مكانة إقليم كردستان العراق في السياسات الإقليميّة للولايات المتّحدة الأميركيّة في غرب آسيا

266
  • محمد رجبي
  • ترجمة: رائد علي البصري
  • مركز الهدف للدراسات/قم المقدسة

المقدّمة:

تُعدّ منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، لما تحتويه من مصادر طاقة هائلة، من المناطق ذات الأهميّة الستراتيجيّة والجيوستراتيجيّة الفريدة والنادرة في العالم.

ولهذا وعلى امتداد التاريخ، كانت هذه المنطقة تمثّل دائماً رأس الهرم في اهتمام القوى العظمى ومحطّ أنظارها.

ومع نهاية الحرب العالميّة الثانية، التي تمخّضت عن تضاؤل قوّة بريطانيا وبروز الولايات المتّحدة كقوّة عالميّة عظمى جديدة، حظيت هذه المنطقة بأهميّة بالغة في السياسة الإقليميّة الأميركيّة.

وبهذه الطريقة، سعت هذه الدولة بمختلف الأساليب، بدءاً من الوجود العسكري المباشر، حتى دعم الحكومات الفاسدة لتأمين مصالحها في المنطقة والحفاظ عليها وزيادتها.

وفي هذا الإطار، تبرز أهميّة إقليم كردستان العراق الذي يضم نحو 50% من ذخائر النفط والغاز في العراق، إضافةً إلى احتوائه على منابع  أكثر الأنهار الجارية في هذا البلد، كنهر دجلة والزاب الكبير والزاب الصغير وديالى (سيروان)، حيث تحظى بأهميّة جيوسياسيّة بالغة في العراق وفي منطقة غرب آسيا، ولاسيما في الظروف التي تجعل مستقبل المنطقة أمام العديد من التحدّيات في أزمة المياه، ولهذا كانت دوماً محط أنظار الولايات المتّحدة.

يتواجد الأكراد، الذين يشكّلون واحدةً من أكبر الأقلّيات القوميّة في غرب آسيا، في أربع دول، وهي إيران والعراق وتركيا وسوريا.

ففي العراق، الذي هو موضوع هذا المقال، وبغضّ النظر عن الغالبيّة العربيّة (التي تشكّل ما بين 75 إلى 80٪ من إجمالي السكان)، فإنّ عدد الأكراد يتراوح ما بين 3/6 إلى 4/8 مليون نسمة، أي حوالي 15 إلى 20 في المئة من إجمالي سكان العراق (فهي أكبر أقليّة قوميّة)، ويقطنون المناطق الشماليّة من البلاد التي تضم محافظات دهوك وأربيل والسليمانيّة وكركوك وديالى ونينوى.

ولو تعود بنا الذاكرة إلى عقد السبعينات، سنجد أنّه لم يكن للولايات المتحدة دورٌ كبير في كردستان العراق، وإنّما صار لها دور بعد انسحاب القوات البريطانيّة من منطقة غرب آسيا ومن هذا البلد.

وسرعان ما بادرت الولايات المتحدة بعد انتصار الثورة الإسلاميّة بدعم غير مسبوق لنظام البعث في ​​العراق، وأطلقت يد هذا النظام للتعامل مع الأكراد، ولكن مع غزو الكويت من قبل هذا النظام نفسه، بدأ التعاون الوثيق بين بعض التيّارات الكرديّة العراقيّة والولايات المتّحدة حيث تركّز أحد جوانب هذا التعاون على مواجهة صدّام. ومع احتلال الأميركان للعراق في العام 2003م،  حصل الأكراد على مزيدٍ من الدعم وصلاحيّاتٍ أوسع من الفيدراليّة. وبعد انسحاب القوّات الأميركيّة من العراق، وضعف الحكومة المركزيّة في مواجهة داعش، أُتيحت لهم فرصة جديدة للمطالبة بالاستقلال. ومن هنا يطرح هذا المقال  السؤال التالي: ماهي مكانة وموقع كردستان العراق في سياسة الولايات المتّحدة  الإقليميّة في غرب آسيا؟ 

ومن خلال نظرة إجماليّة على تاريخ وجود الأكراد ونشاطهم في العراق بعد تشكيل هذه الدولة والأسباب التي أعطت أهميّةً لمنطقة غرب آسيا في السياسة الإقليميّة للولايات المتّحدة، نناقش منهج الولايات المتّحدة تجاه المنطقة التي يقطنها  أكراد العراق.

فرضيّتنا الأساسيّة في هذا البحث هي أنّ كردستان العراق، على طول التاريخ، تُعتبر مجرّد وسيلة وأداة في السياسة الأميركيّة في غرب آسيا، تُستخدم لإيجاد تغييرات جيوسياسيّة في المنطقة في ضوء تنفيذ مؤامرة “الشرق الأوسط الجديد” التي تهدف إلى الحدّ من التنامي الإقليمي للجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، وتوفير أمن الكيان الصهيوني.

والجدير بالذكر أنّ مراجعة ما تناوله الباحثون في مقالاتهم حول مسألة مكانة إقليم كردستان العراق في السياسة الإقليميّة للولايات المتّحدة، رغم قلّتها، يكشف عن توصّلهم إلى نتائج في هذا الموضوع، قد تمّت الإشارة في هذا المقال إلى أهمّها، ولكن لم تتعرّض أيٌّ منها لهذه المكانة في فترة ما بعد الاستفتاء على استقلال كردستان.

 

 

لمحة  عن تاريخ كردستان العراق

 

أكراد العراق منذ تشكيل العراق المعاصر  وحتّى حكومة العراق الجديدة من بعد سقوط صدّام

 

إنّ الأكراد في الأصل هم إحدى القوميّات الإيرانيّة التي كانت تعيش في أيام الحكومة الصفويّة، وعلى إثر حرب (چالدران)، التي نشبت بين الشاه اسماعيل الصفوي والسلطان العثماني سليم الأوّل، ضُمت الأراضي الإيرانيّة التي يقطنها الأكراد إلى الإمبراطوريّة العثمانيّة، وكان ذلك في عام 1514 ميلادي.

ولكن خلال الحرب العالميّة الأولى، وحسب اتفاقيّة سايكس بيكو “في عام 1916م، وبعد اتّفاق القوى العظمى في ذلك الوقت ( فرنسا وبريطانيا) على تقسيم هذه الإمبراطوريّة، أصبح الأكراد، الذين يعيشون في خمس محافظات هي السليمانيّة، وكركوك، وأربيل، والموصل، ودهوك، تحت  سلطة الدولة العراقيّة حديثة التأسيس. وخلال هذه الفترة الزمنيّة، قام الأكراد بعدّة انتفاضات منظّمة مثل انتفاضة “عبد السلام البارزاني” التي انتهت بإعدامه من قِبل البريطانيّين رمياً بالرصاص في الموصل، وانتفاضة شقيقه “الشيخ أحمد البارزاني”. ومع اندلاع الحرب العالميّة الثانيّة، توفّرت فرصة مناسبة للأكراد لكي يستفيدوا من الاضطراب والانفلات الذي ساد المنطقة، وكذلك الدعم السوفيتي والبريطاني في 22 كانون الثاني من عام 1946م، لتأسيس جمهوريّة مهاباد بهدف تحقيق حلم إيجاد كردستان الكبرى والمستقلّة.

يُعتبر الاتحاد السوفيتي أهم داعم لجمهوريّة مهاباد خلافاً للحزب الديمقراطي الأذربيجاني، الذي لم يكن اشتراكيّاً وسعى إلى استخدامهم كوسيلة لتحقيق أهدافه في إيران.

في الحقيقة أنّ الدعم الروسي لجمهوريّة مهاباد يهدف إلى الضغط على حكومة إيران ووضعها أمام أمرين، إمّا التسليم بفصل هذه المناطق عن الأراضي الإيرانيّة وإمّا الموافقة على إعطاء امتياز نفط الشمال للإتحاد السوفيتي، وعلى العكس من الإتحاد السوفيتي فإنّ دور بريطانيا كان متأثّراً بالظروف الدوليّة لهذه الدولة فكانت أقلّ ضغطاً وأكثر احتياطاً.

وعليه، فإنّ بريطانيا التي لم يكن لها بأي حال من الأحوال المكانة السابقة في العلاقات الدولية، وللحفاظ على موقعها ومصالحها في جنوب إيران بعيداً عن السيطرة السوفيتية، لم تعارض فصل مناطق شمال غرب إيران.

ومع إعلان الحكم الذاتي لكردستان برئاسة “القاضي محمّد”،  و”الملاّ مصطفى البارزاني” مع شقيقه وثلاثة آلاف شخص من أقربائه وأبناء عشيرته الذين كانوا يسكنون إيران، حيث عُيّن البارزاني قائداً عامّا للجيش الوطني الكردستاني وكان ذلك في تشرين الأول من عام 1945، إلّا أنّ جمهوريّة مهاباد لم تستمر أكثر من 11 شهراً ولأسباب مختلفة، ومن تلك الأسباب انسحاب القوّات العسكريّة، وسحب قوات الاتحاد السوفيتي من إيران في شهر آيار عام 1946 تحت ضغوط شديدة من قبل القوى الغربيّة.

وكذلك الاتفاق بين إيران والاتحاد السوفيتي بشأن إعطاء امتياز نفط الشمال إلى الاتحاد السوفيتي، فكان ذلك نهاية أيام جمهوريّة مهاباد. ومع انهيار جمهوريّة مهاباد و إعدام القاضي محمد، فرّ البارزاني إلى الاتحاد السوفيتي.

وبعد عودة البارزاني إلى العراق، أصبح رئيساً للحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي. وبعد سنوات، ومع ازاحته المنافسين وهزيمة القوّات الحكوميّة، تولّى قيادة كردستان. وبعد انقلاب “عبد الكريم قاسم” عام 1958، تمّ تدوين دستور مؤقّت، ونصَّ القانون بشكلٍ مباشر على المساواة بين الأكراد والعرب واعترف عبد الكريم قاسم بالحزب الديمقراطي الكردستاني، ولكنّه بعد فترة سحب هذه الامتيازات من الأكراد، وبدأ بقتالهم حتى سقطت حكومته واستولى “عبد السلام عارف” على السلطة.

أمضى الرئيس فترةً قصيرة من الاستقرار والسلم مع الأكراد، ولكن في عام 1963 بدأ هجومه على المناطق الكرديّة، وفي هذه السنوات قام بتهجير الأكراد وأحلّ محلّهم العرب. وجاء من بعده اللواء عبد الرحمن عارف واستمر كسابقيه في قتال الأكراد حتى أُطيح به بانقلاب أحمد حسن البكر عام 1968م. وفي عام 1969، شنّ البكر حرباً على الأكراد استمرت لفترة من عام 1970 حتى عام 1974م، وبعدها توافقت الحكومة العراقيّة وقادة كردستان على أن تُدار المناطق الكرديّة من قبل الأكراد، لكن صلاحيات هذه المنطقة تكتسب شرعيّتها من قبل الحكومة المركزيّة في العراق.

وفي غضون ذلك، شهد حزب البعث  انقلاباً ضدّ البكر، وتولّى “صدّام حسين” الحكم وقام باجراءات واسعة شملت التغيير السكّاني والديني في العراق.

وتحقيقاً لهذه الأهداف والخطط أقدمت القوّات العراقيّة على حرق وتدمير القرى الكرديّة وتهجير أهلها من منازلهم، وإسكان مواطنين عرب بدلاً منهم. كان صدّام من خلال هذه الممارسات يحاول تغيير التركيبة الديموغرافيّة وتشكيل المزيد من القوّات المتحالفة مع الحكومة المركزيّة العراقيّة في تلك المنطقة.

ومع انتصار الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة، ومن أجل تحقيق أهدافه في مواجهة النظام العراقي، بادر الحزب الديمقراطي لكردستان العراق بدعم نظام الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران منذ البداية في مواجهة النظام السابق والمعارضين والمخالفين للثورة في الداخل بما فيهم الحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران، وقاتل إلى جانب القوّات الإيرانيّة ضدّ النظام البعثي في ​​العراق،  ولم يدّخر وسعاً في تقديم أيّ مساعدة للمجاهدين الإيرانيّين، وهذه المواقف تسببت في تعرّض الأكراد إلى هجمات من قبل القوّات العراقيّة لمرات عديدة، وأشدّها كان الهجوم الكيمياوي للقوّات العراقيّة على هذه المناطق التي أُزهقت فيها آلاف الأرواح، ولم تلقَ هذه الجرائم من المجتمع الدولي سوى ردود فعل ضعيفة للغاية.

بعد حرب الخليج الثانية، اعتبر مجلس الأمن الدولي، وبسبب عدم الثقة بالحكومة العراقيّة وعدم التزام الأخيرة بالقوانين الدوليّة وتحت الضغط الأميركي،  اعتبر منطقة شمال العراق منطقةً ممنوعة الطيران، وبهذا القرار وُجدت منطقتان آمنتان إحداهما في شمال العراق في منطقة 36 درجة وفي الجنوب في منطقة 32 درجة، وعلاوة على إبعادهما عن استهداف السلطات في بغداد، أصبحتا من أهم المراكز الرئيسيّة لتنظيم المجاميع والمنظّمات التي تهدف إلى إسقاط صدّام.

بالطبع، وفي هذه المرحلة، لم يكن الاهتمام العالمي مميّزاً وكاشفاً عن موقفٍ مختلفٍ عن السابق، وكذلك هي مواقف الأميركان في الاستفادة من المعارضة الكرديّة، فما كانت تختلف كثيراً عن التجارب السابقة. ولكن مع استمرار المنطقة الآمنة والانفراج الذي حصل نتيجة  قرار النفط مقابل الغذاء الذي وفّر جزءاً من احتياجات أكراد العراق، توفّرت فترة من الاستقرار والاستقلال النسبي للأكراد.

وفي عام 2003، وبعد الغزو الأميركي للعراق، شاركت القوّات الكرديّة مع القوّات الأميركيّة حربها ضدّ الحكومة البعثيّة في العراق. ومن بعد تشكيل الحكومة الجديدة في العراق وصياغة الدستور في عام 2005 الذي أعطى الفيدراليّة صفةً رسميّة وبدعمٍ من الأميركيين، حصل الأكراد  على استقلاليّة أكثر من ذي قبل.

وبعدما حصلوا عليه من امتيازات بالفعل، بدأت هذه المنطقة نشاطها السياسي بصورة فيدراليّة تحت إشراف الحكومة المركزيّة في العراق.

كما تمكّنوا من تقوية موقعهم السياسي في العراق الذي كان محدوداً في كردستان ووسّعوا من مكانتهم حتى على المستوى الوطني، وتسنّموا مناصب سياسيّة سياديّة مهمّة مثل رئاسة الجمهوريّة ووزارات رئيسيّة مثل وزارة الخارجيّة، وطوّروا  دورهم في العراق.

 

أكراد العراق وانسحاب القوّات الأميركيّة، والنزاع مع الحكومة المركزيّة ومواجهة داعش

 

مع انسحاب القوّات الأميركيّة من العراق نشبت سجالات مختلفة بين الحكومة العراقيّة وإقليم كردستان. وأهم وأبرز هذه الخلافات هو الاختلاف حول المناطق الشماليّة الغنيّة بالنفط من البلاد، وقد اعترض المسؤولون السياسيّون في الحكومة العراقيّة على الطريقة التي تُدار بها المناطق الخاضعة لسيطرة الإقليم، معتقدين أنّ مسؤوليها كانوا يتصرفون بطريقة تتعدى الفيدراليّة. فيتصاعد في بعض الأحيان هذا الصراع السياسي إلى حد الصدام المسلح بين قوات البيشمركة والقوّات الحكوميّة.

بالطبع، لا ينبغي أن نغفل عن هذه الحقيقة بأنّ نموذج كردستان العراق وحكومته الإقليميّة، على الرغم من وجود الكثير من نقاط الاشتراك مع نماذج الحكم الذاتي والفيدراليّة، فهي لا تشبه أيّاً منها، لأنّ الصلاحيّات الممنوحة لحكومة إقليم كردستان في إطار الدستور العراقي من قبيل إقامة العلاقات الخارجيّة، وامتلاك قوّة عسكريّة والتي تُسمّى البيشمركة أو حرس الإقليم، تُعدّ هي القوّات المسؤولة عن الدفاع  وحماية المنطقة الفيدراليّة.

وكان لاختيار نظام القوى الثلاث وفصلها عن بعضها البعض في إدارة إقليم كردستان،  وتقسيم السلطة في أبعاد مركزيّة ومكانيّة وفق القانون، مضافاً إلى قدرة برلمان كردستان على نقض وتعديل القوانين الفدراليّة كل ذلك منح الأولويّة للقوانين التي يقرّها برلمان كردستان على قوانين الحكومة والبرلمان، حتى في الحصول على وظائف رئيسيّة وحسّاسة في الحكومة المركزيّة والتي كانت في أوقات الحاجة تعمل كحالة ضغط، وهذا الأسلوب أدّى الى أن يكون نموذج كردستان العراق في وضع أوسع من  الحكم الذاتي والفدراليّة المتعارفة والموجودة في العالم.

 

وبعبارةٍ أخرى، إنّ نموذج كردستان العراق ليس هو في إطار النماذج الكلاسيكيّة، ولا يمكن وصفه ضمن النماذج الفيدراليّة المختلفة في العالم، بل أصبح في حالةٍ وسط بين الفيدراليّة والاستقلال، ويصحّ وصفه بأنّه أعلى من الفيدراليّة.

وبهذا المعنى يمكن القول إنّ بذرة الصراع تم زرعها في الدستور العراقي بين إقليم كردستان والحكومة المركزيّة في هذا البلد.

ومع اندلاع الحرب الأهليّة في سوريا وبعدها وصول هذه الصراعات إلى العراق، نشأت ظروف صعبة بالنسبة للحكومة العراقيّة. وبتعبيرٍ آخر: إنّ الحكومة العراقيّة التي تمتلك قوّات فاسدة وغير كفوءة، خسرت بسرعة مدنها التي هاجمها داعش، وأصبحت الأوضاع معقّدة  لدرجة أنّ مقاومة الدولة قبال داعش كانت صعبة حتى في عاصمتها.

وفي هذه الأثناء، صارت الفرصة سانحة لقوّات كردستان (البيشمركة) في ظل هذه الظروف للانتشار في العراق أكثر من أيّ وقتٍ مضى، فبعد هجوم داعش على محافظة كركوك، قامت قوّات البيشمركة بعمليّات عسكريّة لتحرير هذه المنطقة ذات الأهميّة الكبيرة ومن ثم سيطرت عليها وضمّتها إلى أراضي الإقليم بعد إخراج داعش منها، وقد خلق هذا الوضع فرصة ذهبيّة للأكراد للسيطرة على مناطق أكثر في العراق. هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى خلقت هذه الظروف تعاون كردستان العراق عسكريّاً مع قوى مهمّة ومؤثّرة في العالم (مثل: بريطانيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتّحدة) وقدّمت هذه الدول تعليماً وتدريباً على المستويين السياسي والعسكري للقوّات الكرديّة بهدف زيادة الكفاءة العسكريّة للأكراد قبال داعش، ممّا خلق لدى الأكراد إحساساً بالقدرة والقوّة لدى الإقليم  قبال الحكومة المركزيّة، وأرست التوجّه والشعور  نحو الانفصال والاستقلاليّة عند بعض قادة الإقليم.

وعليه، فإنّ سيطرة كردستان على أجزاء أكثر من الأراضي العراقيّة وزيادة القوّة الماليّة والعسكريّة للإقليم من جهة، والوضع القلق الذي تعيشه الحكومة المركزيّة بسبب مواجهة داعش من جهة أخرى، علاوة على دعم دول خارج المنطقة لكردستان العراق، كل ذلك قد أدّى الى أن يفكر بعض قادة الإقليم – وعلى رأسهم مسعود البارزاني- في فصل كردستان عن العراق. وقد قال بصراحة:

إنّ العراق في حال انهيار وإنّ من حق شعب كردستان أن يقرر مستقبله. وقد تكرر هذا السلوك والتصريحات مرات عديدة من قبل مسؤولي الإقليم حتى أنّهم هدّدوا عدة مرات بإجراء إستفتاء عام في كردستان حول استقلال الإقليم والمناطق الكرديّة والمناطق التي فرضت نفوذها عليها أيام داعش.

 

                       أكراد العراق وإجراء الاستفتاء العام حول الاستقلال

بعد أشهر من النزاعات، أعلن إقليم كردستان العراق عن عزمه على إجراء استفتاء عام  في المناطق التي تحت سيطرته، وقد واجه هذا الأمر معارضة شديدة من قِبل مسؤولي الحكومة العراقيّة، حتى أنّ بعض المسؤولين، كرئيس الوزراء، هددوا بالتعامل بشدة مع الإقليم وحالوا دون عملية الانفصال.

كما أبدى مسؤولو  دول المنطقة مخالفتهم لسياسات إقليم كردستان العراق الإقليمية، وهذه الاعتراضات وإن كانت قد بدرت من بلدان خارج المنطقة، إلّا أنّ هذه المواقف المخالفة  أكثر ما تكون ظاهريةً وإبراز الجانب الإيجابي دولياً  لهذه البلدان.

وعلى أية حال، وفي 25 /9/ 2017 أجرى مسؤولو إقليم كردستان استفتاءً عامّاً، ووفقاً لنقلهم أنّ نسبة 90٪ من الأصوات كانت إيجابية في الإقليم. وقد دفع هذا الاستفتاء مسؤولي حكومة العراق المركزيّة وحكومات دول أخرى مثل إيران وتركيا إلى أن تطرح موقفها الرافض لإجراء إقليم كردستان غير القانوني بقوّة، وفي ضوء ذلك طلبت الحكومة المركزيّة العراقيّة من إقليم كردستان تسليم مطارات الإقليم إلى الحكومة، وبخلاف ذلك فإنّ الحكومة ستغلق الأجواء أمام الرحلات الجوية الدولية وتمنعها من دخول هذه المنطقة.

ومن ناحيةٍ أخرى، كان لحكومة العراق رؤية وموقف خاص في السيطرة على حدود كردستان العراق. وفي هذا الصدد، أجرت مع إيران وتركيا مناورة مشتركة. وبما أنّ إيران وتركيا كانتا المشتري الرئيسي للنفط من إقليم كردستان، فقد هدّدتا  بإيقاف شراء النفط بعد إجراء الاستفتاء العام.

 

 

 

 

أسباب أهميّة منطقة غرب آسيا في سياسة الولايات المتّحدة الإقليميّة

 

تُعدّ منطقة غرب آسيا منطقةً بالغة الأهميّة في السياسة الإقليميّة للولايات المتّحدة ولعدة أسباب، وفيما يلي نتطرق إلى أهمها:

السبب الأول: مصادر الطاقة

يؤمّن النفط والغاز أكثر من 70% من احتياجات الطاقة البشرية، وتُعد منطقة غرب آسيا من المناطق البالغة الأهميّة في هذا المجال، حيث تقع فيها ثلاث دول من أربع دول تمتلك أكبر احتياطي من النفط الخام، والمسجّلة في منظمة أوبك، وهي السعودية و إيران والعراق.

وفي ظل هذه الظروف، ارتبط تأمين الاستقرار في هذه المنطقة بلحاظ علاقتها باستمرار النمو الاقتصادي للبلدان الصناعية واستمرار تدفق النفط بشكل مستقر وآمن ممّا جعل هذه المنطقة موضوعاً مهماً في السياسة الخارجية لهذه الدول.

ويكفي شاهداً على هذا الادّعاء إلقاء نظرة على الحرب العالمية الثانية وسياسات القوى العظمى في تلك الفترة.

فبانتهاء الحرب، تابعت الولايات المتّحدة، بسبب خسائرها القليلة في الحرب قياساً بالدول الأخرى، حركة نموّها بسرعة كقوة عظمى، وخلال هذه الفترة سعت سعياً حثيثاً لزيادة هيمنتها على مصادر النفط في غرب آسيا؛ لأنّ السيطرة على الطاقة ترتبط ارتباطاً وثيقاً ببقاء ومكانة القوّة العظمى للولايات المتّحدة كونها أكبر مستهلك للطاقة في العالم، بالأخص تزامناً مع إعلان تأسيس الكيان الصهيوني وما تبعه من الحروب بين الدول العربيّة وهذا الكيان، والتي كان من تداعياتها أن أوقفت الدول العربية تصدير النفط إلى الحكومات الغربيّة ممّا أدّى إلى وضع الولايات المتّحدة  أمام تحدٍّ صعب.

 

ومن هنا شرعت الولايات المتّحدة بغية السيطرة على المنابع النفطية والسيطرة على مصادر الطاقة الحيوية من خلال التواجد بشكل فاعل في المنطقة. وعلى هذا الأساس صممت الولايات المتّحدة سياستها على إقامة علاقات وثيقة مع الدول الغنية بالنفط في فترة وجيزة وأن تمسك بالعصب الحيوي للطاقة.

وقد بيّن الكاتب كواسكي أحد الكتاب الستراتيجيين في البنتاغون، وصاحب الخبرة الطويلة، في إشارة إلى أنّ حكومة الولايات المتّحدة كانت تسعى دوماً إلى السيطرة على مصادر طاقة العالم، إذ قال: (لو وضعت خارطة مصادر النفط  في العالم إلى جانب خارطة القواعد العسكريّة الأميركيّة في العالم، ستجد هاتين الخريطتين متداخلتين مع بعضهما البعض بشكلٍ كبير).

 

السبب الثاني:  الحد من النفوذ الروسي وانتشار التيارات الإسلامية في غرب آسيا

بعد نهاية الحرب الباردة، أخذ الاتحاد السوفيتي ببسط نفوذه بخطوات سريعة في مختلف مناطق العالم، فكانت منطقة غرب آسيا واحدة من أهم هذه المناطق، ولهذا حاول الروس المجيء بحكومات يسارية وموالية لهم في دول المنطقة، وقد حققوا نجاحات في هذا المجال.

وبالطبع فإنّ مثل هذه السياسة تهدد طموحات ومصالح أميركا بشكل كبير. وعليه بدأت الولايات المتّحدة باستخدام سياسات وأساليب متعددة ومتنوعة مثل إعطاء القروض الكبيرة، وما إلى ذلك من الأساليب للحيلولة دون سقوط دول غرب آسيا في أيدي الاتحاد السوفيتي، ومن جهة أخرى، سعت الولايات المتّحدة إلى أن تجعل إيران سداً وشرطياً لها في منطقة غرب آسيا، فهي بذلك تقف أمام النفوذ السوفيتي في إيران وتستفيد منها كقاعدة عسكرية واستخباراتية لمراقبة ورصد الاتحاد السوفيتي.

ولكن بعد الثورة الإسلامية، لم تفقد الولايات المتّحدة أهم حلفائها الرئيسيين في المنطقة فحسب،  بل تحوّلت إيران إلى قاعدة معارضة حقيقية لسياسات الولايات المتّحدة. وبناءً على هذا ونظراً إلى التجربة القاسية التي مرّت بها الولايات المتّحدة جرّاء الحظر النفطي العربي الذي فرضته الدول العربية إبان حربها ضد الكيان الصهيوني وخشية الولايات المتّحدة من الدول الإسلامية في منطقة غرب آسيا – التي تتخذ الإسلام ديناً رسميّاً لها- أن تستلهم هذه الدول من سياسات الثورة الإسلامية وتقف بوجه مصالح الولايات المتّحدة.

وهذه التجربة المباركة اقترنت نسائمها مع الصحوة الإسلامية في بعض دول غرب آسيا وشمال إفريقيا، وهذا ما دفع إلى بذل الجهود لمنع الثورة الإسلامية من النفوذ لهذه البلدان وبالتالي خلق حالة من الاتحاد فيما بينها.

ومن أجل تحقيق أهدافها عمليّاً، اتخذت الولايات المتّحدة سياسات مختلفة منها التواجد المباشر في منطقة غرب آسيا من خلال إرسال قوات مسلّحة وبناء قواعد عسكرية في المنطقة، وكانت تحركات وتوجهات بعض الحركات الإسلامية المتطّرفة مثل القاعدة قد وفّر الذرائع الكافية لدخول الولايات المتّحدة إلى غرب آسيا أكثر ممّا مضى.

لقد كانت الولايات المتّحدة تهدف من وراء هذه الخطة إلى فرض سيطرتها على دول غرب آسيا لتحتفظ بقوتها كقوة عظمى في المنطقة، ومن الأهداف الأخرى المنشودة تحقيق السيطرة المباشرة على مصادر النفط وطرق انتقالها، وضمان أمن الكيان الصهيوني، وبسط الديمقراطية التي تراها وترتئيها الولايات المتّحدة في هذه الدول والسيطرة على التيارات الإسلامية.

 

ومن أجل استمرار هذه السياسة، اعتمدت الولايات المتّحدة على القوّة والسلطة، فقد دأبت على إزالة وإسقاط الدول التي لا تتناغم مع سياساتها. وعلى هذا الأساس اعتبر رئيس الولايات المتّحدة آنذاك عدداً من دول غرب آسيا على أنّها تمثل “محور الشر”، وقد أقدم على مواجهتها.

وبعد الغزو العسكري الأميركي لأفغانستان والعراق واحتلالهما، سعت الولايات المتّحدة إلى اقناع الحكومات على مماشاة السياسة الأميركيّة والتعاون معها.

لكن  هذه الأهداف لم تتيسر للولايات المتّحدة، وذلك بسبب وجود دول أخرى في المنطقة  مثل إيران. فعلى سبيل المثال، سعت الولايات المتّحدة إلى أن تأتي بحكومة تتماشى معها في العراق، ولكنّ إيران باعتبارها من أبرز المؤثّرين الأساسيين في الساحة العراقيّة بعد سقوط صدام، استطاعت سحب البساط من تحت أقدام الولايات المتّحدة في مناطق متعددة من المشهد السياسي العراقي وفي جهات كثيرة.

كما أنّ التكاليف المالية والبشرية لهاتين الحربين كانت باهظة جداً، وهذا الأمر وضع الولايات المتّحدة تحت ضغوط كبيرة، حتّى اضطرت إلى التقليل من شدة خسائر قواتها وذلك عن طريق تجهيز وتدريب القوّات العراقيّة، فحالت تلك التكاليف التي تحمّلتها الولايات المتّحدة من تطبيق سياساتها في المنطقة.

ومع فشل الولايات المتّحدة في تحقيق أهدافها، تم اعتماد خطة الشرق الأوسط الجديد المعدلة من نموذج خطة الشرق الأوسط الكبير، وأدخلت في جدول أعمالها. ففي هذه الخطة أصبحت الولايات المتّحدة مجبرة على وقف منهجها. وعملت كذلك على كبح ومواجهة التيارات الإسلاموية وترويج الإسلام العلماني، وتقوية الدول الرجعية، وتحويل الميول نحو تياراتٍ منحرفة ومصطنعة.

 

 

 

 

السبب الثالث: السيطرة على القوّة الإقليمية المتنامية لجمهورية إيران الإسلامية

لقد تسبّبت الخلافات الآيديولوجيّة العميقة وانعدام الثقة بين جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتّحدة، في وقوف البلدين ضد بعضهما البعض في جميع سياساتهما بحيث صارت الولايات المتّحدة تنظر في سياستها الخارجية إلى إيران وروسيا والصين على أنّهم أعداء رئيسيين ينبغي عليها مواجهتهم.

كما أنّ توسع إيران في غرب آسيا والذي يُعدّ عاملاً يزلزل مكانة الولايات المتّحدة في المنطقة، مضافاً إلى زيادة قدرتها العسكرية، وهذا أيضاً يحدّ من سياسات الولايات المتّحدة التوسعية الإقليمية، علاوة على معارضة هذه الدولة للكيان الصهيوني الذي يحظى بدعم الولايات المتّحدة الكامل في جميع الجهات، وكلّ ذلك جعل الولايات المتّحدة تتّخذ سياسة خاصة لاحتواء إيران ومنعها من التحول إلى قوة  إقليمية مؤثّرة.

وعلى الرغم من فشل کلّ تلك المحاولات، إلّا أنّ تزايد قوة إيران في المنطقة وانتصار حزب الله في حرب الثلاثة والثلاثين يوماً المدعومة من إيران كان بمثابة ناقوس خطر حقيقي للولايات المتّحدة.

وبناءً على هذا وبعد إخفاق الولايات المتّحدة في تحقيق أهدافها من خلال التدخل العسكري المباشر في أفغانستان والعراق والذي كلّفها نفقات باهظة، اتّبعت سياسة ناعمة واعتمدت وسائل غير مباشرة بغية الوصول إلى نتيجةٍ ما.

وفي هذا الصدد، استخدمت الولايات المتّحدة نفوذها في المنظّمات الدولية، ومارست أشد الضغوط على إيران في مجال انتهاكات حقوق البشر، وامتلاك الأسلحة النووية حيث فرضت عليها مختلف العقوبات، كان الغرض الرئيسي منها جميعاً هو الحدّ من تزايد القوّة العسكرية الإيرانية وإضعاف القوّة الاقتصادية لإيران، وبالتالي خفض الدعم لتيارات المقاومة في المنطقة.

وبهذه الطريقة تحاول الولايات المتّحدة أن تضع إيران أمام العديد من المشاكل عسى أن يحدث تغيير في أسلوب وطريقة تحرك هذا البلد في المنطقة إلى حدًّ ما.

هذا وكانت الأزمة السورية وتحوّلها إلى حرب أهلية بواسطة حلفاء الولايات المتّحدة الإقليميين واحدةً من الخطط ضمن هذا الإطار. كما أنّ تحويل الساحة السورية إلى ساحة حرب بالوكالة من شأنه أن يحدّ من قوة إيران، غير أنّ هذه السياسة كانت بمثابة سلاح ذي حدين حيث بعث على زيادة قوة إيران الإقليمية.

بعد الانتخابات الرئاسية وانتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتّحدة، اتخذت السياسات الأميركيّة صيغة أكثر تطرفاً وتوصلت حكومة الولايات المتّحدة إلى استنتاج مفاده أنّها من خلال ممارسة المزيد من الضغوط على إيران في المجالات الاقتصادية والعسكرية من جهة، واستغلال الثغرات الموجودة في الاتفاق النووي (برجام)، وعدم الإفراج عن الأموال الإيرانيّة من جهة أخرى، وإحكام الضغط على هذه الدولة أكثر من أي وقت مضى ليضطر مسؤولو  الجمهورية الإسلامية إلى الجلوس على طاولة المحادثات من أجل تحقيق أهدافها الإقليمية.

ومن جانبٍ آخر، سعت الولايات المتّحدة إلى خلق أجواء تخوّفٍ وريبة من إيران ومن التشيّع، وذلك لتحشيد دول المنطقة معها، وبدأت بخطوات عملية في مواجهة إيران من خلال تشجيع ودعم  دول المنطقة. وفي هذا السياق وتحقيقاً لهذه الغاية، شرعت أميركا  ببيع الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية بهدف إيجاد قوة عسكرية متفوّقة على القوّة العسكرية لإيران، ولتتمكن من خلال هذه الخطوات من إنقاذ اقتصادها من الوضع الذي هو فيه إلى حدٍّ ما. كما عملت الولايات المتّحدة أيضاً على دعم تشكيل ناتو عربي بهدف استخدام الإمكانات الإقليمية في مواجهة  تنامي قوة إيران والحدّ منها.

 

السبب الرابع: دعم الكيان الصهيوني

على الرغم من أنّ الكيان الصهيوني نفسه وليد الهيمنة والتسلّط كما هي الولايات المتّحدة، لكن استمرار وجوده أدّى إلى أن تحظى هذه المنطقة – منطقة غرب آسيا-  بأهميّة ملحوظة في سياسات القوى العظمى، وهو ما دفعها إلى السعي إلى السيطرة على هذه المنطقة بأيّ شكلٍ من أشكال الهيمنة لتأمين مصالحها .

وبناءً على هذا، سعى الغرب، عن طريق سياسة تهويد شكل الصهيونية ومضمونها، إلى توفير الموارد البشرية الضرورية لإقامة دولة صنيعة لهم في المنطقة واستقرارها من خلال إخراج اليهود من أوروبا كشعبٍ معزول ومنبوذ وعديم الفائدة، وإسكانهم في أرض فلسطين لتحقيق مصالحهم الخاصة.

وبنظرة أخرى، فإنّ إقامة الكيان الصهيوني في غرب آسيا لم يكن في إطار إقامة كيان ودولة صنيعة بهدف تأمين مصالح النظام السلطوي، وإنّما باعتباره تدبيراً ومشيئةً من الله لتحقيق نبوءات الكتاب المقدّس حول عودة المسيح (ع) وعودة القدس إلى اليهود، قبل نهاية العالم، حيث كانت الخطوة الأخيرة من إعادة بناء الهيكل القديم [معبد سليمان] في نفس الموقع التاريخي والقديم له، أي في المكان الذي بُنيت فيه قبّة الصخرة (المسجد الأقصى) حالياً.

يعتقد أصحاب هذه النظرية، التي تُسمى اليوم باسم “الصهيونية المسيحية” أنّ دعم الكيان الصهيوني لا ينبغي أن يقتصر على تأمين المصالح القومية للولايات المتّحدة فحسب، بل يستحقّ الأمر بذل الجهد إلى أبعد من ذلك. فقد قام هذا التيار في السنوات القليلة الماضية وخاصة بعد فشل الكيان الصهيوني في تحقيق أهدافه، خاصةً في حرب الثلاثة والثلاثين يوماً في لبنان، وحربي الاثنين والعشرين يوماً والثمانية أيام  في غزّة، بتسليط البحث على تلك المسألة، وذلك من خلال كتّاب مثل جون ميرشايمر من جامعة شيكاغو و (ستيفن والت) أستاذ جامعة هارفارد، وبحسب اعتقادهم  أنّ الكيان الصهيوني لم يفشل فقط في أداء مسؤولياته، بل أدى إلى ظهور كراهية وعداء واسع النطاق لأميركا في المنطقة، وبذلك تحوّل من حليفٍ ستراتيجي إلى عبءٍ ستراتيجي.

وسبب دعم الولايات المتّحدة لهذا الكيان هو الدور الذي يلعبه المحافظون الجدد، اليهود والمسيحيّون الصهاينة  في أميركا.

على أية حال، إنّ الملفت للنظر أنّه طوال تاريخ العلاقات الأميركيّة الإسرائيليّة ومن بين جميع التحالفات التي قامت في إطار السياسة الخارجية للولايات المتّحدة في العالم، كانت العلاقات الأميركيّة الإسرائيلية من حيث التعقيد والعمق والتأثير السياسي في المسائل الداخلية فريدة من نوعها لدرجة أنّ كاتباً مثل موريس باورز يطلق على الكيان الصهيوني اسم الولاية الأميركيّة الحادية والخمسين، ويطلق روجيه جارودي على الولايات المتّحدة اسم مستعمرة الكيان الصهيوني.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مكانة أكراد العراق في السياسة الإقليميّة للولايات المتّحدة

سنتطرّق إلى دراسة وبحث مكانة أكراد العراق في السياسة الإقليمية للولايات المتّحدة في فترات زمنية مختلفة، وستقتصر دراستنا على ثلاث فترات زمنية، وهي من عام 1970 حتى سقوط نظام البعث، و من عام 2003 حتى انسحاب القوّات الأميركيّة في 2011م،  وما بعد ذلك حتى الآن.

 

الفترة الأولى: من عام 1970 حتى سقوط نظام البعث في عام ​​2003

حتى السبعينات، لم يكن للولايات المتّحدة دورٌ مهم في كردستان العراق، وبعد انسحاب القوّات البريطانية من منطقة غرب آسيا في عام 1971م، أصبح لها دورٌ خلّاق يهدف إلى ما يلي:

  1. 1. الحدّ من النفوذ السوفيتي. دعم الكيان الصهيوني وإحباط تحركات العراق كونه من أشد الدول العربية معارضةً لهذا الكيان. 3. الهيمنة على مصادر النفط  في هذا البلد.

وازداد تحركها بشكل ملحوظ في هذه المنطقة بعد توقيع معاهدة الصداقة بين الاتحاد السوفيتي والعراق عام 1972م، حيث كثّفت من تحركاتها وحاولت التعاون مع الشاه والنظام الصهيوني وقدّمت الكثير من المساعدات لتحريك أكراد العراق ودفعهم إلى القيام بثورة مسلحة ضد نظام البعث، واستقرار جزء كبير من الجيش في المناطق الجبلية في شمال العراق. وفي نهاية المطاف وكجزء من الاتفاقيّة مع نظام بغداد ولإيجاد طريق حلٍّ وسط، أجرت محادثاتٍ  لصالح الكيان الصهيوني، وسرعان ما تخلّت عن الأكراد وأنهت دعمها لهم.

وهذا يعني أنّ الولايات المتّحدة لم تكن لديها الرغبة في انتصار أكراد العراق، وما كانت تهدف من دعمها للأكراد هو إشغال العراق لكونه دولة مدعومة من السوفييت، وحتى تبقيه في حالة دفاع، ومنعه من الدخول في صراع مع الكيان الصهيوني. وبمجرد أن ابتعد العراق عن الاتحاد السوفيتي، أعطت الضوء الأخضر لشاه إيران لتوقيع معاهدة الجزائر، وهي المعاهدة التي بموجبها تعهد محمد رضا بهلوي بقطع المساعدات عن أكراد العراق. وفي هذه المرحلة طلب الأكراد مساعدة الولايات المتّحدة، لكنهم لم يتلقوا أيّ جوابٍ منها ولا من إيران، ولا الكيان الصهيوني الذي كانت له علاقات واسعة مع الأكراد خلال عام 1967 و 1968م، حيث أقدم على قطع علاقاته معهم. ومنذ هذه الفترة وما بعدها بقيت العلاقات الكرديّة والنظام الصهيوني  مقطوعةً حتى عام 1991م، بعد أن غزا صدّام الكويت واحتلّها عسكرياً.

أمّا الولايات المتّحدة ومع انتصار الثورة الإسلامية في إيران، فلم تخسر أهم حليف إقليمي لها  فحسب، بل إنّها، مع مجيء نظام ثوري تسلّم مقاليد الحكم في هذه البلاد، أيقنت أنّ مصالحها قد أصبحت في خطرٍ محدق؛ ولهذا قدّمت دعماً  غير مسبوق لنظام البعث في ​​العراق وعملت على دفع صدام حسين إلى مهاجمة إيران عسكرياً، محاولةً منها لوقف تمدد نموذج الثورة الإسلامية والإسلام السياسي في المنطقة. وفي هذا الصدد، زادت الولايات المتّحدة من دعمها العسكري والاستخباراتي للنظام البعثي في ​​العراق، وأطلقت يده في مواجهة الأكراد. ويمكن لمس نتائج هذا الدعم  في الجرائم غير المسبوقة بحق الشعب الكردي من قبيل: مجزرة حلبجة.

ومع اندلاع حرب النفط والهجوم الأميركي لتحرير الكويت، اكتسبت القضية الكرديّة أهميّة جديدة.  ومرة أخرى استخدمت الولايات المتّحدة الأكراد كوسيلة ضغط ضد نظام صدام، ولكن في النهاية امتنع الأميركيّون عن إقامة علاقة مع هذه الجماعات، ممّا أدى إلى هزيمة الثوار الأكراد، وتمّ قمع إنتفاضة الشعب العراقي ومعهم الأكراد في آذار 1991م، فأصدر مجلس الأمن القرار رقم 688  ضد الحكومة العراقيّة يقضي بإيجاد منطقة حظر طيران في أجواء الشمال عند الخط 36  درجة، وبموجب هذا القرار مُنعت الطائرات العراقيّة من التحليق في هذه المنطقة. وحينئذٍ أصبحت المحافظات الكرديّة تحت سيطرة الأحزاب الكرديّة.

ومنذ هذه الفترة وما بعدها، ارتفعت وتيرة التعاون الوثيق بين بعض التيارات الكرديّة والولايات المتّحدة وأخذ هذا التعاون يتمحور على مواجهة صدام.

 

الفترة الثانية: من احتلال العراق إلى انسحاب القوّات الأميركيّة عام 2011م

في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، بدأ الأميركيّون بالتحرك نحو فرض سيطرتهم ونفوذهم في غرب آسيا، فكان غزو العراق يمثّل خطوة ضمن هذا الهدف. ومع احتلال هذا البلد من قِبل الأميركان، حصل الأكراد – الذين كانوا قد عُرفوا سابقاً بأنّهم تيار معتدل ومتوافق مع السياسات الإقليمية للولايات المتّحدة   – على المزيد من دعم الولايات المتّحدة. وقد تضاعف هذا الدعم خاصة بعد تصميم وتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير.

وفي هذا المشروع الذي تم وضعه في عام 2005م من قِبل وزيرة الخارجية آنذاك (السيدة كوندوليزا رايس) كان الأميركان يهدفون من خلاله إلى تقسيم دول المنطقة إلى دول صغيرة على أسس قومية ودينية مختلفة، وكان العراق من الدول المستهدفة في هذا المشروع.

ومن أجل تنفيذ هذا المشروع في العراق، كان يتعيّن على الولايات المتّحدة استغلال الثغرات الموجودة في هذا البلد لتحقيق أهدافها المنظورة. وأكبر الفجوات الأساسية داخل البنية الجيوسياسية في العراق هي الانقسام العرقي والمذهبي، وهاتان الثغرتان الرئيسيتان يصعب سدّهما وردمهما.

على سبيل المثال، موضوع كردي وعربي هو موضوع عنصري، ويركز على الفوارق والاختلاف فيما بينهما، وفي الوقت نفسه موضوع الشيعة والسُنّة أيضاً يشير إلى الانقسام المذهبي، وهذه الفجوة لها مساحة حتى بين الأكراد أنفسهم، إضافةً إلى أن عدم وجود خلفية سابقة بين هذه الفرق الثلاث قد جعلت من الصعب تحقيق حالة الانسجام في جميع أنحاء البلاد.

بغضّ النظر عن القضية العنصرية، لغوياً أو دينياً، فإنّ مطالب هؤلاء كذلك هي مختلفة تماماً،  فالأكراد بشكل أساسي يعتبرون أنفسهم ينحدرون من القبائل التي تستوطن المناطق الكرديّة في إيران، وأمّا أصل العرب فينحدر من نجد.

وبهذا النحو، فإنّ استغلال الانقسام العرقي والديني في العراق يُعدّ الخطوة الأولى في تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تتبنّاه الولايات المتّحدة في هذا البلد، والذي يبدأ أوّلاً بحكومة بناء الأمة وثانياً إقرار الفيدرالية في هذا البلد.

وبناءً على ذلك، يمكن الاعتراف بأنّ قانون الفيدرالية في العراق كان حجر الزاوية في عملية تشكيل حكومة بناء الأمة والتي هي الأداة لتنفيذ سياسة الشرق الأوسط الكبير في هذا البلد. وجاء أمر بناء الدولة في العراق ضمن مؤشرات وأنظمة الحكومة الفيدرالية التي تأسست في العراق والتي تتطابق مع المؤشرات واللوائح المدرجة تحت عنوان قوانين الفيدرالية ضمن الدستور العراقي، وقد مهّدت الفيدرالية في العراق الأرضية لتوسيع سلطة الحكومات المحلية، مثل الأكراد والاعتراف بهم رسمياً من قِبل الغرب مما يضفي الشرعية عليهم بالفعل.

وبهذه الطريقة، يتمّ اتّخاذ الخطوة الأولى نحو تحقيق الاستقلال الكامل للجماعات الانفصالية في العراق. إنّ تقبّل الفيدرالية الجغرافية والاعتراف باللغة ) الكرديّة) (الأصل 4 ) وترجيح القوانين البرلمانية لحكومة إقليم كردستان على القوانين الوطنية (الأصل26)، والاعتراف برسمية الترتيبات الموجودة في كردستان (المادة 54) وإعادة الأكراد المهجّرين من كركوك (المبدأ 58) كانت من ضمن الامتيازات الممنوحة للأكراد في هذه القوانين.

 

الفترة الثالثة: بعد انسحاب القوّات الأميركيّة المستقرة في العراق وحتى اليوم

في هذه المرحلة، كان الأكراد يتمتعون بدعمٍ أمريكي وصلاحيات أوسع من الفيدرالية ضمن إطار الدستور العراقي الجديد، وذلك للأسباب التي سنأتي على ذكرها لاحقاً. لقد  تلقّى الأكراد المزيد من الدعم الخاص من الولايات المتّحدة، وقد منحهم هذا الدعم فرصة جديدة ليجدوا أنفسهم أمام تجدد مشروع الاستقلالية، وتلك الأسباب هي:

 

1-استخدام الولايات المتّحدة الأكراد كأداة لمواجهة الدور الإيراني المتنامي وحلفائها في المنطقة الذين تعتبرهم أميركا بأنّهم يقفون في وجه مصالحها في المنطقة أكثر من ذي قبل، بمعنى أنّه – مع انسحاب القوّات الأميركيّة من العراق عام 2011م، الذي كان لأسباب مختلفة، مثل زيادة الخسائر بين أفراد القوّات الأميركيّة، والنفقات المالية الباهظة، وضغط الرأي العام الداخلي وما شابه ذلك – قد حدّ من نفوذ الولايات المتّحدة في العراق وبالتالي في منطقة غرب آسيا.

وقد تزامن ذلك مع تنامي دور الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران في هذه المنطقة لاسيما بعد ظهور داعش والضعف والتصدع الحاصل في الحكومتين المركزيتين في سوريا والعراق، وعلى إثر ذلك طلبت هاتان الدولتان من إيران تقديم الدعم لهما.

وبهذا الشكل، تمكنت الجمهورية الإسلامية، ومن خلال امتيازات تمتلكها مثل موقعها الجغرافي  قدراتها الدفاعية والأمنية والقواسم المشتركة الثقافية والحضارية مع دول غرب آسيا، أن تملأ، وبسرعة، فراغ الولايات المتّحدة في هذه المنطقة.

وبالطبع، فإنّ هذا الأمر يثير حفيظة الولايات المتّحدة للغاية لأنّها ترى أنّ مصالح الجمهورية الإسلامية في تعارضٍ حقيقي مع مصالحها، ومن هنا سعت الولايات المتّحدة إلى استغلال الامتيازات الإقليمية، مثل قوة أكراد العراق، لكبح القوّة الإقليمية المتنامية للجمهورية الإسلامية في إيران.

ونظراً إلى أنّ إيران من  الدول التي تضم أكبر عدد من السكان الأكراد، فإنّ تحقق استقلال كردستان العراق من شأنه أن يوجد ميولاً انفصالية لدى التيارات الكرديّة مثل PJAK داخل البلاد، ممّا يخلخل الأمن في هذه المناطق. ومطالب الانفصاليين الأكراد يمكن أن تهيّئ الأرضية لظهور ميول انفصالية لدى قوميات أخرى مثل عرب الأهواز والبلوش وغيرهم، ومن خلال تفعيل هذه النزعة، يُجبَر سياسيّو الجمهورية الإسلامية الإيرانية على تغيير سياساتهم، ويتم بسبب ذلك تحويل القدرات العسكرية والاستخبارية للبلاد من الخارج إلى الداخل.

بمعنى أنّ إعلان استقلال أكراد العراق من شأنه أن يجعل الجمهورية الإسلامية توقف دعمها لحلفائها الإقليميين، وذلك من خلال وضعها أمام مواجهة معضلة قرب حدودها.

 

2- تعتقد الولايات المتّحدة أنّ الأكراد بإمكانهم تحقيق أمن إسرائيل في المنطقة التي هي أهم شريك للولايات المتّحدة، وعلى هذا الأساس، فإنّ قيام دولة كردية يُعتبر من الأهداف المشتركة للولايات المتّحدة والكيان الصهيوني.

والجدير بالذكر أنّ بعض تيّارات الأكراد العراقيين كان لها علاقات وثيقة مع الكيان الصهيوني، وعلى هذا الأساس يعتقد الصهاينة بأنّهم  سيتمتعون بأمنٍ كبير في جوار كردستان.

وهذا يعني أنّ الكيان الصهيوني، بسبب طبيعته المصطنعة وتعاونه مع القوى العظمى وما شابهها، كان دوماً في عزلة من قبل الدول الإسلامية، ويحاول اتّباع مبدأ ( التحالف المحيطي) بمختلف الأساليب كالتواصل مع الأقليات غير العربية في المنطقة، كالأكراد، ليزيد من تواجده ونفوذه في منطقة غرب آسيا، وهذه المسألة كانت باعثاً وحافزاً على إرساء العلاقات بين الكيان الصهيوني وقادة أكراد العراق.

في الواقع إنّ ستراتيجية (التحالف المحيطي) تؤكد على أن يطور الكيان الصهيوني علاقاته مع دول العالم العربي؛ لأنّه مثلما حاصره العرب، كذلك يجب عليه أن يحاصر الدول العربية ليهيّء لنفسه أرضية الخروج من العزلة السياسية على المدى الطويل، إلى جانب تأمين مصالحه الاقتصادية والأمنية قبال الدول العربية.

وهذه الستراتيجية المبنية على قاعدة “عدوّ عدوّي صديقي” قد خلقت الأرضية لتعزيز أواصر التعاون بين إيران في العصر البهلوي وتركيا وإثيوبيا مع الصهاينة، وأدّى ذلك إلى التعاون مع الأقليات غير العربية في المنطقة، كالأكراد.

ومع انتصار الثورة الإسلامية وتغيّر طبيعة العلاقات بين إيران والكيان الصهيوني وعدم الاعتراف به من قبل نظام الحكم الجديد في إيران، ودعم الجمهورية الإسلامية للقضية الفلسطينية تبدّلت فكرة (التحالف المحيطي) فأصبحت تقوم على أساس العداء مع إيران – بدلاً من العرب – والموقع الجغرافي المحيطي في ستراتيجية الأمن القومي والسياسة الخارجية لهذا النظام تحوّلت من الدول العربية إلى المناطق المجاورة لإيران.

وفي مثل هذه الظروف، تُعتبر كردستان العراق بيئة مناسبة لتواجد الصهاينة ونفوذهم في المناطق المحيطة، وذات أهميّة ستراتيجية كبيرة في السياسة الخارجية للكيان الصهيوني.

3- إذا نظرنا إلى سياسات وسلوكيات الولايات المتّحدة في هذا الوقت، سنجد أنّها تسعى جاهدة لدعم المجموعات والتيارات والدول ذات التوجه المنسجم مع سياستها في منطقة غرب آسيا وهذا يعزّز أهدافها الستراتيجية، وأنّ دعم استقلال كردستان العراق يمكن أيضاً فهمه وتحليله في هذا الإطار. وعليه، فإنّ كردستان العراق، بسبب موقعها الجغرافي الستراتيجي وامتلاكها لحدودٍ مشتركة مع إيران وتركيا من جهة، ومن جهةٍ أخرى لديها علاقات جيدة مع الكيان الصهيوني و … تتمتع بأهميّة كبيرة في معادلات منطقة غرب آسيا، وبإعلان استقلالها يمكن أن يكون هذا بداية الطريق نحو استقلال كردستان سوريا وإيران وحتى تركيا، ومن خلال ذلك فإنّ السياسات الإقليمية للولايات المتّحدة وحلفائها تتقدم إلى الأمام.

وعليه، يمكن استنتاج أنّ الولايات المتّحدة ترى أنّ انفصال الأكراد قد يفتح الطريق أمام سياساتها، وهي وإن لم تدعم إقامة الاستفتاء علانية، إلاّ أنّ ما تسرّب من الأنباء عن اجتماع مسؤولين رسميين وغير رسميين من الولايات المتّحدة مع مسؤولين أكراد قد فضح الحقيقة.

وبناءً على هذه الرؤية، أجرى أكراد العراق استفتاءً على الاستقلال في 25 أيلول عام 2017م في المناطق التي تقع تحت قيادتهم، وأعلنوا أنّ 92.7٪ من السكّان قد صوّتَ لصالح انفصال كردستان عن العراق، غير أنّ الأكراد لم ينجحوا بإقامة دولة مستقلة، وذلك لأسباب متعددة مثل الخلافات الداخلية للأحزاب الكرديّة الرئيسية، والعزلة الجيوسياسية، ومخالفة القوى الإقليمية وعدم وجود دعم دولي.

على سبيل المثال، فيما يتعلق بمعارضة القوى الإقليمية بناءً على ما تقدّم من تحليل حول الحكم الذاتي في كردستان من أنّ تطورات كردستان العراق بخصوص المطالبة بالاستقلال أدّت إلى أن تُبدي دول الجوار – تركيا وإيران وسوريا التي يتواجد الأكراد على أراضيها – مخاوف من أن تصل رياح المطالبة بالاستقلال إلى المناطق الكرديّة التي تقع تحت سيطرتهم، ولذا تأثّرت المواقف السياسية والعلاقات بهذا الأمر، وألقت عليهم صبغة وحدة الموقف والرأي في مخالفة الاستفتاء العام، وهذه المواقف من قِبل هذه الدول كانت في حدّ ذاتها أحد أسباب فشل أكراد العراق في إقامة دولة كردية مستقلة.

وخلال ذلك، كانت السياسة العامة للولايات المتّحدة تجاه هذا الاستفتاء خلافاً لما هو متوقّع، وهي المعارضة الظاهرية، وفي بعض الأحيان كانت معارضةً جدّية. بمعنى أنّه على الرغم من أنّ المسؤولين الأميركان تربطهم بمسعود البارزاني، رئيس إقليم كردستان، علاقات جيدة، غير أنّ معظمهم قد عارض إجراء الاستفتاء في ذلك الوقت ولعدة أسباب، منها على سبيل المثال:

يرى المسؤولون الأميركيون أنّ الجمهورية الإسلامية في إيران قد تمكنت في السنوات الأخيرة من تعزيز قدراتها الدفاعية والأمنية في منطقة غرب آسيا، وقبال ذلك أصبحت مصالح الولايات المتّحدة وحلفائها الإقليميين، ومنهم الكيان الصهيوني والمملكة العربية السعودية أمام تحدّيات صعبة.

إنّ إجراء هذا الاستفتاء العام في هذه الفترة من شأنه أن يحدّ من طرق مقابلة أميركا للجمهورية الإسلامية، حيث رأى بعض الخبراء الأميركيين أنّه بعد وصول حيدر العبادي إلى السلطة، بصفته رئيس وزراء العراق، فإنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تلعب دوراً مهماً في هذا البلد، قد قُلّصَ من نشاطها إلى حدٍّ ما، وأنّ الدعم الأميركي لإجراء استفتاء في إقليم كردستان يمكنه إضعاف حكومة العبادي، ممّا أدّى ذلك بالسلطات الأميركيّة إلى أن تتعامل مع موضوع الاستفتاء العام باحتياط وحذر شديد.

 

 

 

الاستنتاج:

تنظر الولايات المتّحدة دوماً إلى التيارات الكرديّة على أنّها تيارات معتدلة ومتمحورة مع سياساتها الإقليمية، وتسعى -الولايات المتّحدة- إلى الاستفادة منها لتنفيذ هذه السياسات.

بمعنى أنّها سعت من خلال دعمها لمطالبة أكراد العراق بالاستقلال إلى تحقيق الأهداف الإقليمية التالية:

1.الحدّ من تنامي الجمهورية  الإسلامية  في المنطقة.

  1. ضمان أمن الكيان الصهيوني الغاصب.

3.إيجاد تغييرات جيوسياسية في المنطقة في ضوء خطة (الشرق الأوسط الكبير) و(الشرق الأوسط الجديد).

بيد أنّ هذه السياسة كانت تُعدّ من أجل تأمين المصالح الستراتيجية للولايات المتّحدة، وبناءً على هذه السياسة فإنّه متى ما اقتضت مصلحة أميركا سحق مصالح الأكراد من أجل تأمين مصالحها الخاصة فسوف لن تتردّد في ذلك.

هذا في الوقت الذي يُبدي الأكراد بشكلٍ عام  ثقتهم بالسياسيين الأميركان وقد أظهروا نظرة متفائلة تجاه سياسات الولايات المتّحدة، وهذه النظرة والثقة قد خلقتا الأرضيّة لهم ليتحمّلوا أثماناً باهضة.

وعليه وخلافاً للضوء الأخضر الذي أعطاه الأميركان لدعم حركة استقلال أكراد العراق، فإنّهم في اليوم التالي للاستفتاء على الاستقلال، ولأسباب متعدّدة، أعلنوا معارضتهم للاستقلال. وعليه يمكن القول: إنّ الولايات المتّحدة استخدمت الأكراد كأداة وورقة في سياساتها الإقليمية، وكان تعاملها مع الأكراد على أنّهم وسيط وسمسار أكثر من كونهم شريكاً إقليميّاً.

[1] ـ استاذ مساعد وعضو في الهيئة العلميّة لمركز العلوم العسكريّة والدراسات الاجتماعيّة.

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا