معاهدة صهيونية مع أردوغان.. هل.تفكك الإمبراطورية العثمانية مرة ثانية؟

237

في السنوات الأخيرة كان لدخول تركيا في المنافسات الجيوسياسية في مناطق تتراوح من شرق البحر الأبيض المتوسط ​​وآسيا الوسطى إلى الخليج الفارسي وشمال إفريقيا تأثير لا يمكن إنكاره في القضاء على سياستها الخارجية القائمة على عدم خلق التوتر مع دول الجوار، ورافق هذا الأمر التطورات الدولية والأزمات الاقتصادية التي اجتاحت العالم، وخاصة تركيا، ما دفع الآن سلطات أنقرة إلى اتباع سياسة خفض التصعيد بشأن التحديات الحالية والمستقبلية ومواجهتها بقوة أكبر.

في غضون ذلك، تعتبر العلاقات مع الكيان الصهيوني أحد المجالات القابلة للملاحظة التي أعطتها أنقرة الضوء الأخضر لتنفيذ سياسة خفض التصعيد. كانت العلاقات السياسية بين تركيا والكيان الصهيوني يشوبها الاضطراب وعدم الثبات خلال حكم أردوغان وحكم حزب العدالة والتنمية وحتى إنها انقطعت بالكامل في فترات معينة، وعلى الرغم من المناخ البارد الذي يسود العلاقات السياسية بين الجانبين لم يكن له تأثير ملموس على علاقاتهما الاقتصادية الواسعة نسبيا.

لكن في الوقت الحالي، تشمل العوامل الرئيسة التي تدفع تركيا إلى تهدئة التوترات مع الكيان الصهيوني كلاً من العوامل القسرية (أي اللجوء الى خفض التوترات مع تل أبيب للتخلص من التحديات التي تواجه أردوغان)، اضافة الى بعض العوامل الإيجابية (أي المصالح المشتركة والتغيير والتطورات في فضاء العلاقات الثنائية).

الأزمة الاقتصادية، وضغط الدول الأوروبية على خطط أنقرة في البحر المتوسط ​، وتطبيع العلاقات وخوف أردوغان من تشكيل جبهة مناهضة لتركيا في المنطقة، والأهم من ذلك نتائج الانتخابات الأمريكية، من بين العوامل السلبية ومن ناحية اخرى فان التعاون العلني للطرفين في أزمة كاراباخ وأهمية ايجاد خطط جيواقتصادية مثل خط السكك الحديدية من الأراضي المحتلة إلى الخليج الفارسي بعد التطبيع هي من بين العوامل الإيجابية.

لكن الجولة الجديدة من إعلان استعداد تركيا لنزع فتيل التوترات مع الكيان الصهيوني ترافقت مع أنباء لا تصدق عن الشروط المسبقة لتل أبيب لإعادة العلاقات السياسية مع أنقرة. أبرزها كان إغلاق مكتب حماس في اسطنبول ووقف إطلاق سراح السجناء المرتبطين بكتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس. وكان الكيان الصهيوني قد أعلن أن عودة العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين، وكذلك عودة سفير تل أبيب إلى أنقرة، لكن الأمر مشروط بوقف نشاط حماس في اسطنبول.

ان هذا الشرط المسبق يثير الدهشة، لأنه أولاً وقبل كل شيء، سبب الخلافات بين سياسات الكيان الصهيوني العدوانية والقمعية ضد الفلسطينيين، والتي أدت إلى توترات في العلاقات مع أنقرة، مثل تصاعد التوترات بين أنقرة وتل أبيب بسبب هجوم الكوماندوز الإسرائيلي على القافلة المرافقة لسفينة مرمرة عام 2010 والتي كانت تحمل مساعدات إنسانية لسكان قطاع غزة المحاصر. ومن ناحية أخرى، في التطورات في فلسطين، تركز تركيا بشكل أساسي على المصالح الاقتصادية والجيوسياسية وتوسيع نفوذها، ولم يكن دعم أنقرة للشعب الفلسطيني أكثر من مجرد شعار، وحتى على الساحة السياسية، فقد دعمت تركيا دائما التسوية بدلاً من المقاومة.

ثانياً، ترى تركيا نفسها كقوة إقليمية تتوق في ظل سياسات حكومة أردوغان، إلى العودة إلى الماضي المجيد للإمبراطورية العثمانية، والكيان الصهيوني، على العكس تماما، فهو يتمسك بهذه المسألة للهروب من العزلة الجيوسياسية بأي وسيلة، ولا سيما مع إجبار البيت الأبيض على ممارسة الضغط على الدول العربية للرضوخ للتطبيع.

وما لا شك فيه أن أحد جذور تشكيل مثل هذا الموقف بين القادة الصهاينة، الذين يمكنهم أن يضعوا ظروفا مذلة لتحسين العلاقات مع تركيا، مثل السودان المنكوبة بالأزمة، هو هدف مهم تسعى إليه تركيا في المصالحة مع الصهاينة. حيث ترى تركيا في هذا جسرا للخلاص وطريقا وثيقا لتحسين العلاقات مع امريكا، أو بعبارة أخرى، تقليل التعرض للصراع في السياسات الإقليمية لحكومة بايدن، والتقرب من الكيان الصهيوني واستخدام نفوذه في البيت الأبيض. حيث صرحت إدارة بايدن أنها ستتبع نفس المسار الذي سلكه ترامب في تطبيع العلاقات، وأن تركيا ستعطي ميزة كبيرة للصهاينة من خلال تغيير مسارها والتوافق مع هذه العملية.

لكن تحسين العلاقات مع تركيا، دون تغيير سياسات أنقرة الإقليمية، يتعارض مع طبيعة وشروط التطبيع. حيث تؤكد امريكا والكيان الصهيوني، من أجل تشكيل تحالف مع المشيخات العربية على الخليج الفارسي، على منظور أمني مشترك مع هذه الدول حول التهديدات التي تشكلها تركيا ومحور المقاومة. وفي غضون ذلك، يمكن أن يؤدي القرب من تركيا بطبيعة الحال إلى تعطيل عملية التطبيع دون مراعاة مخاوف الدول العربية بشأن استمرار دعم أنقرة للإخوان المسلمين. لذلك مع العلم أن إغلاق مكتب حماس في اسطنبول، سيؤدي إلى جانب تحسين العلاقات مع مصر والسعودية، الى التقليل من نفوذ تركيا بين الإخوان المسلمين وثقة الإخوان في تركيا في جميع أنحاء المنطقة، وبالتالي يقلل من نفوذها في المنطقة.

وفي المقابل، سيحاول الكيان الصهيوني قطع يد تركيا في التطورات في فلسطين. وسيفهم ذلك أن أردوغان يدير ظهره للفلسطينيين، إضافة إلى تقليص نفوذ تركيا في التطورات الفلسطينية، كما سيكون له تأثير سلبي على شرعية حكومة أردوغان، وسط أوضاع اقتصادية سيئة وضغوط خارجية. الامر الذي سيؤدي الى استياء الناخبين الأتراك المسلمين من النهج النفعي للحزب الحاكم تجاه القضية الأهم في العالم الإسلامي وبالتالي الإطاحة بأردوغان.

وبالنظر إلى كل هذه الأبعاد، يمكن القول إن شروط الكيان الصهيوني عمليا ستكون أشبه بمعاهدة سيفر (1920) لأردوغان والتي أدت إلى تفكك الإمبراطورية العثمانية.

  • الوقت تحليلي واخباري

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا