه المنطقة الغنية بالطاقة والضرورية لاقتصاد البلدين ما دام لم توقع اتفاقية للحدود البحرية بين البلدين، لذلك فإن التقارب والمصالحة ضرورية لهما ليتمكنا من استغلال الغاز الموجود في مناطق نفوذهما الاقتصادي البحري.

 

خامسا: التغير في الإدارة الأمريكية بعد خسارة ترامب للانتخابات، حيث كانت علاقات الأخير مع كل من تركيا ومصر جيدة إلى حد ما، ومالت سياسته إلى ممارسة الحد الأدنى من الضغوط على تركيا ومصر، فيما تمثل الإدارة الجديدة خطرا كامنا على مصالح البلدين، بسبب موقف بايدن الناقد لسياسات تركيا، وبسبب التزاماته مع الفريق الليبرالي في الحزب الديمقراطي لرفض انتهاكات مصر وغيرها لحقوق الإنسان. إن هذا الخطر سيجعل من المصالحة التركية المصرية مصلحة مشتركة بين البلدين.

 

هل تفشل “الشروط المصرية” المصالحة؟

 

 

على الرغم من أن الحسابات السياسية والاستراتيجية تدفع للاعتقاد بإمكانية حدوث مصالحة فعلية بين تركيا ومصر، إلا أن التصريحات المعلنة من القاهرة على لسان مصادر رسمية مجهلة، أو عبر وسائل الإعلام الموجهة من قبل السلطة، لا تظهر جدية مصرية بمقابل الرغبة التركية في التوجه للمصالحة.

 

 

وبالإضافة إلى برود التصريحات الرسمية المصرية مقارنة بالأحاديث عالية المستوى من تركيا، فقد اتفقت معظم التصريحات التي وردت على لسان مصادر مسؤولة وإعلاميين ومحللين سياسيين مصريين على ضرورة “تحول الأقوال التركية إلى أفعال”، فيما وضع متحدثون مصريون “شروطا” على تركيا أن تنفذها قبل المصالحة.

 

وقال الكاتب والإعلامي المصري المعروف، عماد الدين أديب، في مكالمة هاتفية مع برنامج “الحكاية” الذي يقدمه عمرو أديب، إن على الرئيس أردوغان الاتصال بقصر الاتحادية، وطلب مكالمة مع السيسي ليقدم له الاعتذار، وفتح صفحة جديدة بين البلدين،

 

 

 

 

 

فيما أعلن أحمد الخطيب، مدير تحرير صحيفة الوطن التي تملكها المخابرات المصرية، على صفحته في موقع “فيسبوك”، أن مصر وضعت عشرة شروط لقبول المصالحة مع تركيا، أهمها التزام أنقرة بالقانون الدولي في مسألة ترسيم الحدود البحرية، والالتزام بمتطلبات حلفاء مصر الأوروبيين (اليونان وقبرص اليونانية) بهذا الشأن، وشمول المفاوضات للدول الخليجية، واعتذار تركيا عن الإساءات التي وجهتها لهذه الدول، والكف عن دعم الدول الإرهابية، والانسحاب الكامل من ليبيا وعدم التدخل بها، والبدء بالانسحاب التدريجي من سوريا، ووقف نشاط المعارضين المصريين، خصوصا أعضاء الإخوان، وإغلاق قنواتهم الفضائية، وتسليم المطلوبين لمصر، حسب قوله.

 

 

Posted by Ahmed Elkhateeb on Friday, March 12, 2021

 

 

ومع أن هذه التصريحات ليست رسمية، إلا أن الإعلام المصري محكوم تماما بتوجيهات السلطة منذ انقلاب يوليو 2013، ولذلك فإن من المستبعد أن تكون هذه التصريحات دون توجيه أو ضوء أخضر من السلطة، كما أنها تتماشى مع تصريحات دبلوماسية نقلها مصدر إعلامي مصري لــ”عربي21″، أكدت أن القاهرة “لن تعلق على التصريحات التركية طالما لا يوجد شيء جديد، وأن الجانب التركي يطلق هذه التصريحات من طرف واحد حتى الآن، ولا يوجد لدى القاهرة ما تقوله، وأن مواقفها ثابتة في هذا الصدد… وعلى أنقرة أن تستجيب لشواغلنا”.

 

سيناريوهات متوقعة

 

إذا كانت العوامل السياسية والاستراتيجية تدفع باتجاه إجراء مصالحة بين البلدين، فإن لغة الشروط التي تعلنها مصر عبر قنواتها الرسمية والإعلامية قد تعقد من إمكانيات المصالحة للأسباب التالية:

 

أولا: لا تمتلك مصر تفوقا استراتيجيا أو سياسيا في المرحلة الحالية على تركيا، بل إن البلدين بحاجة لإعادة العلاقات بنفس القدر، لأنها تمثل مصلحة مشتركة، وبالتالي فإن تركيا ليست مضطرة للاستجابة للشروط، رغم حرصها على المصالحة؛ لأنها تصب في فائدة الطرفين وليس تركيا وحدها.

 

ثانيا: أثبتت الأحداث السياسية خلال السنوات السابقة أن تركيا لديها قدر كبير من البراغماتية، جعلها تتنازل في مواقف مهمة في العلاقة مع روسيا وفي الملف السوري نتيجة لطبيعة الوضع العسكري في سوريا، ولكنها أثبتت في نفس الوقت أنها لا تستطيع التنازل عندما لا تكون مضطرة لذلك أو عندما يتعلق الأمر بأمنها القومي، كما حصل في ملف الشمال السوري، وفي الملف الليبي، وفي أزمة التنقيب عن مصادر الطاقة في البحر الأبيض المتوسط، إضافة لإصرارها على كشف تفاصيل جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، ما سبب إحراجا دوليا لولي العهد السعودي لا يزال مستمرا حتى اليوم على الرغم من الأذى الذي لحق بالمصالح التركية الاقتصادية بسبب هذا الموقف، وهو ما يدفع للاعتقاد بأن أنقرة -وإن كانت مستعدة للمصالحة مع مصر- فإنها تريد ذلك دون شروط مسبقة، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية مولود شاويش أوغلو، الذي قال إن المحادثات تقوم على أساس عدم وجود شروط مسبقة.

 

ثالثا: أظهرت الصراعات في الإقليم خلال السنوات الثلاث الأخيرة أن لغة الشروط لا تنجح في المنطقة؛ بسبب امتلاك كل طرف لأوراق قوة تساعده في الصراع والمفاوضات، ولعل الأزمة الخليجية تمثل نموذجا على هذه الحقيقة، إذ فشلت مصر وثلاث دول خليجية بفرض شروطها الثلاثة عشر على قطر، قبل أن تبدأ بإعادة العلاقات معها ورفع الحصار عنها دون شروط معلنة. من المتوقع أن يكون هذا هو مصير الشروط المصرية للمصالحة مع تركيا، إذا صحت.

 

رابعا: ركز كثير من الإعلاميين المصريين على ضرورة إغلاق القنوات المصرية المعارضة في تركيا، وطرد المعارضين أو تسليمهم لمصر كثمن للمصالحة، وهو ما يدلل على أن القاهرة لا تفكر بشكل استراتيجي، فهي من جهة ترهن علاقة مهمة مع دولة مثل تركيا بشرط غير جوهري، ومن جهة أخرى تتجاهل التزامات أنقرة الدولية بعدم تسليم معارضين سياسيين لدولة لا تمتلك نظاما قضائيا نزيها مثل مصر أو إغلاق محطات ومنابر إعلامية بسبب معارضتها لدولة ما، كما أنها تعلم أن هذه الالتزامات التركية هي جزء من مكونات القوة الناعمة لها، ومن غير المتوقع أن تتخلى عنها لأجل علاقة تدرك أنقرة أنها حاجة مشتركة للبلدين وليست حاجة تركية فقط.

 

إن قراءة العوامل المختلفة المؤثرة على العلاقة بين تركيا ومصر يقودنا للاعتقاد بأن المصالحة لن تحدث إذا صحت الشروط التي تحدث عنها الإعلام المصري. أما إذا كانت هذه الشروط مجرد جزء من لعبة المفاوضات للحصول على نتائج أفضل، وتصرفت القاهرة وفق مصالحها الاقتصادية والسياسية، وليس بناء على مصالح حلفائها الخليجيين وخصوصا الإمارات، فإن من الممكن أن يحصل تقدم ملموس في العلاقة بين البلدين. حتى يحدث هذا، لا بد أن تتصرف القاهرة مثل “الراشدين” الذين يتخذون قراراتهم وفق الحسابات السياسية، وليس “كهواة” يبنون مواقفهم على شروط لا تمت للسياسة ولا للحسابات الاستراتيجية بصلة.

  • عربي21

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا