مرة جديدة تُخترق السيادة العراقية من أوسع الأبواب

30
  •  محمد كاظم خضير

إنّ العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على نواب وشخصيات ينتمون إلى الحشد الشعبي والمقاومة وآخره الحاج فالح الفياض، ليست هي الأولى ولن تكون الأخيرة. لأنّ الولايات المتحدة تهدف من هذه الإجراءات، إلى ممارسة المزيد من الضغوط على العراق وحكومته ، لحمله على الإذعان والرضوخ للسياسات الأميركية حيال المنطقة، وحياله بالذات، وتحميل الحكومة العراقية في ما بعد المسؤولية عن التبعات الناجمة عن هذه العقوبات، وعن أيّ تقصيرٍ من جانبها في حال عدم التجاوب مع المطالب الأميركية، لجهة العمل على تجريد الحشد الشعبي من سلاحها ، وفق ما يريده العدو ويصرّ عليه وترغبه واشنطن. وكذلك صفقة القرن ورفض العراق لها، وعدم انخراطه في مشاريع التطبيع مع العدو، ورفضه المطلق لبقاء القوات الامريكية على أرضه، واستحالة تجاوبه مع السياسات الأميركية الرامية إلى اختزال فريقٍ سياسي، هو ركن أساسي في الحياة السياسية العراقية ، يتمتع بقاعدة شعبية واسعة عزّزت حضوره، ووجوده وفعاليته على الساحة العراقيه كلها، لا سيما داخل المجلس البرلماني وداخل الحكومة، وأيضاً دوره المتميّز المقاوم في الدفاع عن وجود العراق وسيادته وأمنه واستقراره، وتحرير أرضه والتزامه بقضية العرب المركزية ودعمه لها.

ما كانت العقوبات الأميركية لتُفرض على العراق لولا معرفة واشنطن أنّ المقاومة في العراق ، تشكل عقبة رئيسة في وجه سياساتها الرامية إلى ترويض العراق ، وضمّه إلى معسكر التطبيع مع إسرائيل ، وحمله على الإذعان لسلام الأمر الواقع الذي ترسمه واشنطن وحلفاؤها في المنطقة.

إنّ العقوبات الأميركية وإنْ غُلِّفت بحجج واهية تفتقد للصدقية، هي عقوبات سياسية صرفة تعوّدت عليها دول عديدة في العالم، عانت ما عانته من استبداد وتعسّف القرارات الأميركية حيالها. وما العقوبات التي فُرضت بحق فالح الفياض ، إلا لتشكل انتهاكاً سافراً لسيادة العراق واعتداءً صارخاً على الحياة الديمقراطية فيه، وعلى كرامة العراقيين بكلّ أطيافهم. عقوباتٍ تجسّد العنجهية والصلف والتسلط والاستبداد للسياسات الأميركية المستمرة التي لم تتوقف أبداً.

إنّ الولايات المتحدة التي دعمت على مدار عقود أعتى الديكتاتوريات في العالم، وأطاحت برؤساء وحكام، ورعت أنظمة فاسدة عنصرية، وغطّت حكوماتٍ رجعية، وأشعلت اضطرابات وحروباً في القارات الخمس، وفككت دولاً، وساندت حركاتٍ انفصالية، وأجّجت حروباً أهلية، وكانت بأجهزة استخباراتها وراء العديد من الانقلابات على الأنظمة الوطنية المعارضة لسياساتها والرافضة للدخول في فلكها، تريد من الحكومة العراق اليوم تحت الضغط والتهديد والوعيد، والتلويح بالعقوبات تلو العقوبات، أن تخنق الحشد الشعبي وتطوّقه، وتنزع عنها كلّ أسباب القوة التي تستند إليها.

بعد فشل كلّ السياسات المعادية التي اتبعتها الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية حيال المقاومة في العراق ، وإنفاقها مئات الملايين من الدولارات على تشويه سمعتها، وشيطنتها، لجأت واشنطن إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات، تضع قادة المقاومه بجناحيه العسكري والسياسي على لائحة الإرهاب، وتلاحق العديد من عناصره. إلا أنّ هذه الإجراءات لم تفلح ولم تحقق لواشنطن غايتها، ما دفعها إلى تصعيد العقوبات على الحشد الشعبي التي من خلالها تريد وضع الحكومة العراقية وجهاً لوجه في مواجهة المقاومة وهي تمارس عليها وعلى وقادة المقاومه المزيد من الضغوط والقيود التي تُرهق الحكومه العراقية ، وتضع الحكومة بعد ذلك في مأزقٍ حرج تجاه العراقي ، تدفعها إلى تحميل الحشد الشعبي في ما بعد المسؤولية عن الذي يحصل، وكذلك تبعات وتداعيات العقوبات الأميركية المفروضة على قادة المقاومه . .

إنّ القيادات السياسية والحزبية والفعاليات والهيئات الشعبية أمام مسؤولية تاريخية، لا يمكن التفريط بها أو تجاهلها. فالمسألة لا ترتبط بفالح الفياض والحشد الشعبي فقط، وإنما ترتبط أيضاً بمصير العراقيين ، كلّ العراقيين دون استثناء. فالانقضاض على فريقٍ ما لا سيما فريق المقاومة، هو انقضاض على الوطن كله، لأنّ مواقف العراقيين ونضال المقاومين وقضاياهم غير منفصلة عن القضايا المرتبطة بالعراق والمنطقة. إذ لا يستطيع العراق أن يقف موقف اللامبالي حيالها، أو الداعم للمشاريع الخارجية المشبوهة، خاصة عندما تكون المسائل الجوهرية ترتبط بسيادة العراق واستقراره وأمنه ثرواته ووحدة شعبه. إنها مسؤولية الجميع دون استثناء. فما تريده واشنطن هو أن تكون المقاومة، والحشد الشعبي ، كبش فداء للحلف الأميركي الإسرائيلي وأتباعه في المنطقة، بغية تمرير سياسات ترامب فيها، وبالذات صفقة القرن، وإنْ جاءت هذه السياسات على حساب شعوب المنطقة كلها، لا سيما على حساب سيادة وأرض وشعب العراق .

نقول هذا ليس دفاعاً عن فالح الفياض والمقاومة، فالمقاومة التي ناضلت وحرّرت أرض وطنها ومرّغت أنف العدو داعش ، تستطيع أن تدافع عن نفسها، وإنما نقول ذلك دفاعاً عن مستقبل العراق ومصالحه وصوْناً لسيادته وحرية قراره، وتعزيزاً لوحدة شعبه، ووفاءً لشهداء الوطن الذين دافعوا عنه، وحرّروا جنوبه، حيث دماؤهم الزكية لم تجف على أرضه بعد.

إنها وقفة كلّ العراقيين في وجه الإرهاب الذي تقوده وتمارسه الإدارة الأميركية بحق العراق حكومةً وشعباً. فالرضوخ للابتزاز والعقوبات، والتباين في وجهات النظر، واللعب على حبال السياسة الداخلية، وتحميل المسؤولية لطرفٍ ما، وإيجاد التبريرات المشبوهة للعقوبات، سيؤدّي إلى ضرب النسيج الوطني في الصميم، وإلى إيجاد انقسام داخلي خطير يراهن عليه المتربّصون بالعراق ، نحن بغنى عنه. لأنّ الانقسام سيجلب الويلات للبلاد ويُدخلها في نفق مجهول.

إنّ الموقف العراقي ضد عقوبات على الفياض يجب أن يُحصّن ويكون واحداً موحداً لا غبار عليه، يعبِّر عن مصلحة وطن ومستقبل شعبه، وعن مسؤوليةٍ وطنيةٍ عالية قبل كلّ شيء، دون الدخول في متاهات الأخذ والردّ، وتبادل الاتهامات والسجالات العقيمة، وتحميل قرارات العقوبات لجهةٍ ما وتضييع البوصلة. فالجميع على مركب واحد. وهنا تكمن المسؤولية الكاملة حيث نعوّل على حكمة المسؤولين في التعاطي مع العقوبات الظالمة التي تواصل الإدارة الأميركية في اتخاذها من آنٍ إلى آخر، والتي من المتوقع لها أن تتوسّع أكثر لتصبح أكثر إيلاماً.

كلّ الأطياف السياسية اليوم على المحك… فأيُّ خيارٍ أمامها؟! أهو خيار الوطن في قرارٍ موحد شجاع يصون سيادته ووحدة شعبه؟! أم هو خيار تجّار السياسة المفرّطين بمصالح الوطن في بازار الابتزاز الأميركي؟!

هي الأيام بيننا التي ستكشف النقاب لاحقاً عن المواقف وحقائق الأمور.

  • المعلومة

 

اترك تعليق

قم باضافة تعليق
الرجاء ادخال اسمك هنا