ما أهمية الاتفاق النفطي بين لبنان والعراق؟

214
  • فاطمة سلامة

لا يتكبّد أي باحث عن أسباب العجز الكبير الذي يصيب خزينة الدولة عناءً ليكتشف أنّ ملف الفيول والنفط كان على رأس قائمة الأسباب. استنزف هذا الملف مالية الدولة بعشرات المليارات من الدولارات على مدى عقود مضت. إلا أنّ أكثر ما يستدعي الغرابة هو أنّ لبنان لم يكن بمنأى عن عروضات جدية تجنّبه الكأس المرة المتأتية من هذه القضية. ثمّة عروضات مهمة سرعان ما كانت تصطدم بحائط التجاذبات السياسية. ففي المقابل، ثمّة عقلية سائدة لدى البعض في هذا البلد تفضّل منطق الريع والتبعية المتأتي من الغرب على منطق بناء الاقتصاد المنتج مع الشرق على أساس المنفعة المشتركة. تُفضّل أن يغرق أبناء الوطن في العتمة على الاستفادة من عروضات دول تختلف معها سياسياً. 

إلا أنه وعلى قاعدة “رب ضارة نافعة”، دفع الاستنزاف الحاصل بالاحتياطي الالزامي وسط مخاوف من تداعيات رفع الدعم عن المشتقات الأساسية، دفع بلبنان الى البحث عن خيارات بديلة خصوصاً في ملف المحروقات، فكان أن أنجز اتفاقاً مع العراق لتأمين شحنات النفط العراقي لمؤسسة كهرباء لبنان. فما أهمية هذا الاتفاق؟ وهل يشكل مؤشراً لبداية التغيير في العقلية اللبنانية للاستفادة من خيارات الشرق؟.

ناصر الدين: نقاط القوة في الاقتصاد العراقي هي نقاط ضعف في الاقتصاد اللبناني والعكس صحيح

الكاتب والباحث الاقتصادي زياد ناصرالدين يعطي الاتفاق أبعاداً أعمق مما هو ظاهر. المسألة -بنظره- لا تتعلّق بمجرد اتفاق بين دولة وأخرى. أهمية الاتفاق تنطلق من ثابتة أساسية تتمثل بالمعادلة التالية: “نقاط القوة في الاقتصاد العراقي هي نقاط ضعف في الاقتصاد اللبناني، ونقاط القوة في الاقتصاد اللبناني هي نقاط ضعف في الاقتصاد العراقي”. وفق ناصرالدين، هناك فرصة للتكامل والتعاون الاستثنائي بين البلدين. المشكلة الأساسية التي يعاني منها لبنان تكمن في الضعف الموجود في احتياطي العملات الأجنبية والذي يستعمل بشكل أساسي لتغطية ملف الفيول والمشتقات النفطية. هذا العامل هو نقطة قوة في الاقتصاد العراقي. بينما تتمثل نقاط الضعف في الاقتصاد العراقي -والتي هي نقاط قوة في الاقتصاد اللبناني- بملفات عدة منها الصحة، التعليم، البناء، التقنية العالية، التكنولوجيا، الصناعات، القدرات العلمية والهندسية، ما يفتح الباب أمام العراق للاستفادة من لبنان بهذه المجالات المختلفة.

 ما أهمية الاتفاق النفطي بين لبنان والعراق؟ 

الاتفاق سينعكس إيجاباً على سعر صرف الليرة اللبنانية

يسأل ناصر الدين: ماذا يعني الاتفاق بين البلدين؟ فيجيب عن نفسه بالإشارة الى أنّ لبنان يحتاج سنوياً 4.5 مليار دولار لتمويل الفيول والنفط والغاز. هذا المبلغ يستنزف المالية العامة في لبنان بشكل كبير، أضف الى أنّ هناك كارتيلات تستفيد من ملف الفيول وتجني أرباحا طائلة على حساب المواطن اللبناني الذي يدفع الثمن بشكل أساسي. وفق حسابات ناصر الدين، فإن تغطية جزء مهم من هذا المبلغ المذكور ستكون له انعكاسات مهمة على الاقتصاد اللبناني حيث سينعكس على سعر صرف الليرة اللبنانية الذي سيتحسن ما يمهّد لإيقاف التدهور والنزيف الحاصل.

العراق قادر على الاستفادة من القدرات اللبنانية وتأمين آلاف فرص العمل للبنانيين

أما على المستوى العراقي، فهناك إمكانية لأن يستفيد العراق من القدرات اللبنانية المنتشرة في كل دول العالم ان كان على المستوى الصناعي أو الطبي، وبالتالي فإنّ أي اتفاقية تعاون بين بيروت وبغداد سيتمكن فيها لبنان من تقديم خدمات كبيرة جداً على غرار ما قدم لدبي عند تأسيسها نظراً لامتلاكه قدرات وخبرات علمية مهمة على صعيد الصحة والتعليم وشبكات الطرقات والمصانع والتي هي ملفات أساسية يحتاج اليها الشعب العراقي خاصة اذا ما علمنا أنه في السنوات السابقة كان الصرف العراقي في الداخل اللبناني كبيرا جداً. في إحدى السنوات صرف فيها العراقيون مليار دولار في لبنان على ملف الصحة فقط. وبالتالي، فالعراق يعتبر لبنان من البلدان الأولى. المنتجات اللبنانية في العراق تصنف في خانة الدرجة الأولى، ولبنان سوق مهم جداً للعراق للأدوية والمواد الغذائية وكل أنواع الزراعات. وعليه، فإنّ اتفاقيات التعاون يمكن أن تفتج أفقاً وتوفر آلاف فرص عمل للبنان في العراق يستطيع من خلالها تطوير البنى التحتية الاقتصادية في العراق، والاستفادة في الوقت نفسه من استثمار النفط في الاقتصاد العراقي، ومعالجة الملفات الساخنة اقتصادياً والتي تستنزف المالية العامة بشكل أساسي. بتقديره، فإنّ نقاط القوة والضعف بين البلدين يجب التعامل معها على أساس المنفعة المتبادلة والمشتركة.

الاتفاق يوفر في المرحلة الأولى ما بين الـ165 الى 200 مليون دولار على الخزينة 

وحول آلية الاتفاق، يوضح ناصر الدين أنّ الاتفاق في المرحلة الأولى يعمل على توفير ما بين الـ165 الى 200 مليون دولار على الخزينة ما يؤمن الفيول للبنان عبر دفع مؤجل لمدة عام. وفق ناصر الدين، فإنّ هذا الاتفاق سيؤمن جزءا من حاجة لبنان أقله 25 الى 30 بالمئة، وسيمنع العتمة عن لبنان، واذا ما تطور من الممكن أن يؤمن أموراً أخرى من المشتقات النفطية نحن بحاجة اليها كجزء مهم جداً من حاجة اجتماعية اقتصادية انسانية مفيدة. لكن ناصر الدين يطرح السؤال التالي: كيف ستتم معالجة الفيول العراقي للوصول الى لبنان؟ ينطلق من هذا السؤال ليحذّر من أن يدخل الاتفاق ضمن زواريب المحاصصة الداخلية. يشدّد على ضرورة أن يبقى الاتفاق ضمن الإطار المهم الذي أنجز وأن يكون المستفيد الأكبر هو الشعب اللبناني لتخفيف الضغط عنه. وينصح حكومة تصريف الأعمال بالاستفادة من هذا الموضوع دون التوجه لرفع الدعم لا عن البنزين ولا المازوت ولا الفيول. وفق قناعاته، من المفترض الاستفادة من الاتفاق لتخفيف الضغط عن الواقع الاجتماعي الشعبي لا الاستفادة منه لتخفيف الأرقام على الورقة والقلم كرمى لعيون صندوق النقد الدولي والمجتمع الدولي.

الاتفاق مدخل مهم لتصحيح وتنويع الخيارات 

وفي سياق مقاربته للقضية، يعبتر ناصر الدين أنّ الاتفاق مدخل مهم للتعاطي مع الملفات انطلاقاً من تصحيح وتنويع الخيارات الاقتصادية. وفق تقديره، فإنّ الاتفاق مع العراق فرصة لتصحيح الخيارات وخطوة أولى ضرورية لذلك، لافتاً الى أنّ التصحيح لا يعني وقوعنا في إشكالية، بالعكس فحظوظ التعاطي شرقاً وتنويع الخيارات انطلاقاً من الشرق كبيرة جداً، لكن يجب أن لا تدخل ضمن الزواريب السياسية الضيقة. وهنا يدعو حكومة تصريف الأعمال برئاسة حسان دياب الى تشكيل وفد والتوجه نحو العراق لشكره واستكشاف ما اذا كان هناك إمكانية لعقد اتفاقات أخرى. بما أنهم يحاولون إقفال باب سوريا أمامنا -يقول ناصر الدين- فلنستفد من الفرصة الحالية لرسم التكامل بين العراق وسوريا ولبنان من بوابة العراق وصولاً الى روسيا والصين.

وفي الختام، يقول ناصر الدين: “نحن لسنا ضعفاء فمقوماتنا كبيرة، لكننا ضعفاء سياسياً. البلد الذي تمكن من حماية نفسه بالمقاومة ومنع تآمرا كبيرا عليه في الداخل، ويملك فرصا هائلة في البحر من النفط والغاز هو بلد مهم جداً ومقدراته تحتاج الى تطوير”، ويضيف: “نحن نحتاج الى قرارت مفيدة، واحدة منها أن نقدم نموذجاً جديداً في العراق يُقتدى به لنعيد الثقة الى لبنان”.

  • العهد الأخباري

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا