الحاجة إلى بناءٍ جديد للعلاقات بين إيران والعالم العربي

272
  • الكاتب : سعدالله زارعي
  • ترجمة: عبدالله الشاهين
  • مركز الهدف للدراسات/ قم المقدسه

إنّ علاقات إيران مع العالم العربي بحاجة إلى التغيير، فهناك قابليات وإمكانيّات تجعل ذلك ممكناً بالفعل. وإذا كان من بين الدول العربيّة دولٌ كالسعوديّة ومصر والإمارات والبحرين تؤكّد على عدم حضور إيران في الساحة العربيّة، فإنّ هناك دولٌ أخرى تصرّ على تحسين العلاقات بين العالم العربي وإيران.

وهناك فئةٌ ثالثة من الدول العربيّة ترغبُ في إقامة علاقاتٍ مع إيران أو توسيع علاقاتها السابقة معها، غير أنّ تصنيف الدول العربيّة إلى دولٍ مخالفة ودولٍ موافقة لإيران جعل تلك الفئة من الدول في حالة من الترقّب والتوجس. ومن ناحيةٍ أخرى، إذا نظرنا إلى أحوال المنطقة العربيّة في غرب آسيا وشمال أفريقيا، سنجد أنّه لا يوجد هناك أيُّ سببٍ واضح يدعو إلى العداء بين الدول العربيّة وإيران.

وهنا، نرى أنّ هندسة نوعٍ من الدبلوماسيّة من جانب إيران يمكنها من تغيير الأوضاع الحاليّة بين إيران والعالم العربي. وتبرز ثمة أقوالٌ في هذا الصدد كما يلي:

  1. يحكم المنطقُ السياسي بأنّ بلدان منطقةٍ ما وأتباع دينٍ ما مترابطون ومنسجمون بشكلٍ قاطع، وأنّ الخلاف بينهم هو أمرٌ عارِض، ويرتبط عادةً ما بعاملٍ خارجي. ففي منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، تؤثّر الأحداث على جميع بلدان المنطقة؛ سواءٌ أكانت هذه الأحداث بنّاءةً وإيجابيّة، أم هدّامةً وسلبيّة. فقد شاهدنا في السنوات الأخيرة أنّ ظاهرة الجماعات التكفيريّة التي أنشأتها وموّلتها أجهزة المخابرات – والتي لم يكن لها سوى الصبغة الدينيّة والمذهبيّة – كيف أثّرت على جميع البلدان الإسلاميّة.

ومع كلّ ذلك، كانت هناك بعض الدول التي اعتبرت تسخير الجماعات التكفيريّة من قِبل وكالات المخابرات الغربيّة أمراً لصالحها، فرافقت الموجة لبعض الوقت، ظنّاً منها أنّ موجة التكفير ستضرّ بخصومها فقط، أو أنّ بإمكانها استخدام تلك الجماعات لتغيير مسار المنطقة، غير أنّه سرعان ما أدركت معظم تلك الحكومات أنّ هذه الموجة كانت تعمل على إضعاف موقف جميع الدول الإسلاميّة، وأنّها كانت تصبّ في مصلحة أعدائها المشتركين كالنظام الصهيوني وما إلى ذلك. ولهذا السبب، حاولت تلك الحكومات عزل نفسها عن حسابات الجماعات التكفيريّة.

والمثال الآخر هو الغزو العسكري الأميركي لدولتين مسلمتين، وهما أفغانستان والعراق، وتهديد العديد من الدول الإسلاميّة الأخرى والذي أضرّ بالدول الإسلاميّة قاطبةً. والحقيقة أنّ بعض الدول العربيّة، ومن ضمنها السعوديّة، التي توهّمت أنّ تلك الحروب ستغيّر مجرى المنطقة إلى الاتّجاه الذي سيخدم مصالحها، أصبحت هي نفسُها، وقبل أن يمضيَ وقتٌ طويل، من المعارضين لهاتين الحربين، وأدركت الحقيقة من أنّ هذه الحروب كانت “خطراً وضرراً على الجميع”. لقد شهِدت منطقتُنا الكثير من هذه الأحداث خلال هذه العقود الثلاثة، وعلى إثرها توصّلت إلى نوعٍ من العقلانيّة السياسيّة.

خلال العقود الأخيرة، كان هناك العديد من المحاولات الحثيثة لنشر نوعٍ من الخوف في النفوس من الإسلام والشيعة والمقاومة وإيران والحرس الثوري الإيراني، بدلاً من الخوف الذي تتسبب به المؤامرات والخطط المدمّرة للولايات المتّحدة والكيان الصهيوني، وبلغت هذه الموجات أشدّها لتضع دول المنطقة الإسلاميّة في مواجهة بعضها البعض وبالنتيجة إضعاف القوى الإسلاميّة. ومع أنّ هذه الموجات كانت ناجحةً إلى حدٍّ ما، بل وأدّت إلى إشعال حروبٍ بين المسلمين، إلّا أنّ الدول الإسلاميّة نأت بنفسها شيئاً فشيئاً عن تلك الدوامات حتّى اختفى تأثيرها إلى حدٍّ كبير في هذه الأيّام.

  1. لقد اتّبعت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران سياسةً حكيمة خلال هذه السنوات، وتحلّت بالصبر في مواجهة المشاكل الإقليميّة، ومارَسَت العفو والصفح الأخوي تجاه الإجراءات التي اتّخذتها بعض الدول الإقليميّة ضدّها، وفي الوقت نفسه، قدّمت مساعداتٍ خاصّة لدول المنطقة التي تعرّضت لكوارث أمنيّة، دون أن تتوقّع أيّ مقابلٍ لتلك المساعدات، وقد فتح هذا الأمر آفاقاً جديدةً أمام إيران.

وعلى مر السنين، أثبتت إيران أنّها دولةٌ قويّة، وأنّ مخالفة الغرب وعداءه لها لا يمكن أن يُضعِف من قوّتها أو يفتّ من عزمها، وأنّ تقدّم إيران المذهل في المجالات العلميّة والتكنولوجيّة، جنباً إلى جنب مع ما تقوم به من جهودٍ اقتصاديّة محلّيّة لمنع انهيار البلاد أمام الضغوط الغربيّة المكثّفة، قد بدّد أيّ توقّعاتٍ لمخالفيها بإبعادها وعزلها عن المنطقة. ومن ناحيةٍ أخرى، بدّدت القوّة العسكريّة المتنامية للجمهوريّة الإسلاميّة في إيران أيّ أملٍ في احتمال هجومٍ عسكري خارجي عليها. كما أنّ جرأة إيران وحزمها في الدفاع عن نفسها أمام القوّة العسكريّة الأميركيّة قد بدّل أيّ نجاحٍ للمخطّطات الأجنبيّة ضدّها إلى يأسٍ وخيبة أمل. وعلى هذا الأساس، تعكس كُبريات الصحف ووكالات الأنباء الغربيّة، وفي كلّ يوم، الاعتراف بقوّة إيران واقتدارها. فقد تمكّنت إيران، على مستوى القدرات العسكريّة، من إنقاذ الدول الصديقة لها في المنطقة وإعادة الثبات والاستقرار إليها.

وخلاصة القول، تمّ الاعتراف رسميّاً بإيران وقوّتها في المنطقة، وانتفى أيّ أملٍ بتغيير النظام السياسي فيها أو تغيير سياساتها الأساسيّة. وهذا رصيدٌ مهمٌّ للجمهوريّة الإسلاميّة، حيث حان الوقت للنظام فيها لاتّخاذ خطوةٍ مهمّة لتحسين موقعه السياسي وأوضاعه الأخرى في المنطقة.

3- يدور الحديث هنا وهناك بين الدول العربيّة حول ضرورة التعاون مع إيران وإقامة علاقاتٍ فاعلة معها، فهناك سبع دولٍ عربيّة في منطقة الخليج، وخمسٌ منها على الأقل، وهي العراق وقطر والكويت وعُمان واليمن، تسعى إلى تسوية القضايا العالقة بين الدول العربيّة في المنطقة وإيران. هذا وإنّ دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، وعلى الرغم من الضغوط الشديدة التي تتعرّض لها من قِبل الحكومة السعودية، تصرُّ على الحفاظ على علاقاتها مع الجمهوريّة الإسلاميّة. وعلى أيّة حال، فإنّ حكومتَي السعوديّة والبحرين فقط هما اللتان تعارضان تحسين العلاقات بين الدول العربيّة وإيران.

طوال السنين الماضية، كان الاعتقاد السائد في الجهاز الدبلوماسي الإيراني أنّه بدون تحسين العلاقات مع المملكة العربيّة السعوديّة، لا يمكن تفعيل العلاقات بين إيران والعالم العربي.  ومن هذا المنطلق، فإنّ مفتاح العلاقات بين إيران والدول العربيّة في جنوب الخليج قد عُهِدَ به إلى الرياض! والواقع أنّه طوال هذه الفترة، كانت لإيران بالفعل علاقات مع حكومات كلٍّ من قطر والإمارات والكويت وعُمان والعراق واليمن، غير أنّ هذه العلاقات – باستثناء العراق – كانت قد اقتصرت بشكلٍ أساسي على العلاقات السياسيّة، وأمّا عمليّاً، فإنّها لم ترقَ إلى علاقاتٍ ملموسة في المجالات الاقتصاديّة والثقافيّة.

إنّ إلقاء نظرةٍ على مسيرة علاقاتنا مع العالم العربي يخبرنا بأنّ الوقت قد حان للتخلّي عن فكرة ربط العلاقات العربيّة بإذنٍ من الرياض لها. هذا من جهة، وأمّا من الجهة الثانيّة، فعلينا التفكير في علاقاتٍ متنوّعة ومتعدّدة. وللتغلّب على الأوضاع الراهنة، لا بدّ أوّلاً من الدخول في محادثاتٍ ثنائيّة مع الدول المذكورة، مع توضيح أوضاع المنطقة وأحوالها، والتوصّل إلى اتفاقٍ في مختلف المجالات، ومن ثمّ عقد قمةٍ إيرانيّةٍ-عربيّةٍ مشتركة في إحدى الدول المذكورة للوصول إلى اتّفاقٍ على إقامة العلاقات بين الجميع، وهذا الأمر ممكنٌ بلا شك. كما ينبغي علينا معرفة أنّ الحالة النفسيّة والذهنيّة لهذه الدول قد تغيّرت بشكلٍ كبير بعد الهزائم المتتالية للولايات المتّحدة في المنطقة، وأوصلها وضع النظام الصهيوني داخل الأراضي المحتلّة إلى استنتاجاتٍ معيّنة، وإلّا لو كان الأمرُ وفقاً للاعتبارات السابقة والضغوط الخاصّة لرئيس الولايات المتّحدة السابق، لكانت معظم هذه الدول قد توصّلت إلى توافقاتٍ مع تل أبيب.

وعليه، وبالنظر إلى الأوضاع الحاليّة في المنطقة، والموقع المهم الذي اكتسبته إيران من خلال اتّباعها لستراتيجيّة المقاومة، يمكن أن تكون لدينا علاقات جديدة مع العالم العربي، كما أنّ تحسين العلاقات بين إيران وهذه الدول وتحويل الاستقطاب العربي- الإيراني إلى استقطابٍ أمني جماعي ضدّ الابتزازات الغربيّة، يمكن أن تكون له نتائج مهمّة ويكون أمراً مطلوباً لجميع هذه الدول:

– إنّ تحسين العلاقات العربيّة مع إيران والخروج من العلاقات أحاديّة الجانب وإقامة العلاقات في مختلف الجوانب، يمكن أن يُنهي الحرب القائمة حاليّاً ضدّ اليمن. واليوم، لا توجد أيّةُ دولةٍ عربيّة في المنطقة تَعتبر سلوك السعوديّة مساعداً على استتباب الأمن في المنطقة، بل إنّ جميعها، باستثناء السعوديّة، تريد نهاية هذه الحرب وبسرعة.

– يمكن لعلاقات إيران مع الدول العربيّة الواقعة في منطقة الخليج أن تقلّل من الخلافات بين هذه الدول، ومن ناحيةٍ أخرى، تساعد على الحدّ من تسيُّد السعوديّة على هذه الدول وكبح سلوكها المخرِّب. لقد دفعت هذه الدول ثمناً باهظاً في السنوات الأخيرة بسبب وقوفها في الجبهة العربيّة ضدّ إيران، مع أنّه، وحسب تصريحاتٍ عديدة لمسؤولين كبار في هذه الدول، لم يكن لدى تلك الدول أيُّ سببٍ لهذا العداء. إنّ علاقات إيران الفاعلة مع الدول العربيّة الخمس تقلّل من الخلافات بينها وبين الدول الأخرى، وهذه النتيجة جيّدة لجميع شعوب المنطقة على حدٍّ سواء.

– إنّ تعزيز العلاقات بين إيران والدول العربيّة يمكنه أن يؤدّي إلى تسوية قضيّة ما يُسمّى بـ “الإخوان المسلمين” بين تلك الدول. فعلى مدى العقود الماضية، والسنوات العشر الماضية على وجه الخصوص، اتّبعت إيران أُسلوباً خاصّاً في العلاقات مع مختلف فروع الإخوان المسلمين؛ إذ لم ترَها إيران على أنّها ظاهرة واحدة، بل تعاملت مع أشكالها المختلفة بطريقةٍ متناسبة مع كلٍّ منها، وهذا يمكن أن يكون نموذجاً يقتدى به من قبل الدول الأخرى أيضاً.

لقد ساعدت إيران جماعات الإخوان في المنطقة العربيّة التي سعت إلى الحصول على السلطة سلميّاً، بخلاف جماعات الإخوان الأخرى التي سعت إلى الاستيلاء على السلطة من خلال العنف ونشر الانقسامات والخلافات بين المسلمين. إنّ علاقات إيران مع دول الجنوب العربي، والتي ترتبط بعضها بعلاقاتٍ قويّة مع الإخوان المسلمين، مثل قطر وعُمان، وبعضها الآخر، مثل الإمارات والسعوديّة وإلى حدٍّ ما الكويت، التي لديها علاقات عدائيّة معها، يمكنها أن تؤدّي إلى علاقاتٍ متوازنة مع الإخوان المسلمين. وبهذه الطريقة، تتحوّل وجهات النظر الحاليّة للدول العربيّة تجاه جماعة الإخوان – التي تُعتبر تهديداً نوعاً ما – إلى نظرةٍ تنطوي على فرصةٍ للتفاهم. هذا وإنّ جماعة الإخوان المسلمين على استعدادٍ لتجعل من الأوضاع الحاليّة الصعبة والمعقّدة طريقاً نحو التفاهم مع الأطراف الأخرى.

– إنّ تحسين العلاقات بين إيران والدول العربيّة الواقعة جنوب الخليج  سيقلّل من النفقات العسكريّة لتلك الدول، إذ إنّ تلك النفقات ناشئة من ثلاث قضايا وهي؛ التهديدات المفتعَلة والوهميّة للقدرات الإيرانيّة الموجّهة لدول المنطقة، والتهديدات التي تشكّلها بعض الدول العربيّة لبعضها الآخر في المنطقة، والتهديدات الفعليّة والمحتملة التي تشكّلها الجماعات الإرهابيّة التي ظهرت حديثاً.

ومن خلال تأكيد الغرب على هذه القضايا الثلاث، خصّصت تلك الدول جزءاً كبيراً من عائداتها لشراء وتخزين الأسلحة. ولا شكّ أنّ تعزيز العلاقات الإيرانيّة مع هذه الدول سيساعد على إزالة هذه الأنواع الثلاثة من التهديدات، سواءٌ أكانت حقيقيّةً أم وهميّة. ولا ريب في أنّ العلاقات الحميمة والمتعدّدة الجوانب مع إيران لن تترك أيّ مجالٍ للتهديدات الإيرانيّة الوهميّة المفتعَلة ضدّ الدول العربيّة الشقيقة. وعليه، فإنّ التقارب والتفاهم مع إيران سيقلّل كثيراً من تهديد بعض الدول، كالسعوديّة، ضدّ دولٍ عربيّة أخرى، ويمكن أن يؤدّي بتلك التهديدات إلى أن تتلاشى تماماً. هذا وإنّ تجربة إيران الناجحة في محاربة الجماعات الإرهابيّة التي ظهرت حديثاً تمنح هذه الدول الكثير من الثقة، وتُلغي الحاجة إلى شراء الأسلحة وتخزينها، وتؤدّي في نهاية المطاف إلى تقليص النفوذ الغربي والحدّ من مؤامراته الخطيرة، إضافةً إلى إحباط محاولات التوسّع الأمني ​​والسياسي للنظام الصهيوني في البلاد الإسلاميّة.

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا